آراء

كيف تعيش الأمهات العازبات في زمن كورونا؟

"مسؤوليات الأمومة والعمل وحدها كانت كبيرة ..ثم جائت كورونا وزادت الأمر سوءًا"

بقلم وفاء خيري

العمل الفني: شيماء العلوي.

بعد أن استجد علينا فيروس كورونا وتحول لجائحة تؤثر على كثير من قطاعات الحياة، امتد تأثيره حتى وصل لشريحة كبيرة من الأمهات العازبات، اللاتي لسن بالضرورة مُطلقات بل قد يكن أرامل توفى أزواجهن وتُركن وحدهن ليواجهن عبء الحياة بمفردهن. بجانب التحديات المجتمعية التي تواجهها الأمهات العازبات في الأيام العادية، أصبح كورونا عبئًا جديدًا وتحدي إضافي لنساء كثيرات، فبالرغم من أن فكرة الأم العازبة لا تلقى الكثير من التقدير عند البعض في أوطاننا العربية  سواء كن مطلقات أو أرامل، وبالإضافة إلى تحدي وجود مصدر دخل ثابت والعناية بالأطفال وتربيتهم، أثر كورونا بشكل إضافي على حياة هؤلاء الأمهات على أصعدة مختلفة. في هذا المقال نستعرض جانب من حياة بعض هؤلاء الأمهات،  خاصة الأمهات المُعيلات منهن.

أحاول أن أشعر أولادي بالأمان بينما أنا لا أشعر به

 تقول  ياسمين صبري (اسم مستعار)، ٣١ عامًا، صحفية مستقلة: “أعيش كأم عازبة ومغتربة في دولة أوروبية في نفس الوقت وهو ما يجعلني مضغوطة بين عدة مخاوف، ومع ظهور فيروس كورونا أصبح الأمر حرجًا للغاية، لأن المسؤوليات المادية تراكمت علي”. تضيف ياسمين أن لديها طفلين ٧ و٤ سنوات، وتتحدث عن التحدي الأكبر الذي تواجهه طوال الوقت وهو عدم قدرتها على التوفيق بين عملها من المنزل والاعتناء بالأطفال: “إنهم يرغبون في اللعب طوال الوقت وأنا لا أستطيع التركيز أثناء لعبهم، بجانب هذا كله أحاول أن أُشعر أولادي بالأمان بينما أنا لا أشعر به”، إذ تظل متوترة ومرهقة بسبب طلب تعديلات على عملها أو رفض بعض أفكارها المقترحة، بجانب عدم وجود أي ضمانات في عملها.

ليست ياسمين فقط التي تقلق على ضمان دخل لعائلتها ، فتضيف نورا ناجي، ٣٣ عامًا، كاتبة لديها طفلة عمرها ٧  سنوات: ” أواجه تحدي كبير في تأمين حياة جيدة مادياً لابنتي بسبب انخفاض الأجور بسبب أزمة كورونا، وهذا اضطرني  إلى تقليص النفقات إلى حد ما لاستكمال تأمين حياتها” . تزيد نورا عن أن التحدي الذي تواجهه  ليس هو المال وحسب: “هناك رعب كبير من أن تصاب ابنتي بأيّ أذى وأصبح أنا المسؤولة عن ذلك، لا يمكنني أن أغفل عن أن تحمل المسئولية الكاملة عن طفلة أمر مرهق”.

مسؤوليات الأمومة والعمل وحدها كانت كبيرة علي، ثم جائت كورونا وزادت الأمر سوءًا

المسؤولية المادية رغم عناء توفيرها ليس التحدي الوحيد الذي يواجه الأمهات العازبات، بل تبقى مسؤولية العناية بالأطفال أمر مهم أيضًا كما ذكرت نورا، حتى إن وجدت بعض النساء الدعم من أسرهن أو أصدقائهن .تشاركنا رابعة الذبياني، ٣٧ عامًا، رائدة أعمال، بعض من تحدياتها كأم عازبة: “في البداية كان الأمر مرعبًا للغاية ..إذ أن مسؤوليات الأمومة والعمل وحدها كانت كبيرة علي، ثم جاءت كورونا وزادت الأمر سوءًا.. لدي ولد عمره ١٧ عامًا وفتاة عمرها ١٢ عامًا، تأثرت الحياة معي بكافة جوانبها خاصًة الاجتماعية، وبمرور الوقت أصبحت أكثر قلقًا من إصابة أي منا بالفيروس، فأرسلت ابنتي لتعيش مع أختي لأن ابني مصاب بالسكر ويحتاج إلى عناية أكبر وأخاف على مناعته فأبقيته معي لأهتم به جيدًا. وبالرغم من أن ابنتي كانت بعيدة إلا أني كنت أراسلها هي وأختي طوال الوقت وأطمئن على أحوالهم، لكن لا أنكر أن معظم المسؤولية تقع على عاتقي، حتى بالرغم من مساعدة والد أولادي، ودعم أسرتي لي”.

