ثقافة وفن عدد الفن العربي

“الجائحة ستظل تؤثر على مخططات البناء لسنوات”

المهندس المعماري البحريني علي كريمي يتحث عن الهندسة المعمارية في الخليج

.To read in English, click here

بقلم جورجي برادلي

المهندس المعماري البحريني علي كريمي. الصورة: علي كريمي.

الولايات المتحدة لديها مشكلة في الإسكان الاجتماعي. المملكة المتحدة لديها مشكلة في الإسكان الاجتماعي. فما هي مشكلة الإسكان الاجتماعي في منطقة الخليج؟

تستحضر فكرة الإسكان الاجتماعي في المنطقة لأذهاننا صورة مختلفة تمامًا عنها في نيويورك أو لندن مثلاً؛ حيث يعتمد الوصف البصري في أغلب الأحيان على الأحياء السكنية التي تخوض غمار التحسين أو ال gentrification. صحيح أنَّنا بدأنا بالفعل نرى الإسكان الاجتماعي ينحرف عن تصميم الأحياء المكوّنة من أبراج صندوقية التقليدي الموجود حاليًا في المدينتين المذكورتي، إلا أنَّنا نسبق المنحنى بالفعل في دول مجلس التعاون الخليجي بإسكاننا الذي يركز على الشكل الجميل والمعمار الممتزج مع البيئة المحيطة.

لكنَّ التجريب ليس على رأس جدول أعمالنا. يقول المهندس المعماري البحريني علي كريمي: “إنَّ الحكومة لا ترى نفسها كجهة يفترض بها المجازفة، ولا يريد المواطنون الشعور بأنَّهم فئران تجارب. وبطبيعة الحال، تعلم الحكومات أنَّها ستخسر أموالاً في سبيل هذا، لكنَّها ستحظى بمخزون سياسي”.

يختص عمل علي في الإسكان الاجتماعي والمساحات العامة والمشهد الحضري في دول مجلس التعاون الخليجي، كما أنَّه يتولى عدة أدوار في مجاله، من بينها: التدريس بدوام جزئي في جامعة البحرين، والعمل في شركة دار الخليج للهندسة، والتعاون عن كثب مع المعماري الكويتي حامد بوخمسين لصالح مكتب العمارة المدنية (وهو مكتب ثقافي قائم على البحث والنشر حول إنشاء المباني).

صور من Good Arab Bad City، مقترح علي كريمي للإسكان في محرق، والذي قدمه في جامعة هارفارد. الصور: علي كريمي. اضغطوا على كل صورة لرؤيتها بحجم أكبر.

حصل علي على درجة الماجستير في الهندسة المعمارية من كلية الدراسات العليا في التصميم بجامعة هارفارد، قضى قبلها عامًا في مدينة سانتياغو في تشيلي، عمل خلاله لصالح شركة “إليمنتال” Elemental، وهي شركة معمارية تركز على الإسكان الميسر للقطاع محدود الدخل؛ فقدمت له هذه “التجربة المذهلة” مقارنة غير محتملة مع دول مجلس التعاون الخليجي. فيقول لنا شارحًا: “إنَّ ثروة تشيلي مرتبطة باقتصادها الاستخراجي مثلنا”. لكنَّ الفارق المميز هو أنَّ الإسكان الاجتماعي في تشيلي قائم على نظام الشقق السكنية ويلبي احتياجات المناطق المعدمة في المجتمعات الفقيرة.

صحيح أنَّ علة الإسكان الاجتماعي وحُجة وجوده بكل مكان بالعالم تندرج تحت الطيف الأشمل ذاته، إلا أنَّ الحقيقة الفعلية على أرض الواقع في المنطقة مختلفة تمامًا بصورة ملحوظة.

لقد كان مستشار أطروحة علي السنغافوري الجنسية هو مَن أشار إلى ذلك – عند النظر في وضع الإسكان الاجتماعي بمنطقة الخليج (حيث إنَّ أطروحة علي تناولت الإسكان الحكومي في منطقة الخليج، مع التركيز على البحرين) – معلّقًا: “أنتم ليست لديكم مشكلة إسكان، بل لديكم مشكلة فيلات! لماذا تبنون مساكن كبيرة وباهظة الثمن؟”.

