ثقافة وفن عدد الفن العربي

معالي زكي نسيبة عن حاجتنا الماسة للفن الآن

"أهميته والحاجة اليه وإلحاحه أصبح أكثر حدة اليوم"

.To read in English, click here

بقلم جورجي برادلي

معالي زكي نسيبة. الرسمة: سكة.

معالي زكي نسيبة ليس شغوفًا بالثقافة لأنه يسعى لنيل التوقير الشكلي، بل لأنَّه يريد أن يكون جزءًا من مسيرة الحوار والتبادل و التفاهم بين البشر، ولأنه يريد أن يكون نشطًا في متابعة الحياة التي تضعه في رحلة لا نهاية لها من الاستكشاف والاكتشاف. إنَّ وزير الدولة للإمارات العربية المتحدة يريد أن يكون “إنسانًا أفضل، والفن يستدعي شيئًا بداخل المرء، ويُخرجه من نفسه” على حد تعبيره. فالثقافة تسمو بنا فوق عالمنا الحسي. إذا التقيت به، ستجده في الحال مهيبًا وبسيطًا، ويمكنك أن تستمع إليه لساعات بلا كلل أو ملل. لعل هذا بفضل مسيرته المهنية شديدة الاتساع، غير أنَّ حديثه يفرض على المرء الإنصات والتركيز الكلي.

إنَّ معالي زكي نسيبة شغوفًا بالثقافة بشكل كبير، فمكتبته وحدها تضم خمسين ألف كتاب، مواضيعها متشعبة من فيزياء الكم إلى أشعار بودلير ورامبو.

يهوى معالي زكي نسيبة أيضًا الموسيقى الكلاسيكية والأوبرا، وبشكل خاص للمؤلف الموسيقي الألماني ريتشارد فاغنر من القرن التاسع عشر، الذي يعتبره “جهبذًا حقيقيًا” في حرفته. طوال حياته، انغمس في زيارة دور الاوبرا الشهيرة في العالم، من بينها بايروث في ألمانيا التي أشرف واغنر بنفسه على بنائها، ليستمع الى موسيقاه العظيمة بعوالمها الملحمية، حيث “اتصل بروح عمله” مما “جعلني أرتقي بنفسي، وحوّلني لشيء أنبل، ربما اكثر حكمة”، على حد تعبيره.

مهما كان الفن خاليًا من الكلمات، دائمًا ما يجد معاليه اللغة فيه، فيصرّح قائلاً: “كلما نظر المرء إلى الفن، يستدعي شيئًا بداخله ويُخرجه من نفسه من خلال التساؤل: “لماذا هذا الشيء هكذا؟ لماذا نتفاعل بهذا الشكل مع هذا العمل الفني؟ ماذا يحاول ان يوحي لنا؟ هل تتغير نظرتنا اليه مع مرور الزمن؟” إنَّها رحلة مستمرة بين المرء ونفسه”.

يؤمن معالي زكي نسيبة أنَّ الفنون: “تجعل المرء إنسانًا أفضل. لا أظن أنَّ بإمكان المرء أن يكتسب إحساسًا بالتعاطف ما لم ينخرط في الفنون ويتعمق فيها، وأقصد بذلك نطاق الأنشطة الثقافية بأكمله، بما في ذلك الآداب والموسيقى والنحت والفنون التشكيلية”.

ومع أنَّ معاليه يجيد التحدث بحشد من اللغات: العربية، والإنجليزية، والألمانية، والفرنسية، والإيطالية، والإسبانية، والروسية إلا أنه يود دراسة اللغتين الفارسية والعبرية أيضًا. والجدير بالذكر أنه أتقن الألمانية والفرنسية والإيطالية والإسبانية بمساعدة كتب الخيال العلمي والتشويق والإثارة، حيث يقول: “اعتدت قراءة الكثير من كتب الخيال العلمي والتشويق والإثارة في أوقات الفراغ. لكن لكي أجعلها أكثر جَدًية، كنت أقرأها باللغات الأجنبية”.

“كلما نظر المرء إلى الفن، يستدعي شيئًا بداخله ويُخرجه من نفسه من خلال التساؤل: “لماذا هذا الشيء هكذا؟ لماذا نتفاعل بهذا الشكل مع هذا العمل الفني؟ ماذا يحاول ان يوحي لنا؟ هل تتغير نظرتنا اليه مع مرور الزمن؟”

