ثقافة وفن

في ذكرى وفاته: ٥ أسباب لقراءة أعمال الكاتب د.غازي القصيبي

نشارككم أسباب أساسية لقراءة أعماله إن لم تكونوا قد قرأتم له من قبل

بقلم شريفة الهنائي

الدكتور غازي عبدالرحمن القصيبي. عمل فني لفريق سكة.

يقال أن الكُتّاب لا يموتون أبدًا، فهم خالدون من خلال كتاباتهم التي يخلفونها وراءهم. وهذا ما قاله الروائي والشاعر والكاتب والسفير والوزير السعودي الراحل د.غازي عبدالرحمن القصيبي لإبنته في رثائيته المشهورة <<حديقة الغروب>> قبل وفاته في مثل هذا اليوم في عام ٢٠١٠، بعد صراع طويل مع مرض السرطان. قصد فيها مطبطبًا عليها في حزنها على  فراقه المتوقع:” لا تتبعيني! دعيني! واقرئي كتبي/ فبين أوراقها تلقاك أخباري..”

وها نحن بعد عقد من الزمن ما زلنا نتلقى أخبار الغائب الحاضر، الذي كان “ظاهرة” كما وصفه الكثير، من خلال أعماله المتنوعة التي خلفها لنا، من روايات، وكتب، وأشعار، ومقالات، وما زلنا نستفيد من خبراته الواسعة ونستمتع بخيالاته المتفردة. كلنا لدينا قصة مختلفة عن لقائنا بالدكتور غازي القصيبي. فعن نفسي، تعرفت عليه لأول مرة على متن طائرة بعد أكثر من سنتين على وفاته رحمه الله، في طيات صفحات روايته القصيرة <<حكاية حُب>>، والتي كانت قد أهدتها صديقة لي قبيل رحلتي الموسمية من لندن إلى أبوظبي خلال فترة الدراسة.  لم أكن أعلم حين فتحت الرواية وبدأت بتقليب صفحاتها والانغماس فيها أن حكاية حبي وعشقي لكتابات الراحل -وهوسي بها- كانت قد بدأت للتو أيضًا. 

مضى على تعرفي على أعمال الدكتور غازي القصيبي أكثر من سبعة أعوام، أكملت خلالها معظم رواياته، وأعماله الواقعية (من واقع الحياة)، وبعض من أشعاره، وقمت فيها بتوصية آخرين كثر بقراءة كتبه، وأهديت خلالها عشرات النسخ من كتبه المختلفة كهدايا للعزيزين على قلبي في مناسباتهم الخاصة. واليوم، في ذكرى وفاته العاشرة، أشارككم ٥ أسباب أساسية لقراءة أعمال الدكتور غازي القصيبي إن لم تكونوا قد قرأتم له من قبل.

١. كل رواية له لا تشبه الأخرى، ولا تشبه غيرها من الروايات المنشورة

بالرغم من جدوله العملي الحافل، ألّف وترك لنا الدكتور غازي القصيبي أكثر من ١٠ روايات استثنائية لا تشبه أي رواية منها الأخرى، ولا تشبه غيرها من الروايات المصفوفة على أرفف الأدب العربي. وهذا التنوع القصصي هو تحديدًا ما يبحث عنه القارئ النهم الذي يستطيع أن يميز الغث من السمين وسط هذا الكم الهائل من الاصدارات الأدبية، وهو شهادة لكمية الإبداع التي كان يملكها الدكتور غازي القصيبي. فكم منا  قرأ رواية لشخصية تقع في حب وتتزوج جنية من قبل، كما يحدث في رواية <<الجنية>> (ولعلها المفضلة لدي من بين جميع رواياته)؟ أو رواية تدور جميع أحداثها حول حوارات بين “مريض نفسي” وطبيبه، كما يحصل في <<العصفورية>>؟  أو رواية تتمحور حول قلق وخوف مريض الزهايمر من تطورات المرض وفقدان الذاكرة، كما هي أقصوصة <<ألزهايمر>>؟  

روايات <<الجنية>> و <<حكاية حُب>>.

٢. أسلوبه الكتابي جذاب وسلس

يتسم أسلوب الدكتور غازي القصيبي بالسلاسة، والوضوح، والبساطة ( بعيدًا كل البعد عن السطحية في الوقت ذاته)، والإيجاز بالرغم من طول بعض أعماله التي احتاجت لمساحة أكبر٬ وذلك ما يجعل  رواياته وأعماله الواقعية جذابة للقراء على حد السواء، وقابلة للاستيعاب من قِبل فئات كثيرة من المجتمع، وهي مهارة لا يملكها الكثير من الكُتّاب، وهو أيضًا ما يجعل إنهاء رواية بطول روايته <<شقة الحرية>> أو كتابه <<حياة في الإدارة>>  مثلاً- وهما أطول أعماله ( وطول كل منها أكثر من ٣٥٠ صفحة)- أمر في غاية السهولة والمتعة.