صور لمشاريع ELEMENTAL في تشيلي . الصور: علي كريمي . اضغطوا على كل صورة لرؤيتها بحجم أكبر.

يرجع السبب في بناء الفيلات جزئيًا إلى أنَّ الشقق تعتبر مؤقتة وغير جذابة بصريًا، إلى جانب أنَّ الفيلات تقلل من الميل للتوترات؛ يقول علي موضحًا: “إنَّها تحدّ من أمور كالتشاجر على أماكن وقوف السيارات، أو إثارة أي شكاوى من ثَقب الجدران المشتركة”؛ فتخرج بذلك مثل هذه الشكاوى الشائعة من المعادلة. مضيفًا: “مع ذلك، أشعر أنَّ الاحتكاكات من هذا النوع تجعلنا أفضل كأعضاء في المجتمع. لنأخذ بيروت مثالاً عامًا: بطبيعة الحال، يوجد نوع معين من جودة الحياة الحضرية والقدرة على التفاعل بين الأفراد وبعضهم. من الجلي أنَّها مدينة مؤلفة من تركيبة دينية متنوعة، غير أنًّ العيش في ذلك المكان يعني أن يكون المرء قادرًا على تليين التفاعلات الاجتماعية والتنظيم وفقًا للمبادئ الجماعية والتنسيق”.

المفارقة أنَّه يمكن للمساحات الحضرية أن تجعلنا أكثر إنسانية في ظل الصراع اليومي في الحياة الحضرية؛ إذ إنَّ الإسكان الاجتماعي (من بين عدة أمور أخرى) ينمّي لدى الأفراد إحساسًا بالمشاركة المجتمعية. مع ذلك، يذكر علي أنَّ: “المشاركة المجتمعية لا تخضع للدراسة هنا بالقدر نفسه. ففي تشيلي، اكتشفت أنَّ هناك منتديات ومنظمات واجتماعات تُعقد مع الجيران لاتخاذ القرارات جماعيًا بالنسبة للمشروعات والمخططات التي سيكون لها تأثير على الجميع، وهذا لا يحدث هنا؛ إذ إنَّ أحد المقاييس الرئيسية لنجاح الإسكان الحكومي هنا هي الاستقلالية”. هذا لا يعني أنَّ المجتمع لا يتفاعل مع بعضه هنا، لكن ذلك يكون بموجب المعايير الثقافية المعمول بها، إذ إنَّ طبيعة المجتمع هي أنَّ هناك خطوطًا فاصلة واضحة بين المساحات العامة والخاصة.

إنَّ العلامة الأساسية للإسكان الحكومي في منطقة الخليج هي التوافقات الثقافية؛ فيقول علي: “بخلاف الوضع في أماكن أخرى في العالم، الإسكان الحكومي أو الاجتماعي هنا ليس مرتبطًا بالمجتمعات محدودة الدخل بالضرورة: صحيح أنَّه بدأ كجزء من سياسة الدولة للإنعاش الاجتماعي بعد الحرب، إلا أنَّه بدأ يندرج تحت بنية المجتمع القبلية. لقد كانت سياسة الإنعاش الاجتماعي تُقدم في مطلع إلى منتصف القرن العشرين من أجل تعزيز المفاهيم الثقافية للحياة العائلية وترسيخها، وهذا بدوره أبرز أنظمة الإخلاص والولاء القبلي سعيًا للإبقاء على تركيبة اجتماعية. كما أنَّ هناك جانبًا إنجازيًا لمساعي الدولة لبناء الإسكان الاجتماعي، يُطرح فيه الافتراض الأمثل لنوعية الحياة التي ينبغي أن يعيشها المواطن: ففي حين أنَّ الإسكان الاجتماعي في منطقة الخليج يراعي مسائل الحاجة، فإنَّه يركز أيضًا على الفكرة المتعلقة بما يحدد ماهية المواطن الخليجي المعاصر. ومع ذلك، المشكلة أنَّ الإسكان الاجتماعي لدينا لن يكون له أي معنى لو كان يندرج فقط تحت خطاب “الإسكان الاجتماعي” بمعناه التقليدي: فهناك مَن هم في حاجة إليه، إلا أنَّهم بمثابة مزايا ضرورية للمواطنين، ومن العسير هنا فصل الحاجة الاجتماعية عن الضرورة السياسية”، على حد قول علي.

