ثقافة وفن

الأوبئة والجوائح في الخليج: بين ماضٍ مؤلم وحاضر غامض

ما هو الفرق بين أوبئة وجوائح اليوم والبارحة في الخليج؟

.To read in English click here

بقلم جنان الهاملي

العمل الفني: شيماء العلوي.

أي قارئ لتاريخ منطقة الخليج يعلم أن تدوينه من قبل معاصريه غفل عن كثيرٍ من أحداثه ومدنه وشخوصه، فدائماً ما يلجأ الباحثون فيه اليوم إلى سجلات المستعمرين والمستشرقين حيث أن اجتهادات المؤرخين المحليين القلة لا تجيب عن كثير من الأسئلة عنه. وبسبب هذا الفراغ صار الناس يُقدرون تواريخ لأحداث حصلت ولم تكن في ذلك الوقت بالقدر الكافي من الأهمية لتُدوّن وقت وقوعها، كتواريخ الميلاد مثلاً، وإن لم تكن حياة ذلك الشخص مهمة كذلك فقد يلف الغموض حتى وفاته.

 قد يعزو بعض الباحثين هذه السمة في تاريخنا إلى حال التعليم البدائي في المنطقة. فمثلاً قدُرت سنة ميلاد جدي بحوالي عام ١٨٩٣، وهو العام الذي اجتاح فيه وباء الجدري أجزاءً من منطقة الخليج، وقد يكون جدي من الفئة المحظوظة التي رُبط تاريخ ولادتها بحدث مهمٍ تستبين منه ذريته عن حياته منذ بداياتها. لكن هذا المقال ليس معنياً بحال تاريخ الخليج ككل، بل يركز على أوبئته التي وقعت على أرضه وقضى أثنائه الكثير وخلّف بعده من يمكن أن يروون أحداثه لأجيال تالية.

العمل الفني: شيماء العلوي.

“الفناء العظيم”: موت وبدايات جديدة

 في أثناء هذه الجائحة التي نمر بها حاليًا مثلاً جاءني خبر ما يعرف بسنة الطاعون في الكويت، وهو الوباء الذي استشرى في الكويت ومناطق أخرى في العراق في عام ١٨٣١ والذي راح ضحيته ما قُدر بآلاف حينها، من أحد معاصريه وهو عثمان ابن بشر النجدي الذي وصف لنا حال تلك البلدان التي وقع عليها ما أسماه بـ”الطاعون العظيم” الذي جاء بـ”الفناء العظيم”. فيقول ابن بشر، في كتابه “عنوان المجد في تاريخ نجد”، بأنه – وبسبب عدد الموتى الذي فاق التوقعات- ملأت رائحة الجثث الهواء في تلك المدن حيث بقيت تلك الجيف في البيوت والمساجد دون أن تدفن في المقابر، أما الحيوانات ممن امتلكها الناس في تلك الأنحاء فصارت تتجول بين الأحياء حتى نفق منها الكثير بسبب شح الماء والطعام وهو السبب نفسه الذي فاقم من أعداد الوفيات من البشر بالإضافة إلى الوباء نفسه. 

وتداولت وسائل التواصل الاجتماعي في الكويت أيضًا قصة العائلة الكويتية التي قررت المكوث في منزلها تلك الفترة، وحين أرادت زوجة أحد الأبناء أن تشق على أهلها سُمح لها ذلك، لكنها مُنعت من الدخول إلى البيت بعد رجوعها من منزل أهلها الذين كانوا قد توفوا جميعاً، وتوفيت هي كذلك عند الباب. كان من تبقى من أفراد هذه العائلة هم من القلائل الذين عاشوا حتى بعد ارتفاع هذا الوباء. وبعد أن يصف لنا ابن بشر مشاهد نهاية الزمان هذه -بالنسبة لمن عاشها على الأقل- يخبرنا عما حصل بعد أن ارتفع الوباء مخلفاً بعده مدناً خاليةً من أهلها، حيث عاد إليها من كان هرب منها أول تفشي المرض أو من كان مسافراً فلم يرجع في أثنائه. وممن جاء إلى تلك المدن من سمع عن الأموال والممتلكات التي تركها الموتى بعدهم ليقتسموا الإرث بدعوى القرابة والنسب، وكأن هذا الوباء أذن لبدايات جديدة لمن بقي خلفه من الأحياء.

العمل الفني: شيماء العلوي.

