ثقافة وفن عدد الفن العربي

ما هو مستقبل عالم الفنون في المنطقة؟

أنطونيا كارفر – مديرة "فن جميل" التنفيذية – تناقش مستقبل صالات العرض والمتاحف والمعارض بالمنطقة في أعقاب جائحة فيروس كورونا المستجد

.To read in English, click here

بقلم لارا برنت

مركز جميل للفنون في دبي. الصورة: فن جميل.

سارعت المؤسسات الثقافية في مارس الماضي، بعد إغلاق المتاحف وصالات العرض في جميع أنحاء العالم أبوابها وتأجيل المعارض الفنية والبيناليات استجابةً لأزمة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-١٩) المتزايدة، بالاعتماد على شبكة الانترنت في تقديم المعارض والجولات الافتراضية في صالات العرض، وفي الوقت نفسه افترض خبراء القطاع أنَّ عمليات الإغلاق ستمتد لأسابيع وستكون مؤقتة.

مع ذلك، وفي الوقت الذي تُعيد فيه الكثير من صالات العرض والمتاحف فتح أبوابها بعد أشهر من الإغلاق، بدأ التأثير المدمر لفيروس كورونا بالظهور؛ فوفقًا لدراسة أجرتها “اللجنة المهنية للمعارض الفنية” Comité Professionnel des Galeries d’Art، قد تُجبر ثُلث صالات العرض الفرنسية على أن تغلق أبوابها للأبد قبل حلول نهاية السنة. بينما توصلت دراسة أجرتها منظمة “اليونسكو” (UNESCO) إلى أنَّ ١٣% من المتاحف في جميع أنحاء العالم قد تُغلق للأبد من جراء الجائحة.

وتصارع المؤسسات الثقافية في الشرق الأوسط تبعات جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-١٩) بدورها. تقول أنطونيا كارفر، المديرة التنفيذية لفن جميل (وهي المؤسسة غير الربحية التي تتولى تشغيل “مركز جميل للفنون” بدبي وتقديم الدعم للفنانين والمجتمعات الإبداعية في المنطقة بأسرها): “علينا أن ننتظر لنرى ما سيتكشف؛ نحن مازلنا في الأيام الأولى. ففي حين أنَّنا كنَّا جميعًا نركز على الأزمة الصحية، هناك أزمة اقتصادية جارية بالفعل، وهي لن تنتهي قبل مدة”.

أنطونيا كارفر، مديرة فن جميل التنفيذية. الصورة: فن جميل.

وعلى غرار وزارة الثقافة والشباب بدولة الإمارات العربية المتحدة التي أطلقت الصندوق الوطني لدعم المبدعين بغرض تقديم منح مالية للفنانين الأفراد والأعمال الإبداعية، سارعت “فن جميل” بطرح برنامج لدعم الفنانين المتضررين من الجائحة؛ فتلقت المؤسسة أكثر من ٥٠٠ طلب من جميع أنحاء المنطقة للحصول على منح مصغَّرة بقيمة١٠٠٠  إلى ٢٠٠٠ دولار أمريكي.

تقول أنطونيا: “لقد كانت رؤية مستوى الإنتاجية لدى الفنانين وأساليبهم في التعامل مع الوقت الحاضر، وتحمسهم للتفكير مليًا والتأمل حقًا في المسائل المهمة للجمهور والمجتمع وسبل التعاون سويًا في ظل هذه الأوقات، بمثابة بُرهان لنا”.

فضلاً عن أنَّ العديد من الفنانين، إضافةً لأمناء المتاحف وجامعي التحف الفنية وعشاق الفن، يفكرون فيما سيبدو عليه عالم الفن في المنطقة بأسرها بعد انتهاء الجائحة: ألن يعود لصالات العرض وجود على أرض الواقع؟ هل سنتبنى أساليب تفكير جديدة؟ هل صارت المعارض الفنية شيئًا عفا عليه الزمن؟

ثمة أمر واحد يظهر واضحًا جليًا: التقنية الرقمية قد باتت موجودة، وستظل باقية.

تقول أنطونيا: “من الجلي أنَّ التقنية الرقمية عامل تمكين رائع، من حيث التوزيع وتعميق الخبرة؛ والقدرة على نقل الأعمال للمجتمع الأوسع نطاقًا. كما أنَّها تنطوي على فائدة إضافية لمَن بوسعهم زيارة المعرض شخصيًا؛ تتمثل في تعميق مشاركتهم عن طريق توفير المزيد من الموارد والمواد التي يمكن أن تضيف لتلك التجربة الفعلية”.

