ثقافة وفن

نساء يخبرننا عن التمييز في عملهن فقط لأنهن إناث

مازلنا نشهد على حالات تهميش وتمييز لا تعد ولا تحصى ضد النساء

بقلم عفاف بوعكادة

لقد كُتب الكثير حول التمييز بين الجنسين في أماكن العمل، وشهدنا ميلاد عدد لا يُحصى من المبادرات التي تدعو إلى تمكين المرأة والمساواة بين الجنسين في جميع مناحي الحياة. لكن شتان بين ما تسطره الأقلام وبين ما يُطَبّق على أرض الواقع. مازلنا نفتقد لتواجد النساء في المناصب القيادية في كثير من الدول حول العالم، ومازلنا نشهد على حالات تهميش وتمييز لا تعد ولا تحصى ضد النساء.

العمل الفني: شيماء العلوي.

تعتبر مشكلة التمييز بين الجنسين في أماكن العمل نقطة سوداء تؤرق الناشطين الداعين إلى المساواة في العالم أجمع. فبحسب أرقام هيئة الأمم المتحدة للمرأة في ٢٠١١-٢٠١٢، يبلغ أجر النساء٧٠ إلى٩٠ في المائة من أجر الرجال، أو حتى أقل من ذلك في بعض الدول الآسيوية أو اللاتينية. كما أن نسبة مشاركة النساء في القوة العاملة العالمية في الوقت الحالي لا تزيد عن ٤٩٪، مقابل ٧٦٪ بالنسبة للرجل، بحسب منظمة العمل الدولية. وهذه الفجوة لاتبدو في طريقها إلى التقلص في أي زمن قريب. هذا دون ذكر الوظائف غير المستقرة أو تلك بدوام جزئي وظروف العمل القاهرة التي تحكمها يد المشغِّل.

كنت قد شاهدت منذ بضعة أيام حلقة من سلسلة وثائقية تتحدث عن التمييز بين الرجال والنساء في العالم. الأرقام كانت صادمة وتدعو للتفكير المعمق لأن هذه الظاهرة لا تستثني أي بلد أو مجتمع. فمثلًا في الولايات المتحدة الأمريكية، مقابل كل دولار يجنيه الرجل، نجد نصيب المرأة لا يتجاوز ٨٠.٧ سنتًا لقاء نفس العمل. هنا بدأت أتساءل، ما وضع منطقتنا العربية يا ترى؟

لم يكن سقف توقعاتي مرتفعًا كثيرًا صراحة، لذلك لم تصدمني الحقائق والأرقام التي وجدتها عند القيام ببحث صغير على شبكة الإنترنت. حسب ما جاء على الموقع الرسمي لمنظمة العمل الدولية، يبلغ معدل مشاركة المرأة العربية في القوى العاملة ١٨.٤ في المائة، وهو الأدنى في العالم مقارنة بالمتوسط العالمي الذي يبلغ ٤٩ في المائة كما رأينا أعلاه. وتبلغ نسبة بطالة المرأة في الدول العربية ١٥.٦ في المائة، وهي ثلاثة أضعاف المعدل العالمي. أما عن تولي النساء العربيات المناصب الإدارية في المنطقة، فإن النسبة تصل فقط إلى ١١ في المائة مقارنة بالمتوسط العالمي الذي يبلغ ٢٧.١ في المائة.

برأيي أن الأمر يرتبط بشكل وثيق بالأعراف والتقاليد المحلية ولا دخل للدين فيه، بحيث لا يزال البعض ينظر للمرأة كربة البيت التي يجب عليها بالضرورة الاهتمام ”بالبيت والعيال“ مهما ترَقت وأينما وصلت من مناصب. المسار بالنسبة لهم واضح منذ البداية: تخرّج، زواج، أولاد، الاهتمام بالبيت. وفي حال ما تم الخروج عن هذه الصورة النمطية المعهودة وكسر هذا القالب الذي يفرضه المجتمع على النساء بشكل عام منذ ولادتهن، فإن النتيجة تكون التعاليق اللاذعة والإشارة بأصابع الاتهام لكل من تجرأت على المضي في مسارها المهني بكل ثقة. 

العمل الفني: شيماء العلوي.

أذكر أنني قرأت في مقال للأستاذة مي الشهالي، وهي محاضِرة مصرية في علوم الحاسوب بجامعة برادفورد في المملكة المتحدة، أن التحديات التي تواجهها النساء في سوق العمل خصوصًا في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في المنطقة لا تقل صعوبة على ما نجده في باقي بقاع العالم، وأن الاختلاف الوحيد هو في مستوى التعرض لهذا الموضوع. وتؤكد الدكتورة مي أنه ”لا يتم دائمًا تجسيد التنوّع بشكل كامل عند الحديث عن النساء في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.“.