جائحة الإنفلونزا الإسبانية: حجر صحي وموت جماعي

وعلى الرغم من شح الخدمات الطبية الحديثة في خليج ما قبل النفط، وجهل الأطباء التبشيريين المنتشرين في أنحاء المنطقة بماهية الفيروسات التي كانوا يتعاملون معها إلا أن أكثر الطرق الوقائية أماناً وأقدمها استخداماً – وهو الحجر الصحي- كان يُطبق فيها خلال تلك الحقبة. فمع حلول عام ١٩٠٨ ألحقت السلطنة العثمانية بمشروع سكة الحديد، وتحديداً في محطتها في تبوك، محجراً صحياً دائماً “نظراً لتزايد عدد الحجاج لمكة المكرمة للحيلولة دون انتشار الأمراض الوبائية”، كما جاء في كتاب “ورقات من تاريخ شمال غرب الجزيرة العربية”.

 وفي أثناء جائحة الإنفلونزا الإسبانية التي اجتاحت العالم ما بين عامي ١٩١٨ و١٩٢٠، والتي وصلت تداعياتها إلى مناطق متفرقة من شبه الجزيرة العربية من بينها الرياض والمنامة، مارس سكان هاتين المدينتين الحجر المنزلي للحد من انتشار المرض، وعلى الرغم من ذلك يصف رئيس بعثة الأطباء التبشيرية البروتستانتية الأمريكية في البحرين الدكتور بول هاريسن، الذي تم استدعاؤه من قبل الملك عبدالعزيز، المشهد في الرياض بأن الموت غيب عُشر سكان المدينة، حتى صارت الحمير والجمال تحمل جثتين في آن واحد. أما في المنامة فلم يكن الوضع أفضل حالاً من الرياض حيث فقدت المدينة خُمس سكانها أي قرابة الـ٢٠ ألف من أصل ١٠٠ ألف قاطنٍ فيها، مهلكاً حفاري القبور في المقبرة خلف مستشفى ميسن التذكاري (مستشفى الإرسالية الأمريكية الحالي).  

العمل الفني: شيماء العلوي.

جائحة كوفيد-١٩: تأقلم مختلف وتستمر الحياة

ومع وصول جائحة كورونا في منطقة الخليج وعودة أقدم وسائل مكافحتها فعاليةً (الحجر) منذ قرابة الخمسة أشهر يفرضها القانون بحظر تجول كلي أو جزئي، يعود مشهد شلل حركة الحياة التي عهدها الناس على هذه الأرض. وفي هذه الظروف يتهادى إلى مسامعنا آراء انتشرت كثيراً بيننا: “أتمنى إصابتي بهذا المرض، فلست من الفئات التي ترتفع بينها الوفيات! سياسة مناعة القطيع، أليس كذلك؟” ترد أختي، إحدى الواقفين على خط الدفاع الأول، على هذه الأقوال بما تمر به كل يوم في المستشفى الذي تعمل فيه، فقبل مرور عامٍ على ابتداء مسيرتها المهنية كطبيبة صار عدد مرضاها الذي يتوفون بسبب المرض خلال الأشهر القليلة الماضية أكثر من أن تحصيه، صارت تلتقي بمرضاها وتحدثهم في الصباح لتعلن وفاتهم في المساء؛ منهم من يدخل الحمام على رجليه فلا يخرج منه إلا محمولاً، ومنهم من يبدأ بتناول وجبة طعامه فلا ينتهي منها. 

العمل الفني: شيماء العلوي.

هذا الفيروس كفيروسات حلت بنا قبله مازال مجهولاً بالنسبة للأطباء وعلماء الأوبئة، فكما جَهِل الأطباء التبشيرين طبيعة هذه الكائنات الدقيقة قبل مئة عام، يجهل الأطباء اليوم الكثير عن هذا المرض على الرغم من كل التطورات الطبية الحديثة خلال القرن المنصرم. يمكننا القول بأن أكبر تغيير حصل منذ أوبئة وجوائح الأمس هو أننا اليوم ننعم بالراحة في منازلنا بعيداً عن بشاعة المرض التي تحتفظ بها المستشفيات حولنا. 

في أثناء هذه الجائحة رزقت صديقتي بمولودة جديدة، وعلى الرغم من توفر أدق وسائل التأريخ، ووجود شهادة ميلاد تحمل يوم وتاريخ ولادتها في التقويم الميلادي والهجري بالإضافة إلى الساعة والدقيقة، إلا أنه وكما جرت العادة في توثيق الأحداث بيننا فستذكر دائماً كوليدة جائحة الكورونا.


جنان الهاملي كاتبة ومترجمة وطالبة من الكويت.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.