من معرض لاريسا سانسور In Vitro في مركز جميل للفنون في عام ٢٠١٩. الصورة: فن جميل.

كما هو حال العديد من المؤسسات، تعيّن على “مركز جميل للفنون” الإسراع بتوسيع نطاق عروضه الرقمية إثر فرض إجراءات البقاء في المنزل. صحيح أنَّ المركز عاود الافتتاح في الثالث من يوليو الجاري بعد إغلاق دام أكثر من ١١ أسبوعًا، إلا أنَّه أنتج موردًا رقميًا كل يوم وأطلق نحو ١٥ ورشة عمل عبر الإنترنت. تعليقًا على ذلك، تقول أنطونيا: “لطالما كانت لدينا استراتيجية رقمية، لكنَّنا كنَّا نعتبرها شيئًا سينتشر تدريجيًا، فأجبرتنا هذه الفترة على أنَّ نعجّل بكل ذلك”.

غير أنَّ “مركز جميل للفنون”  – بخلاف كثير من المتاحف وصالات العرض – قرر عدم تقديم جولات افتراضية. يرجع السبب في ذلك جزئيًا إلى أنَّ ذلك قد يجعل الجماهير تصبح مهووسة بتجربة الفن عبر شاشات حواسيبهم المحمولة عندما تخفّ حدة الأزمة.

تقول أنطونيا: “الشيء الرائع حقًا الذي لاحظناه هو أنَّ الناس لم تفقد حماسها لرؤية الفن رأي العين، وأنا مؤمنة بشدة بأنَّنا يجب أن نتوخى الحذر كيلا نسمح للتقنية الافتراضية بأن تصبح شيئًا طبيعيًا نوعًا ما؛ فإذا كان الفنانون يعرضون أعمالهم لكي يراها الناس ويختبرونها على أرض الواقع (بكل ملمس تلك الأعمال الفنية والمعنى الذي تنطوي عليه)، ففي اعتقادي أنَّه يجب علينا أن نحرص على أن نلتزم بطبيعة تلك الأعمال الفنية”.

لكن بما أنَّ الجماهير مستمرةً في البحث عن التجارب الفنية الافتراضية، يبقى السؤال هو: مَن الذي سيدفع (أو سيتقاضى) مقابل ذلك؟ فكما هو الحال بالنسبة للإعلام، لابد من أن يطرأ تغيير في طريقة استهلاك جماهير الفن للمحتوى الإلكتروني عبر شبكة الإنترنت، وفي الوقت نفسه لابد من مراعاة أخلاقيات العمل الرقمي، بحسب أنطونيا، التي تتساءل: “لقد صار الجميع يُجرون محادثاتهم عبر تطبيق “زووم” Zoom. ولكن، هل يتقاضى الفنانون وأمناء المتاحف (ولاسيما مَن يعملون لحسابهم الخاص) أجورهم كما لو كانوا جالسين في غرفة فعلية؟”.

لطالما شكلّت الأزمات العالمية مصدر إلهام للفنانين، بدايةً من إدفارد مونك ولوحته “صورة ذاتية بعد الانفلونزا الإسبانية” عام ١٩١٩ وحتى عمل الفنان أولافور إلياسون عن التغيّر المناخي بعنوان “الساعة الجليدية” في عام ٢٠١٥. فهل بإمكان الجماهير توقّع رؤية موجة من القطع الفنية المستوحاة من الجائحة عند زيارتهم المقبلة لصالات العرض؟

لقطات من معرض لورانس أبو حمدان This whole time there were no land mines في مركز جميل للفنون في عام ٢٠١٧. الصورة: برينت جالوتيرا.

تجيب أنطونيا على هذا السؤال قائلةً: “من الجلي أنَّه قد صار هناك ميل نحو تفسير كل شيء بمنظور جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-١٩)، بينما لم يكن الفنانون آنذاك بالضرورة يفكّرون في مثل تلك الأمور. أشعر أنَّنا متورطون في الجائحة أكثر مما ينبغي [في الوقت الراهن]، وبالتالي لا نستطيع إنتاج فن يتناول مثل هذه الموضوعات بطريقة مباشرة”.

