ثقافة وفن عدد الفن العربي

متحف بلا حدود: منظور جديد على فلسطين على بُعد نقرة واحدة

داخل المتحف الفلسطيني

.To read in English, click here

بقلم فيتوريا فولغير ديتيل

المتحف الفلسطيني. الصورة: المتحف الفلسطيني.

عندما اندلعت جائحة فيروس كورونا (كوفيد-١٩)، ذاق الناس في جميع أنحاء العالم – ولأول مرة – مرارة تقييد الحركة والعزلة والعيش في ظل حظر التجوال. لكن بالنسبة لمَن يعيشون في الأراضي الفلسطينية، بدا مصطلح “الإغلاق” مألوفًا؛ إذ كان لهم نصيبهم من القيود نظرًا لأنَّهم يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي طوال العقود الماضية.

ولكن قد نجم عن هذا الفيروس المزيد من الصعاب لفلسطين، وتضررت قطاعات عديدة من جراء هذه الأزمة. سُجل أول تفشي للفيروس في الضفة الغربية في بيت لحم. من ثم، ولكبح انتشار الفيروس، أعلنت السُلطات الفلسطينية فرض حالة الطوارئ يوم الخامس من مارس، وطالبت المقيمين في المنطقة بالبقاء في المنزل. وفي الوقت نفسه، أغلقت الأعمال والمدارس والأماكن العامة ودور العبادة أبوابها مؤقتًا، واضطرت للتكيّف مع الصعوبات الجديدة.

لكن كان هناك مؤسسة واحدة بدت أكثر استعدادًا من غيرها لذلك: المتحف الفلسطيني، الواقع في بلدة بيرزيت قرب رام الله، والذي استغل طبيعته العابرة للحدود لمواجهة الأزمة والاستمرار في توثيق تاريخ الشعب الفلسطيني وثقافته.

ونظرًا لأنَّ الوصول للضفة الغربية ليس سهلاً دومًا، فقد جاءت فكرة هذا المشروع الرئيسي التابع لأضخم مؤسسة فلسطينية غير ربحية – مؤسسة “التعاون” – منذ بدايته في عام ٢٠١٦ من أجل اجتياز الحدود الجغرافية والسياسية والتغلب عليها. ومن أجل ذلك، طوَّر المتحف منذ بدايته برامج رقمية هائلة، بالإضافة إلى أنشطة على أرضه ومعارض بالخارج. مما عنى أنَّ الجائحة عززت الانتشار العالمي القائم بالفعل للمتحف. وفي شهر مارس الماضي، أغلق المتحف أبوابه على أرض الواقع؛ ليفتح – في الأيام المضطربة التي تلت ذلك – أبوابه الافتراضية على مصراعيها أكثر من ذي قبل.

في هذا الصدد، تصرَّح مديرة المتحف د. عادلة العايدي- هنية لمجلة سكة: “لقد فقدنا قدرتنا على الوصول للجمهور على أرض المتحف، لكنَّنا من الناحية الأخرى – ولأنَّ كل برامجنا على شبكة الإنترنت – استطعنا التحوّل بسرعة شديدة، وأنتجنا محتوى يمكن للناس استهلاكه من المنزل. وبطبيعة الحال، فإنَّ ما ساعدنا على ذلك هو بنيتنا التحتية الجيدة جدًا، والتي سمحت لنا بأن نعمل من المنزل”.

د. عادلة العايدي- هنية، مديرة المتحف الفلسطيني. الصورة: المتحف الفلسطيني.

وفقًا للدكتورة عادلة، كان المحتوى موجودًا على شبكة الإنترنت بالفعل، لكنَّ الناس لم يكونوا يستخدمونه لأنَّهم كانوا يظنون أنَّ بوسعهم زيارة المتحف يومًا ما بكل بساطة. فلو كان للإغلاق أي جانب إيجابي، سيكون الطلب المتزايد على المحتوى الرقمي.

وهكذا، نظّمت المؤسسة على مدار الأشهر الثلاثة الماضية سلسلةً من الأنشطة والجولات الافتراضية والمعارض والمسابقات والألعاب التعليمية عبر شبكة الإنترنت، ونشرت مقاطع فيديو تفاعلية ومحتوى متنوع عن الفنون والأدب والتاريخ الفلسطيني. وكل هذا عبر موقعها الإلكتروني، وأيضًا مكتبتها الثرية على موقع يوتيوب، وصفحتيها على موقع فيسبوك وإنستقرام النشطتين إلى حد غير عادي.

