ثقافة وفن

من الإحباطات إلى الاتهامات بالجنون، إليكم بعض التحديات التي تواجه أصدقاء البيئة

نشارككم إياها في اليوم الدولي لحفظ طبقة الأوزون

بقلم وفاء خيري

تقول ميرنا: «أُخيّر نفسي بين العطش لآخر اليوم أو شراء زجاجة مياه بلاستيكية». الرسمة: شيماء العلوي.

في السنوات والعقود الأخيرة بدأت جهات عالمية بتركيز جهودها على مكافحة والتحدث عن الأخطار البيئية التي تهدد الأرض، أهمها الضرر الناتج عن الاحتباس الحراري، والذي يمكن أن يسبب لنا أضرارًا كارثية في المستقبل القريب، بنتائج وخيمة . ويعود سبب الاحتباس الحراري، وما يتبعه من تأثيرات سلبية ، إلى إزالة مساحات كثيفة من الغابات، والأراضي الزراعية، بالإضافة إلى الاتجاه المهول إلى الصناعة، وغيرها من مسببات التلوث على الأرض، مما يؤدى بدوره إلى احتباس غازات دفيئة في الغلاف الجوي. وفي القرن الماضي ازدادت هذه الغازات بشكل لم يسبق له مثيل منذ ثلاثة ملايين عام. كل ذلك  من المتوقع أن يؤثر بدوره على الإنتاج الغذائي وارتفاع منسوب البحار، الذي من المتوقع أن يتسبب في الفيضانات وغيرها من الكوارث. وهذا يجعل من اللازم أن تتخذ الحكومات، في بلدان العالم، إجراءات صارمة في هذا الصدد لأننا جميعًا متضررون.

ولكن بالإضافة لذلك كله، هل في أيدينا نحن كأفراد فرصة لكي نساهم في الحد من كل هذا التلوث؟ بالتأكيد هناك فرص كثيرة، ولكن إلى أي مدى يمكن إتباع أساليب حياتية معينة للمحافظة على البيئة وسط كمية تلوث واستهلاك مهول للبلاستيك في العالم كله؟ وما هي بعض التحديات التي تواجه الأشخاص الذين قرروا أن يتبعوا نمط حياة أكثر ملائمة للبيئة؟ سألنا مجموعة من المهتمين بالحفاظ على البيئة عن التحديات المختلفة التي تواجههم لاتباع هذه الأنماط، وهكذا جاءت إجاباتهم. 

«كانت البداية إشاعة جنوني لعدة السنوات»

يخبرني مبارك الصقور، ٤٥ عامًا، وهو موظف بإحدى المؤسسات السعودية، والذي تربى في إحدى قرى محافظة نجران بالسعودية، أنه قد بدأ رحلته في المحافظة على البيئة منذ ٨ سنوات، «بدأ الأمر بأنني سافرت لأدرس في الرياض ، وبعدما عشت ١٢ عامًا خارج قريتي ومدينتي عدت لأجد أن كل شيء قد تغير، فالمدينة قد عمَّها التلوث، وأدركت أن علي مسؤولية اجتماعية تجاه مدينتي». بدأ مبارك بتنظيف المدينة بمفرده، ثم بدأ بزراعة الأشجار فيها. كان مبارك يرى أنه لا حاجة لاستيراد أشجار من خارج السعودية، وكان دائمًا يرى أن الأشياء الطبيعية هي الأصل؛ بدون تدخل المبيدات الحشرية أو السماد الكيميائي و كل ما هو غير طبيعي، وراح ينظف شوارع المدينة، وبمرور الوقت انضم له بعض المتطوعين القليلين إلى أن انهالت عليه الفرص المتعددة وبدأت وسائل الإعلام بالتركيز على نشاطاته. وبعد أن كوّن فريقًا تطوعيًا- تحول بعد ذلك إلى جمعية رسمية – تلقى الدعم من الدولة. 

تجربة زراعة الأشجار وتنظيف المدينة ليست الإنجاز الوحيد الذي قام به مبارك، بل قام كذلك ببناء منزله من المواد العضوية الصديقة للبيئة ، واستغرق بناؤه ٤ سنوات، ليثبت بأن الطبيعة قادرة على إعطائنا ما نريده بدون أي تدخل صناعي. 

يقول سالم: «أزرع أمام المنزل وعلى السطح وأمام المطبخ وفي كل مكان». الرسمة: شيماء العلوي.