– معالي زكي نسيبة

اللافت للنظر أنَّ عملية الإغلاق بسبب الكورونا شهدت تقدمًا هائلاً في قراءاته. يقول معاليه: “الآن، بدلاً من أن أقود سيارتي متوجهًا لحضور الاجتماعات، أقرأ بين مكالمات الفيديو التي أُجريها”. يقرأ حاليًا كتاب عن الفن التجريدي العربي يدور حول معرض في نيو يورك لمؤسسة بارجيل للفنون، وهي المبادرة المستقلة التي أُسست لإدارة المجموعة الفنية الشخصية للشيخ سلطان سعود القاسمي، والمحافظة عليها، وعرضها في المعارض. كما أنَّه منغمس حاليًا في إعادة قراءة نص لمؤرخ من جامعة أكسفورد يتناول الصراع العربي-الإسرائيلي، يصفه بأنَّه: “ليس كتابًا جديدًا، لكنَّه يعرض منظورًا عميقًا حول اكتساب فهم أفضل عن طبيعة الصراع العربي-الإسرائيلي” .

بإختصار “لم أجد العمل من المنزل عسيرًا”، على حد قوله.

ولكن ما وجده مقلقًا هي المفارقة المؤلمة التي تواجه الفن جراء الجائحة، إذ إنَّ القطاع كان على هامش نظام الدعم تاريخيًا، وقد كافح طويلاً ليكون له حضور، وها هو قد أُجبر على العزلة الآن. يخبرني معاليه بأنَّ: “حساسية الفنون شديدة جدًا. لقد علّمتنا هذه الجائحة أنَّ الفن والثقافة حساسان أكثر من غيرهما لهذه الصدمة العالمية، والتي أدت إلى أن تغلق البلدان حدودها على أنفسها. وهذا أمر سيئ لأنَّنا لا نستطيع مواجهة التهديدات العالمية من هذا النوع إلا بالتعاون العالمي، ومن خلال فتح قلوبنا وحدودنا لبعضنا البعض”.

الفن مطلوب في حياتنا في جميع الأوقات. لكن “أهميته والحاجة اليه وإلحاحه أصبح أكثر حدة اليوم. وذلك لأنه يسلط الضوء على قيم التكافل والتعاطف والعمل مع بعضنا البعض، مما يقربنا من بعضنا البعض بدلاً من تفرقتنا”. ويضيف: “لا يمكننا العودة للعيش في العصور الوسطى، أو لاستعادة الجنون المضطرب والمدمّر للدول القومية المتنافسة والمتناحرة في النصف الأول من القرن العشرين”. إن العالم اليوم هو بالفعل قرية عالمية. “التجارة العالمية والاتصالات الفورية والثورة الصناعية الرابعة للذكاء الاصطناعي، والشبكات الاجتماعية، واتصالات الإنترنت الفورية جعلتنا أكثر اندماجًا حتى عندما نسعى إلى إقامة حواجز لكبح موجة لا مفر منها في المستقبل”.

وبالنسبة للمشهد الثقافي في الإمارات في زمن الكورونا، وضعت وزارة الثقافة والشباب الإماراتية مؤخرًا خطط لحماية الفنون. يذكر معاليه أنَّ: “هناك برامج يجري تنفيذها لوضع ميزانيات من أجل مساعدة رواد الأعمال المبدعين، ولتلبية احتياجات الفنانين والشركات الصغيرة”. وقد أقامت وزارة الشؤون الخارجية والعلاقات الدولية، ندوات عبر الإنترنت تجمع سفراء الدولة ومسئوليها على مستوى العالم مع زملائهم في العواصم المختلفة لمناقشة “أهمية وسبل تقديم المساعدة للحراك الثقافي”. وقد نظمت أيضًا سلسلة حوارات حول مستقبل الدبلوماسية في ظل الجائحة” مع إحساس الوزارة بأنها لديها مسؤولية القيام “بشراء الفن من المبدعين الإماراتيين والوافدين دعمًا للمشهد الفني الإماراتي؛ حتى يمكننا ملء سفاراتنا بالخارج بفننا المحلي. ونحن مستمرون في النظر في سبل مساعدة الجهات الثقافية المعنية حتى تصبح نشيطة” يقول معاليه.

“[الفنون] تجعل المرء إنسانًا أفضل. لا أظن أنَّ بإمكان المرء أن يكتسب إحساسًا بالتعاطف ما لم ينخرط في الفنون ويتعمق فيها”