وتضيف سارة طوبار، ٣٦عامًا، موظفة حكومية: “بعدما أعلنت الدولة تفشي الوباء ..التوتر والقلق كانا سيدا المشهد معظم الوقت، وتحديدًا تجاه ابني ذو ال٨ سنوات. كان الأمر صعبًا عليه، فلم يتحمل كم الملل الذي نعيش فيه رغم كل ما قدمته له من صلاحيات مثل اللعب بالتابلت وشراء الألوان وكراسات الرسم وغيرها من وسائل التعلم والترفيه. كل ذلك لم يكن كافيًا خاصًة أني بعيدة عن العائلة، ولم نكن نرى أي شخص ولم يتواصل ابني مع أيٍ من أصدقائه أو أي أشخاص في عمره، مما شكل تحدي كبيرًا لي خاصةً أن لدي مسؤوليات أخرى بالإضافة إلى العناية به مثل العمل وتعلم اللغة الإنجليزية، بالإضافة إلى بعض الأنشطة الإضافية التي أقوم بها”.

يظل العبء الأكبر أني أخاف من الانهيار خصوصًا أنه لا أحد من أهلي بجانبي

عادة ما تعيش كثيرًا من الأمهات مع عائلاتهن مرة أخرى أو يعتمدن على مصدر نفقة من أزواجهن السابقين للمساعدة في نفقات الأولاد، ولكن لا تعيش كل النساء على نمط أو وتيرة واحدة؛ هناك من اخترن أن يعشن بشكل مستقل مع أولادهن مثلًا. ولكن في جميع الأحوال يظل الوضع صعبًا ومليئًا بالأعباء، لأن الأم العازبة تقوم بدور الأب والأم معًا وتُفرض عليها تحديات جديدة طوال الوقت، ومع وجود فيروس كورونا تزداد مخاوف تلك الأمهات. 

تضيف ياسمين:  “بالإضافة إلى أعباء الغربة والاستقلال والعمل وتربية الأطفال، يظل العبء الأكبر أني أخاف من الأنهيار خصوصًا أنه لا أحد من أهلي بجانبي، فقط  بعض أصدقائي يدعمونني بشكل معنوي، وهذا ما يبقيني صامدة حتى الآن . مخاوفي كثيرة مثل  أن أُصاب بالفيروس وأعزل، وقتها لن أعرف من سيعتني بأولادي، أو أن يصاب أولادي، أو أن أفقد عملي، أو أن يحدث أي شيء غير متوقع، فأنا محاطة بجدران هشة وما زلت أقاوم”. 

ظللت أفكر كثيرًا في أن هؤلاء النساء، اللائي بالرغم كل التحديات التي يواجهنها لا يشعر بهن الكثير، بل قد تتعرض الكثيرات منهن للوصم والإدانة فقط لأنهن مُطلقات أو أرامل أو لأن أمًا تعيش مع أولادها بشكل منفصل، ولهذا على كل من يعرف أمًا عازبة عليه أن يقدم الدعم الذي يقدر عليه، لا سيما في هذه الفترة الحرجة، سواء كان بالمساعدة في الاعتناء بالأطفال لفترة من الوقت حتى تستطيع أن تقضي الأم بعض مصالحها، أو حتى بتقديم وجبة طعام جاهزة في أحد الأيام.  لا تستهون بمساعدتكم، فلمسة بسيطة يمكنها أن تصنع الكثير.


وفاء خيري صحفية مصرية مهتمة بالمجالات الثقافية وقضايا المرأة، تكتب في عدد من المنصات العربية المتنوعة. حياتها لا تخرج عن الكتابة والقراءة، فحين لا تكتب، حتمًا سيكون رأسها بين دفتي كتاب.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.