حينما سمعت من مبارك عن كل تلك المجهودات الرائعة التي يقوم بها والتجربة المميزة التي مر بها ، ساورني الفضول أن أعرف إن كان  المجتمع مشجعًا له أم لا، خاصة في بداياته، وكانت الإجابة صادمة بالنسبة لي. يقول مبارك: «لم يتقبل المجتمع ما أفعله أبدًا في البداية، بل كانت البداية إشاعة جنوني لعدة سنوات! وقد سبب لي ذلك تنمر كبير على المستوى العائلي والمجتمعي، بالإضافة إلى أني فقدت علاقات كثيرة». ولكن الوضع الآن مختلف كثيرًا، فمن كانوا يمارسون التنمر على مبارك أصبحوا يتربصون به ويخشون نجاحه المستمر.

ليس مبارك فقط الذي يستنكر الكثيرين سلوكه في  المحافظة على البيئة. ميرنا ماهر، ٢٦ عامًا، صيدلانية، بدأت رحلتها مع تقليل البلاستيك منذ سنتين، بعد أن قرأت عدة مقالات عن أضراره الفتاكة. حينها قررت أن تبدأ رحلتها في الصداقة مع البيئة، وبدأت بالامتناع عن شراء قارورات المياه البلاستيكية، واشترت قارورة ماء زجاجية خاصة بها تملؤها عند الحاجة. ولكن هذا كان ومازال يشكل لها تحدٍ كبير، تقول ميرنا : «حينما أُنهي كمية الماء الخاصة بي، أكتشف أني بحاجة إلى المزيد من الماء، وغالبًا لا أجد أي مكان لأملأ فيه زجاجتي، خصوصًا في الصيف، وحينها أُخيّر نفسي بين العطش لآخر اليوم أو شراء زجاجة مياه بلاستيكية». لم تكتفي ميرنا بالتقليل من استهلاكها للمياه المعلبة فحسب، بل تحاول شراء كل ما هو آمن للبيئة، حتى معجون الأسنان الخاص بها.

لاحظ أصدقاء ميرنا الكثير من التغييرات في سلوكها وكانوا كثيرين التعليق على النظام الجديد الذي بدأت أن تتبعه. تقول ميرنا: «أحيانًا يُعجب الكثير بما أفعله، وحين يسألوني عن أسعار تلك الأشياء أو من أين أشتريتها يصمتون حين يكتشفون غلاء سعرها. ولكني لم أسلم من الساخرين أيضًا، الذين يقولون لي أن كمية التلوث الموجودة في مصر أكبر من أن أؤثر فيها بسلوكي». تلك ليست التحديات الوحيدة التي تواجهها ميرنا، بل ظهور فيروس كورونا قد أثر على ما تفعله أيضًا، خاصًة لأنها صيدلانية في إحدى المؤسسات الحكومية المصرية، وبحكم أنها تتعامل مع مرضى، فإنها تضطر إلى استهلاك كمية كبيرة من الكمامات والأدوات البلاستيكية، مثل الأكواب وأدوات الطعام، وذلك يشعرها بالذنب كثيرًا.   

يقولون لي «أتعتقد أنك ستغير العالم بما تفعله؟»

الحفاظ على البيئة له أوجه كثيرة، فإن تأملنا بهدوء الواقع الذي نعيشه سنجد أن الكثير من أنشطتنا أو من المواد التي نستهلكها تضر البيئة بطرق مختلفة، من عوادم سياراتنا وكميات القمامة المهولة التي ننتجها،  إلى الأشياء التي لا نُعيد تدويرها أو نستهلكها. ويتضمن ذلك ارتداء أو استهلاك منتجات معينة تضر البيئة، مثل البلاستيك، الذي يعد الأكثر ضررًا على حياتنا جميعًا، لأنه يؤثر على الكثير من الكائنات الحية التي قد يسبب لها الاختناق والأذى، أو على لأرض والبيئة بصورة عامًة لأنه يستغرق سنوات طويلة للغاية حتى يتحلل، ولهذا واجبنا أن نقلل من استخدامه قدر الإمكان وأن نجد له بدائل.

في هذا الصدد يضيف أيمن، ٢١ عامًا، أنه يمتنع عن استخدام البلاستيك ويحاول التقليل من وإعادة تدوير الأشياء التي يستخدمها، وأهمها الحقائب البلاستيكية التي يستخدمها الكثير منا عند التسوق. يقول أيمن «لدي مشكلة كبيرة مع ثقافة الاستهلاك والإهدار التي لدينا؛ [مثلاً] لماذا نشتري أطعمة بكميات كبيرة إذ لم نكن سنتناولها كلها؟ لقد تعوّدنا على إنتاج واستهلاك كل شيء بكميات كبيرة دون وضع أي حساب للضرر الناتج عن ذلك». يحاول أيمن أن يغير من سلوكه البيئي قدر الإمكان، وهذا بدوره قد لفت أنظار أصدقائه الذي أثّر في بعضهم فعلًا وجعلهم يمتنعون عن شراء المياه المعلبة بالبلاستيك والمواد البلاستيكية قدر الإمكان، ولكنه يجد على الناحية أخرى تعليقات سلبية، أكثرها إحباطًا تلك التي تأتي من أسرته، « يقولون لي اتعتقد أنك ستغير العالم بما تفعله؟».