نقطة تطرقت لها صديقتي سارة، وهي مهندسة معلومات عندما سألتها عن الموضوع، فقالت: ”بدأت ألمس التمييز المطَبق على النساء في المجال التكنولوجي والمعلوماتي عند مصادفتي لمجموعة من الحوادث في وظيفتي السابقة. فمثلًا دائمًا ما كان يُطلب مني المرور بمديري لمراجعة عملي قبل إرساله. في الأول ظننت أن هذه مرحلة يمر بها كل وافد جديد على الشركة حتى يتقن أساسيات العمل، لكن مع الوقت تعمق الأمر أكثر ووجدت نفسي أضيع وقتًا أكثر في مراجعة أعمال بسيطة أنا متأكدة من خلوها من أي مشكل فقط حتى يتم قبولها من طرف باقي زملائي. وفي كل مرة كانوا يقدمون لي الحجة الكلاسيكية المتمثلة في تعلم أشياء جديدة، مع العلم أن هذه ”الأشياء الجديدة“ كنت أشتغل عليها منذ أكثر من سنتين“.

العمل الفني: شيماء العلوي.

وتضيف: ”في مرة، طلب مني مديري العمل على أحد المشاريع، وعندما انتهيت منه وأرسلته له في غضون شهرين قال لي بتعجب ”يستحيل أن تكوني أنتِ من قمت بالعمل،“ في إشارة صارخة منه إلى التقليل من قدراتي فقط لأنني أنثى ولأن هذا المجال أكبر مني. هذه حوادث تقع كل يوم بشكل قد يكون غير مرئي، لكنها تصبح أكثر وضوحًا كلما تقدمنا في المناصب وبدأنا نصل إلى السقف الزجاجي“.

تقول نور، متدربة في مجال علوم الحاسوب: ”لقد صادفت شخصيًا العديد من فرص العمل في ميداني التي تضع ضمن شروط التوظيف أن يكون المتقدم رجلًا دون تقديم أي توضيحات إضافية. ترى الشركات أن توظيف الرجال يُجنبهم الدخول في العديد من الدوامات التي هم في غنى عنها، مثل الذهاب في إجازة الأمومة وتوقف العمل، أو تدني مستوى الإنتاجية بعد الإنجاب، وأن الرجل بطبعه ”أكثر تحملًا للمسؤولية“ من المرأة“ . وعن تجربتها تقول: ”لقد تعاقب على المجيء إلى جامعتنا مجموعة من الموظِفين الذين يبحثون عن طاقات شابة حديثة التخرج، وأغلبهم كانوا يسألون عن الطلبة الذكور فحسب لانتقائهم مهما بلغ اجتهاد الفتاة أمامهم“.

العمل الفني: شيماء العلوي.

ولا تُستثنى باقي المجالات من حالات التمييز التي تشهدها النساء في سوق العمل. تخبرني عبير، طالبة دكتوراه: ”نعم تعرضت للعنصرية والتمييز في مساري المهني كوني عملت في مجال التصوير الفوتوغرافي. توجد قيود واضحة للمرأة في منطقتنا، فمثلًا عند التغطيات الصحفية دائمًا ما تُعطى فرص أوسع للرجال، كما توجد أيضًا بعض القيود بالنسبة للظهور الإعلامي الذي قد يحتم الالتزام بصورة نمطية معينة. هذه كلها أمور كانت تؤثر علي بشكل سلبي وتجعلني أشعر بأنني ناقصة ومقيدة، وهذا بالضبط ما تحس به باقي النساء ويجعل مساهمتها غير فعالة بالشكل المطلوب في المجتمع“.

من جهة أخرى، تقول مرام أن مشكلة التفرقة بين الجنسين تبدأ أولًا من الأسرة: ”في نظري، أرى أن يُطرح العمل أمام الرجل والمرأة ويُترك الأمر لأهلية الشخص ومدى إثباته لنفسه بغض النظر عن جنسه. للأسف يوجد عامل آخر يتحكم بهذا الجانب ألا وهو المجتمع والأسرة، وهذا في رأيي الشخصي هو أصل المشكل ونواته. لقد صادفت العديد من النماذج التي للأسف تعكس هذا الواقع  في المنطقة العربية عمومًا“. وتحكي لي عن إحدى صديقاتها قائلة: ”لدي صديقة رفضت أمها أمنيتها لولوج تخصص الطب والجراحة رفضًا قاطعًا، رغم أن علاماتها كانت عالية وكانت تخول لها الالتحاق بوظيفة أحلامها. كان سبب الرفض بيئة العمل المختلطة. في الأخير أكملت صديقتي تعليمها في تخصص إدارة الأعمال وبعد تخرجها كتب الله لها وظيفة في مستشفى. طبعًا الأم تحس اليوم بالندم وتُقر بأن هذا القرار كان غلطة حياتها لأنها وقفت في وجه أحلام ابنتها. العجيب في الأمر أن أخ هذه الفتاة هو الآن طبيب في نفس المشفى. الأمر حقًا ليس منصفًا بتاتًا“. 

هذه النقطة التي تطرقت مرام جد مهمة وتأخذ في جوهرها أبعاد أكثر عمقًا، لأن أفكار المجتمع والقيم التي تربي عليها الأسرة أبناءها تمتد لتشمل الجانب المهني وتؤثر بالأساس على فرص المرأة وتدرجها في المناصب. 
إلى متى ستبقى المرأة تتخبط في بيئة ترى أنها ناقصة أينما وصلت وكيفما تألقت؟


عفاف بوعكادة، كاتبة مغربية تهتم بالمجالات الثقافية والفنية والنهوض بقضايا المرأة. لها مقالات متفرقة في مجموعة من المنصات الرقمية العربية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.