٣. تُشكّل كتاباته كنز من المعلومات المفيدة

دائمًا ما تعود أعمال الدكتور غازي القصيبي بالنفع على القارئ بمعلومات جديدة ومفيدة، وهذا لا ينطبق فقط على أعماله الواقعية مثل <<الوزير المرافق>> أو <<حياة في الإدارة>> ، والتي لم يخفف مرور الوقت على كتابتها من  أهميتها وصلتها بالوقت الحاضر، والتي تنقل لنا خبراته في مجال التعليم، والسلك الدبلوماسي، والعمل الوزاري، بالإضافة للانطباعات التي شكلها عن شخصيات ومؤسسات ودول معروفة على مدى السنين؛ فكان أيضًا دائمًا ما يحرص على نقل معلومات علمية وعملية إلى القارئ، ومشاركة تجاربه المميزة  مع القراء حتى في رواياته، وهو شيء لم أصادفه بهذا الشكل المتكرر في أي عمل أدبي آخر.

 فمن رواية <<سعادة السفير>> على سبيل المثال، تعلمت الكثير من البروتوكولات الدبلوماسية التي ما زالت راسخة في ذاكرتي، بالرغم  من أن أحداث الرواية كانت تدور حول أحداث شبيهة بأحداث غزو الكويت في عام ١٩٩١ ، وقصة حب غريبة نوعًا ما في وسط كل ذلك. وفي رواية <<الجنية>>، يستحضر الدكتور غازي القصيبي بعض من المسائل الفقهية المتعلقة بشرعية التزاوج بين الإنس والجن، ويتناولها بطريقة مشوقة ومثيرة للاهتمام.

رواية <<الوزير المرافق>>.

٤. الشِعر يلعب دورًا بارزًا في كتاباته

أعترف أنني ما زلت أتعمق في أعمال الدكتور غازي القصيبي الشعرية أكثر، ولكن عدم ذكرها سيشكل إهمالاً جسيمًا مني، وعدم إنصاف في حق الشاعر الراحل، الذي تميز شعره بنبل إحساسه، وصراحته، وبلاغته. فأي قارئ سيرق قلبه  عند قراءة رثائيته <<حديقة الغروب>>، التي يودع فيها زوجته، وابنته، وبلده، ويعبر فيها عن اكتفائه  من الحياة وعنائها، ويناجي فيها ربه الغفور الذي كان يتوق لملاقاته. خلّف الدكتور غازي القصيبي أكثر من ٢٠ اصدار شعري لمتذوقي وهواة الشِعر، والتي نال  بها لقب “سندباد الشِعر السعودي الحديث”. ويبدو أنه كان للمتنبي مكانة وحظ كبير عند الدكتور غازي القصيبي، حيث تبرز الكثير من أبياته الشعرية في مقدمات كتبه وبين فصولها، وحتى في حوارات العديد من الشخصيات.  وبقراءة أعمال الدكتور غازي القصيبي سيزيد إلمام القارئ بالشِعر العربي بشكل عام. 

روايات <<سعادة السفير>> و <<شقة الحرية>> و <<العصفورية>>.

٥. تمثل أعماله ذاكرة خليجية مهمة

مرارًا ما نشكو قلة التدوين التاريخي وضياع الذاكرة الجماعية في الوطن العربي بسبب ذلك، لا سيما في منطقة الخليج، حيث ما زال السرد الشفهي هو سيد المشهد الثقافي بشكل كبير، بالرغم من كل التغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية. تأتي الكثير من أعمال الدكتور غازي القصيبي كمخزن غني لمثل هذه الذكريات التي ضاعت بموت أصحابها، وسرد لذكريات متعلقة بأحداث عالمية مميزة نراها من خلال أعين  شخص خليجي وعربي مثله ، والذي كان من القلة التي شهدها ودوّنها.

 ومن هذه الأعمال <<شقة الحرية>> التي هزت الساحة الأدبية السعودية بشكل خاص، والتي تناولت وضع التيارات الفكرية لدى الشباب العربي في القاهرة في الخمسينيات إلى الستينيات، تلك الحقبة من التاريخ العربي الحديث التي شهدت أحداث وتغييرات جسيمة في المنطقة. ومن المعروف الآن أن الرواية كانت مستوحاة من حياة الروائي وأصدقائه في مصر أيام الدراسة. ومن أعماله التي ذكرت وتناولت أحداث تاريخية مميزة من وجهة نظره (بالإضافة إلى رواية <<الوزير المرافق>>) <<الأسطورة>>، الكتاب الذي يوثق من خلاله لقاءاته مع أميرة القلوب البريطانية ديانا، التي كانت جارته عندما كان سفيرًا للمملكة العربية السعودية في لندن؛ أو بالأحرى عندما تقابل الأسطورة ديانا بالأسطورة الدكتور غازي القصيبي.


شريفة الهنائي شريكة مؤسسة لسكة ومحررة ادارية فيها.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.