وتضيف قائلةً إنَّه ينبغي لأمناء المتاحف والمؤسسات توخي الحذر كيلا يحملّون الفنانين مسؤولية تولي دور المراسلين الصحفيين أو علماء النفس، فتقول: “يجب أن يكون الفنانون قادرين على صنع العمل الفني بالطريقة التي لطالما أرادوا صنع عملهم بها؛ فهذا هو ما يعينهم – ويعيننا جميعًا – على اجتياز هذه الفترة بسلام”.

تصرَّح المديرة التنفيذية أيضًا بأنَّ ازدياد التعاون بين المؤسسات الإقليمية والدولية كان أحد العواقب الإيجابية لهذه الأزمة؛ إذ تقول شارحةً: “إنَّنا نتشارك أفضل الممارسات والأفكار حول الميزانيات والتمويل وخوض التحديات العملية لجائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-١٩) سويًا، كما بدأنا التفكير في كيفية التعاون فيما بيننا في المشاريع من الآن فصاعدًا، وهذا أمر سرّتني رؤيته حقًا”.

وبما أنَّ أنطونيا شغلت منصب المديرة التنفيذية ل”فن دبي” سابقًا (من عام ٢٠١٠ حتى عام ٢٠١٦)، فإنَّها أيضًا تعي تمامًا التحديات التي تواجه المعارض الفنية في المنطقة: فعندما تأجّل معرض “فن دبي” لهذا العام (وكان من المزمع إقامته في الفترة من ٢٥ إلى ٢٨ مارس من العام الجاري) إلى مارس عام ٢٠٢١، سارع منظّمو المعرض بإصدار كتالوج إلكتروني عبر شبكة الإنترنت، لكنَّ صالات العرض أبلغت عن حجم مبيعات أقل بكثير من حجم المبيعات المستهدف.

مركز جميل للفنون في دبي. الصورة: فن جميل.

ومن جهتها، تعتقد أنطونيا أنَّ المعارض الافتراضية ستستغرق بعض الوقت لكي تحل محل المعارض الفعلية؛ حيث تقول: “إنَّ الناس لا يريدون رؤية المعارض تختفي من الوجود، لاسيما وأنَّهم قد أدركوا الآن أكثر من ذي قبل أنَّها تشكّل ملتقيات شديدة الأهمية. ربما سيبتكر شخص ما منصة للبيع عبر الإنترنت نشعر معها وكأنَّنا في حضرة العمل الفني فعليًا، لكنَّني لا أعتقد أنَّ التقنية اللازمة لذلك لها وجود بعد”.

جدير بالذكر أنَّ أنطونيا من المملكة المتحدة في الأساس، لكنَّها انتقلت إلى دولة الإمارات العربية المتحدة عام ٢٠٠١، وهي تشارك منذ ذلك الحين في المشهد الفني الإقليمي. وبعد انضمامها لـ”فن جميل” في عام ٢٠١٦، تولت الإشراف على افتتاح “مركز جميل للفنون المعاصرة” في دبي، بينما من المقرر افتتاح مشروع “حي: ملتقى الإبداع” في جدة عام ٢٠٢١.

حتى في ظل الاضطرابات الحالية، تشعر أنطونيا بالتفاؤل تجاه مستقبل الفنون في المنطقة، فتقول: “هناك وعي متزايد من جانب حكومات بالقوة الناعمة التي تمثلها القطاعات الإبداعية، وخصوصًا في المملكة العربية السعودية الآن. لذلك، آمل أن يُترجم ذلك إلى مزيد من الدعم للفنانين والجهات غير الربحية. كما أنَّ روح الاعتماد على الذات منتشرة بين الفنانين إلى حد ما، فيما يتعلق بتشكيل جماعاتهم ومجموعاتهم الخاصة ومواصلة شق طريقهم حقًا بطرق جديدة ومبتكرة للغاية”.

لمعلومات حول المعارض المُقامة حاليًا في “مركز جميل للفنون”، بما في ذلك أول معرض فردي في المنطقة للفنان العراقي الأمريكي مايكل راكويتز، يُرجى زيارة الموقع الإلكتروني jameelartscentre.org.


لارا برنت صحفية بريطانية-استرالية. سبق أن كتبت لصحيفة The Telegraph، موقع The Lonely Planet، و The Traveller.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

هذه المقابلة ترجمت من الانجليزية.