– معالي زكي نسيبة

وُلد معالي زكي نسيبة في القدس، وتشبع بتراثها البيزنطي الثري بالأيقونات والمنمقات الفسيفسائية الجميلة وبهندستها المعمارية العريقة في كنائسها ومساجدها التاريخية في طفولته، وبدأ القراءة بنفسه حيث كان يتقوقع في إحدى مكتبات القدس. حمل معاليه شغفه بالتفكير النقدي بعد ذلك إلى اوروبا، حيث اعتاد زيارة أخته التي كانت تدرس بمدرسة الفنون الجميلة في باريس وهو طالب بمدرسة ثانوية في بريطانيا، فكانا يذهبان إلى الكثير من المتاحف و المعارض الباريسية الشهيرة، من بينها متحف Jeu de Paume في حدائق التويليري الذي في ذلك الوقت “كان موطن الفن الانطباعي بالإضافة الى منحوتات رودان الشهيرة”؛ ثم أخذ ألفة الفن هذه معه إلى جامعة كامبريدج، حيث “كنت أزور المتاحف في كيمبردج ولندن وبدأت في جمع بعض الأعمال الفنية للفنانين الاستشراقين خلال دراستي في الجامعة. بعد ذلك عدلت عن الفن الاستشراقي وبدأت وحتى يومنا هذا أجمع قدر ما يمكنني من الأعمال الفنية العربية والإقليمية الحديثة والمعاصرة ضمن حدود ميزانيتي المتواضعة. انا أعشق أن أعيش محاطًا بالأعمال الفنية اتي تستهويني، وفي الوقت ذلك أحب مشاركة هذا الفن مع من يرغب في زيارة منزلي للاطلاع عليها”.

مع أنَّ معالي زكي نسيبة قضى حياته منخرطًا في الفنون، فهو يقول بحسرة إنَّه يعتبر نفسه مستهلكًا للفنون الجميلة وليس صانعًا لها، ويستطرد شارحًا: “لقد جربت يدي مثل غيري في الشعر وعزف البيانو قليلاً في حياتي، لكنَّ ضيق وقتي ما زال يتغلب على رغبتي لأن أكون مبدعًا. حين أرى العبقرية التي يمتلكها الآخرون، تكون القدرة على فهم هذه العبقرية والتعامل معها – في حد ذاتها – مهمة جبارة بالنسبة لي ومصدر الهام ومتعة”.

مرت بمعاليه مجموعة من اللحظات بالغة الأهمية خلال مسيرته المهنية في مجالات الصحافة، والسياسة، والثقافة، ويعتبر أن أهمها كانت في أبريل ١٩٦٨ عندما التقى بالشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، والذي أصبح رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة في ١٩٧١. يقول مستذكرًا: “أعتبر ذلك لقاءً مع القدر؛ لقد حدد حقًا نموذجًا لمسيرة حياتي اليوم. كنت آنذاك مراسلاً حرًا يغطي أخبار المؤتمرات الصحفية، وتصادف أن أجريت لقاءً صحفيًا مع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في الحُصن (القلعة القديمة) باللغة العربية، ثم ترجمته بعد ذلك للغة الإنجليزية.  حددت تلك المقابلة مسيرة حياتي كلها”.

مؤخرًا وقع اختيار الأكاديمية الأمريكية للعلوم والفنون على معالي زكي نسيبة ليكون عضوًا جديدًا بها. تأسست هذه الأكاديمية عام ١٧٨٠ على يد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية، ومن بينهم جون آدامز وجورج واشنطن وتوماس جيفرسون، وهو ما يعلّق عليه معاليه بقوله: “لقد تم اختياري بسبب عملي في القطاع الثقافي، حيث أقف بجوار عمالقة بارزين في المجال، من قبيل مؤرخ الفن البريطاني نيل ماكغريغور، وتوم كرينز وجيمس كونو. وإنَّه لشرف لي أن أنتمي الى مؤسسة عريقة كهذه، فكل مَن يعمل في هذا المجال هو شخص يدعو البشرية للتعاون والتفاهم في سبيل إظهار الجمال الذي تنطوي عليه الحياة واستكشاف ألغازها ويضفي السرور على حياة الناس، ومن أجل أن يلفت الانتباه للقبح عندما يكون موجودًا “.

وختامًا، يخبرني معاليه إنَّه يعتزم “استكشاف العلاقات الموجودة داخل هذه الشبكة من المبدعين و قادة الفكر في العديد من الميادين الثقافية و العلمية”، لمساعدة بعضنا على “المضي قدمًا بالخطاب ذاته المشترك بيننا جميعًا”، وهذا الخطاب هو “نشر الرسالة التي تجعلنا ندرك أننا كبشر ننتمي إلى نفس العائلة البشرية الواحدة بغض النظر عن العرق أو العقيدة أو اللون، وأننا نتشارك في مصير ومستقبل واحد، وأننا سنعيش في أمان مشترك بقدر ما نضمن سلامة الأعضاء الأضعف بيننا “.


جورجي برادلي محررة وصحفية بريطانية – يونانية تقيم في دبي بعد قضاء فترة في البحرين (وهي لا تزال تتردد عليها شهريًا). رفع أصوات صناع التغيير في المنطقة هو ما يحفزها.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

هذه المقالة ترجمت من الانجليزية.