صور لمشاريع الاسكان في مملكة البحرين. الصور: كميل زكريا . اضغطوا على كل صورة لرؤيتها بحجم أكبر.

بالطبع، لا يحل الإسكان الاجتماعي مشكلات أي دولة، لكن أزمة كفيروس كورونا كثيرًا ما تشكّل حافزًا على الابتكار: فلو أنَّ الجائحة وتعليمات الحكومة بالبقاء في المنزل لفترات زمنية طويلة قد علمتنا شيئًا، فهو أنَّ الحاجة للخروج في الهواء الطلق قد صارت منتشرة أكثر من أي وقت مضى.

ومع تخفيف عمليات الإغلاق في جميع دول الخليج، صارت المساحات العامة تعجّ حتى آخرها بالزوار؛ فيقول علي: “هناك زيادة حادة في عدد الأفراد الذين يركضون ويمارسون الهرولة ويجلسون في الهواء الطلق. نحن في منتصف فصل الصيف، لكن هذه الصورة تشبه كثيرًا عطلة شتوية أو يومًا وطنيًا أو عطلة نهاية الأسبوع! وهذا يسلط الضوء على الحاجة إلى مساحة غير المنزل. لذا فإنَّ التحدي الآن يتمثل في إنشاء مساحات لا تدور حول فكرة التقارب لحد التلامس من بعضنا. إذن، كيف نتعامل مع قيود المساحة بطرق إبداعية أكثر من رسم ملامحها واستخدامها؟ نحن نحتاج مساحات يمكن للناس فيها الاسترخاء والاستمتاع بالهواء الطلق؛ إذ لطالما كانت الحياة خارج المنزل ضعيفة”. صحيح أنَّه ليس لدينا أي توقعات حول موعد انتهاء هذه الجائحة، إلا أنَّه قد حدثت بالفعل نقلة نوعية نحو معيار اجتماعي جديد يصبح فيه البُعد والوعي المكاني متأصلاً في عقليتنا الجماعية.

أمَّا بالنسبة لمنازلنا، فإنَّ علي يؤكد ما سبق، بقوله: “بدأت المساحات شديدة التخصص تعود من جديد، عوضًا عن المخططات التصميمية المفتوحة. وبالفعل، بدأ العملاء يطلبون إضافة صالة تمارين رياضية أو حمام سباحة إلى منزلهم في حال عادت القيود مرة أحرى. حتى المجالس تحولت إلى مساحات للعمل بعد أن شهد العمل من المنزل زيادةً حادةً. صحيح أنَّ طول عمر هذه القرارات ليس واضحًا بعد، إلا أنَّ الجائحة ستظل تؤثر على مخططات االبناء لسنوات”.

في نهاية المطاف، يصبح الإسكان الاجتماعي ممارسة استبطانية قائمة على التساؤل: “مَن نريد أن نكون؟ هل هذا هو المجتمع الذي نريده؟ ما هو الثمن؟ كيف نصون قيمنا ونواصل المضي قدمًا في الوقت نفسه؟ كيف يتحقق لنا الشعور بالانتماء؟” وللإجابة عن هذه التساؤلات، لابد من إجراء حوار مفتوح ومستمر.


جورجي برادلي محررة وصحفية بريطانية – يونانية تقيم في دبي بعد قضاء فترة في البحرين (وهي لا تزال تتردد عليها شهريًا). رفع أصوات صناع التغيير في المنطقة هو ما يحفزها.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

هذه المقابلة تُرجمت من الإنجليزية.