« بدأت بالاهتمام بالبيئة بعدما شاهدت فيلمًا وثائقيًا يتحدث عن أضرار البلاستيك على الحيوانات والكائنات البحرية»

« المحافظة على البيئة أصبحت الآن أمر ضروري وملح». الرسمة: شيماء العلوي.

لا يقف الأمر عند هذا الحد، ولا ينتشر السلوك المراعي للبيئة لدى البعض من الأجيال الجديدة فقط؛ إذ يبدو أن الأجيال الأكبر بيننا لديهم شعور بالمسؤولية تجاه البيئة والحياة الصحية أيضًا . سالم أحمد (اسم مستعار)، يحافظ على البيئة بطريقته الخاصة، فهو محب وهاوٍ للزراعة، ولأنه متقاعد فقد وجد فرصة ذهبية لممارسة هوايته المفضلة وهي زراعة الفواكة والخضروات، بدلًا من شراء المزروعات الملوثة والمليئة بالمبيدات الحشرية،على حد تعبيره. يقول سالم: «أزرع أمام المنزل وعلى السطح وأمام المطبخ وفي كل مكان». يستخدم سالم الزراعة المائية، وهي الزراعة بدون تربة، ويدعو الجميع للمحافظة على البيئة بطريقته الخاصة.  

أما إيمان الشيخ، ٢٩ عامًا، مهندسة، فتقول أنها بدأت بالاهتمام بالبيئة بعد أن شاهدت فيلمًا وثائقيًا يتناول أضرار البلاستيك على الحيوانات والكائنات البحرية التي تعتقد أن الفضلات البلاستيكية غذائها، والأضرار التي تمتد على الإنسان أيضًا  عند تناوله الأسماك المغذاة على البلاستيك. ولأن مكونات البلاستيك بالغة الخطورة فإن ذلك من الممكن أن يُعرِّض الإنسان الذي يتغذى على هذه الأسماك إلى الأمراض أيضًا قد تصل إلى العقم أو السرطانات. أدى ذلك بإيمان إلى الامتناع عن استخدام البلاستيك قدر المستطاع، «ولكن التحدي الذي أواجهه، خاصًة أني أعيش في الولايات المتحدة، أن البدائل باهظة الثمن، بالإضافة إلى أن أي متجر يغلف المشتريات في حافظات بلاستيكية، مما يزعجني كثيرًا!» كذلك تجد إيمان أن ليس لكل شيء بلاستيك بدائل مناسبة، فقد جربت مثلًا، أن تشتري رضّاعة زجاجية لإبنتها لكنها وجدتها صعبة الاستعمال.

تعتبر إيمان نفسها في بداية رحلتها مع المحافظة على البيئة لهذا فهي تطلب النصح من جدتها لأن الحياة كانت أقل تلوثًا حينذاك، بالإضافة إلى أنها تشترك في مجموعات الفيس بوك المتعلقة بالبيئة وتقول أنها تتعلم منها الكثير. وتضيف إيمان أنها تعلم ابنتها ذات الخمس سنوات وتربيها على نمط حياة صحي لتكون صديقة للبيئة عندما تكبر.      

المحافظة على البيئة أصبحت الآن أمر ضروري وملح، فلنقرأ عن الآثار المخيفة التي يمكن أن تنتج عن الاحتباس الحراري أو حتى القمامة والبلاستيك المتراكمة في الأرض، سندرك أن أثر ما نفعله بكوكب الأرض مدمر حقًا. لنقلل من استخدام البلاستيك ونعيد تدوير الأشياء ونعتدل في كل سلوكنا الاستهلاكي، حقًا يمكننا التغيير وتحويل الأرض إلى كوكب أخضر. 


وفاء خيري صحفية مصرية مهتمة بالمجالات الثقافية وقضايا المرأة، تكتب في عدد من المنصات العربية المتنوعة. حياتها لا تخرج عن الكتابة والقراءة، فحين لا تكتب، حتمًا سيكون رأسها بين دفتي كتاب.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.