ثقافة وفن

الفن العربي الأصيل والشباب: هل يلتقيان؟

غالباً ما يُتهم أبناء جيلي بابتعادهم عن «الفن الأصيل»، وعدم تقديرهم للمعجزات التي صنعها

بقلم ليان أبوشكيّر

كوكبة الشرق أم كلثوم. الرسمة: شيماء العلوي.

غالباً ما يُتهم أبناء جيلي بابتعادهم عن «الفن الأصيل»، أو ما يُسمى بموسيقى الطرب العربي، وعدم تقديرهم للمعجزات التي صنعها كلٌ من سيد درويش وزكريا أحمد وبليغ حمدي و ووو.. وغالباً ما يُقال بأن من يستمع إلى هذا النوع من الموسيقى من جيل الألفية ما هو إلا عاشق قد وقع في شباك الحب، فلم يجد أنيساً سوى أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وأسمهان ووردة وغيرهم من مخضرمي «الزمن الجميل».

الاتهام الأول مرفوض وغير صحيح، فكثير منا تحلو له تلك الأنغام. بل ووصل ببعضنا الحال حتى تعمقنا في كل لحن وكلمة، ومع كل تنهيدة، تساءلنا لو أننا قد ولدنا في زمن غير زماننا. أما الاتهام الثاني، فعلى رغم صحته في كثير من الأحيان، إلا أنه في أحيان أخرى ما هو سوى تجنٍ على من هوى الطرب العربي ووجد فيه سحراً لم يجده في غيره من الفئات الموسيقية الأخرى. 

وبهذا الشأن، تحدثنا إلى مجموعة من الشباب العربي الذين عشقوا «الفن العربي الأصيل» وكثيراً ما تمنوا لو أنهم ولدوا في «الزمن الجميل» وعاشوه بكل تفاصيله الفنية والموسيقية. تحدثنا معهم لنعرف أكثر عن سر تعلقهم بماضٍ لم يعيشوه وبموسيقى لم تُصنع لزمانهم، فسألناهم عما يجذبهم في موسيقى الطرب وعما إذا كانت تختلف عن غيرها من الكلاسيكيات الأخرى. 

للبيئة التي ننشأ فيها علاقة وطيدة بتشكيل ذائقتنا الفنية

قبل التحدث إلى من يشاركني هذا الاهتمام، ظننت أنني الوحيدة التي لم تجد لها مكاناً في زمانها فظلت تتنقل – موسيقياً على الأقل – ما بين اليوم والبارحة.  أما بعد حديثي مع عاشقي الزمن الجميل من شباب اليوم، فقد وجدت في كلماتهم أنيساً وفي أفكارهم طمأنة بأن هذا النوع من الفن لا يزال – وسيظل – خالداً كما عهدناه بسبب انتقال عدوى حبه من جيل إلى جيل، حتى إلى جيل الألفية إن كنتم لا تصدقون!

وعلى رغم تعلقي بموسيقى الطرب، إلا أنه لم يكن هذا هو الحال دائماً. فقد نشأت في أسرة تُقدر كلاسيكيات الفن والأدب، فلم يخلُ منزلنا من كتب نجيب محفوظ وغسان كنفاني ودواوين محمود درويش وأصوات أم كلثوم وفيروز تصدحان في كل زاوية. إلا أنني كنت أتذمر وأتململ مع كل مرة يختار فيها والداي «كاسيتاً» لفيروز أو أم كلثوم أو وردة. كنت أحس بثقل كلماتهم وألحانهم على السمع، وأطالب بأحدث الكاسيتات لفناني جيلي. لكنني كبرت وكبر فيّ حنين لفترة الطفولة، فلم أجد سوى زمن والديّ الجميل بكل ما فيه من ألحان وكلمات ومقامات كي أسترجع فيه «زمني الجميل». 

العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ. الرسمة: شيماء العلوي.

وبهذه القصة تشاركني جوري شريتيح، ٢٥ عاماً، دكتورة مختبرات طبية لبنانية، حيث كبرت هي الأخرى في منزل محب للطرب، وفي أسرة يتمتع أغلب أفرادها «بحناجر ذهبية»، لكنها لم تُقدّر فن هؤلاء حتى اكتشفت قدرة أم كلثوم السحرية على تهدئة الأعصاب قبل كل امتحانٍ للرياضيات. 

«لم تكن أغاني الطرب تنقطع في منزل والديّ، لكنها كانت مزعجة بالنسبة لي بحكم عمري الصغير. استمر ذلك إلى أن وصلت الثانوية، فكنت أنتظر الساعة التاسعة مساء حتى ينام أهلي ثم أسهر أدرس الرياضيات مع فنجان من القهوة وصوت أم كلثوم يتردد في الخلفية، مما جعلني استجمع تركيزي وأدرس بكل عمق وهدوء». 

وهكذا تعلقت جوري بموسيقى الطرب حتى باتت تحس بأنها تنتمي لذاك الجيل أكثر من انتمائها لجيلها الحالي. 

«عندما كبرت، أصبحت أحس بأنني خُلقت في زمن غير زماني أو أنني قد عشت حياة سابقة أيام أم كلثوم وأسمهان ومحمد عبد الوهاب. أعتقد بأن هذا الإحساس تملكني عندما أدركت نقاوة الفن الذي كانوا يقدمونه ونظافته، فهو خالٍ من أي ابتذال في وصف المحبوب أو المحبوبة، بل ويقدم الحب بكل رقي ونقاوة». 

وفي بعض الأحيان، يكون للبيئة والثقافة التي ننشأ فيها علاقة وطيدة في تشكيل ذائقتنا الفنية والأدبية، ولربما هذا ما جعل مني ومن جوري وغيرنا الكثيرين عشاقاً «للأبيض والأسود» ولألحانه وكلماته ورواده. وفي هذا الشأن، تحدثت إلى تالة زينو،٢٤ عاماً، مهندسة كيميائية سورية، وقد أكدت لي بأن لتعلقها بموسيقى الطرب علاقة مباشرة بما نشأت عليه من أغانٍ لأسمهان وعبد الحليم حافظ وفيروز وغيرهم. «أول ما استمعت للطرب كان في منزلنا ونحن صغارٌ، فكنا نقضي يومنا بالاختيار ما بين كاسيتات شادية وأم كلثوم ووردة وعبد الوهاب.. وهكذا كبر فيّ الطرب وكبرت فيه» .

 يشكل لحن الأغنية [الطربية] مع كلماتها ومع قدرات المطرب أيقونة حقيقة تعيش في كل جيل

وبسبب خلفية تالة الموسيقية ونشأتها في أسرة تَدْرس الفن وتُدَرِّسه، خطر لي أن أسألها عما يميز موسيقى الطرب العربي عن غيرها من الأنواع الأخرى وعما يجعلها خالدةً حتى يومنا هذا، وذلك من وجهة نظرها الشخصية كممارسة للموسيقى العربية. ووفقاً لتالة، فإن في الأغنية العربية الكلاسيكية تنوعاً هائلاً في اللحن والمقام والكلمات، «وكان للمطرب قدرات هائلة، فيشكل لحن الأغنية مع كلماتها ومع قدرات المطرب أيقونةً حقيقيةً» تعيش في كل جيل وتتنقل من زمن إلى آخر.  

وبعد نقاش مع من تحدثت إليهم من الشباب العربي، فقد اتفقنا جميعاً على أن سحر الأغنية العربية الطربية يكمن في كم الجهد المبذول في سبيل خلق أيقونة لا مثيل لها، مما يبقيها حية على مدى عقود. فعن ذلك حدثنا عُبيدة زينو، ٢٢ عاماً، مهندس كيميائي سوري، حيث يقول بأن ما يجذبه في الطرب العربي هو «الألحان المستخدمة وتجانسها مع كلمات الأغنية والحالة التي يتم التعبير عنها. فمثلاً، للتعبير عن حالة الحزن، نجد الملحن يستخدم مقاماً شجياً يتناسب مع حالة الحزن في المقطع، وكذلك الأمر بالنسبة للفرح والحب وغيره من المشاعر» .

«أول ما استمعت للطرب كان في منزلنا ونحن صغارٌ، فكنا نقضي يومنا بالاختيار ما بين كاسيتات شادية وأم كلثوم ووردة وعبد الوهاب.. وهكذا كبر فيّ الطرب وكبرت فيه». الرسمة: شيماء العلوي.

وبسبب تكامل العمل الموسيقي، يجد المستمع نفسه وقد عاش حالة من الحب أو الحزن أو الفرح وذلك وفقاً لكلمات الأغنية وألحانها ومقاماتها. ففي كثير من الأحيان، نسرح بخيالنا مع كل لحن وكلمة لنعيش قصصاً لم نعشها ولنحس بأحاسيس لم تطرق أبوابنا من قبل. ولهذا السبب، قد نحس بأننا قد ولدنا في زمان غير زماننا. 

عبيدة: «مثلاً، أغنية شادية « إن راح منك يا عين» قد تجعلني كمستمع أحس بنوعٍ من الحنين لماضٍ لم أعشه.. ماضٍ يُصور ما كان عليه المجتمع العربي في فترة زمنية لم أعش فيها، وهذا الإحساس يعود لتكامل العمل الموسيقي الذي يضع المستمع في الحالة المُراد إيصالها للجمهور».

المسألة ليست مسألة في أي زمان ولدنا 

الأسطورة أسمهان. الرسمة: شيماء العلوي.

وهناك من قد يخالفنا الرأي في مسألة الولادة في الزمن الخاطئ، فلأمجد مكارم، ٢٥ عاماً، مهندس مدني سوري وعازف إيقاع، وجهة نظر مختلفة ومثيرة للاهتمام، حيث يقول: «المسألة ليست مسألة في أي زمان وُلدنا، وإنما نوعية الأعمال الموسيقية التي يخلقها كل جيل. ففي «الزمن الجميل»، كانت عملية كتابة وتلحين أغاني أم كلثوم مثلاً تستغرق سنيناً، مما يخلّف عملاً شبه متكاملٍ. أما في وقتنا الحالي، فأصبح الإنتاج الموسيقي يعتمد على الكم لا النوعية مع الأسف». 

وبغض النظر عن سر تميز موسيقى الطرب العربي وخلودها، نعود لنقطة نقاشنا الأساسية، وهي أن لجيل الألفية ذائقة موسيقية متنوعة، فمنا من يعشق الطرب ويقدره ومنا من يعشق الفن الحالي ويفهمه، وما بين هذا وذاك، تجد جيلاً ذا تجارب متنوعة يصل بذائقته هذه ما بين جيل اليوم والأمس. لذلك، كفانا اتهاماً لأبناء الألفية وتشكيكاً باختياراتهم الفنية والأدبية، فقد أثبت كثير منهم قدرته على خلق نتاج فني لا يستهان به. ولعلهم، وبهذا النتاج، يخلقون زمنناً جميلاً لأنفسهم ولمن يلحقهم.


ليان أبو شكيِّر صحفية وكاتبة سيناريو سورية تعمل في عدد من المنصات العربية والعالمية، وهي حالياً متدربة في سكة. تعشق خشبة المسرح وتهوى الفن والأدب، وتؤمن بأن للكلمة والفن قدرة سحرية على تغيير العالم.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.