بفضل المتحف، صارت فلسطين، بثقافتها وتاريخها، على بُعد نقرة واحدة فقط.

فلسطين مستمرة

ملصق صممه توشيو سَتو ونُشِر في يوم الأرض عام ١٩٩٠. يضم الملصق لوحة للفنان الفلسطيني برهان كركوتلي تصور امرأة بثوبها الفلسطيني وعِقدها المقلد بخريطة فلسطين. الصورة: أرشيف المتحف الفلسطيني.

أول ما فعله المتحف خلال فترة الإغلاق هو أن أطلق حملة عنوانها “متحف في بيتك – فلسطين مستمرة” تقدّم محتوى عن التاريخ الفلسطيني والثقافة الفلسطينية عبر الإنترنت. تمثل هذه الحملة أيضًا فرصة فريدة من نوعها لزيارة المتحف ومعارضه افتراضيًا.

انطلقت المبادرة بجولة بالفيديو لعرض “مدى البُرتقال” الذي ينظمه المتحف، وهو يستعرض المساحات الخضراء في فلسطين من خلال نحو ٥٤٠ ملصقًا سياسيًا من المجموعة الدائمة لدى المتحف تم إنتاجها
في الفترة من أواخر ستينيات القرن الماضي وحتى أوائل تسعينيات القرن ذاته. وفي العديد من هذه الملصقات، تظهر الزراعة كأداة من أدوات المقاومة الفلسطينية.

خلال مدة هذه الحملة، ومن منطلق الإيمان بأهمية توثيق القصص قبل أن يطويها النسيان، شجع المتحف الناس على استكشاف “متاحفهم” وتاريخهم الشخصي في بيوتهم، ودعاهم لنشر الصور الفوتوغرافية والأرشيفات والأغراض بوسم #فلسطين_مستمرة بغرض إنشاء ألبوم افتراضي.

تقول د. عادلة : “قدمنا أيضًا قدرًا وافرًا من المعلومات والمعرفة العامة عن فلسطين، كلاً منها بلمسة جادة للراغبين في التعلّم، وأيضًا بلمسة ترفيهية عائلية للراغبين في التسلية فحسب”.

ودعا المتحف متابعيه لأن يكونوا فنانين ليوم واحد، بأن ينشروا أعمالاً صنعوها من مواد منزلية. بعد ذلك، صوّت الجمهور على القطعة المفضلة لهم، وعُرضت جميع الأعمال المُقدّمة في معرض افتراضي.

من الأنشطة المشوّقة الأخرى الجولة الافتراضية ٣٦٠ المقامة حاليًا والجولة ثلاثة الأبعاد لمعرض “حياة القدس”، أول معرض نظمه المتحف، وأقيم لأول مرة عام ٢٠١٧. يلقي هذا المعرض الضوء على قصص المقاومة الجماعية الفلسطينية في القدس، من خلال الأفلام الوثائقية والمواد الأثرية والأعمال الفنية لفنانين محليين ودوليين.

لقد أنجز المتحف عملاً عظيمًا خلال الأشهر القليلة الماضية، حتى إنَّ المجلس الدولي للمتاحف (ICOM) أشاد باستجابته الإبداعية والفعالة للحجر الصحي.

كما برهن المتحف على كونه رمزًا حقيقيًا للمثابرة الفلسطينية خلال الجائحة؛ فتقول مديرته شارحةً: “لسنا كأي متحف آخر في العالم؛ نحن نعمل تحت الاحتلال. وبالنسبة لفلسطين، فإنَّ هذه ليست المرة الأولى بتاتًا التي يتعرض فيها قطاع كامل من السكان لعملية إغلاق: لقد مررنا بهذا في عام ٢٠٠٢ في الضفة الغربية وغزة، ونمر به على أساس دوري. وبالنسبة لفلسطينيي الشتات، فقد عرفنا هذا في لبنان ومناطق شتى غيرها”.

حتى في ظل الاحتلال وجهود التصدي لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-١٩)، يبذل فريق المتحف شديد الطموح قصارى جهده لمواصلة تأريخ تاريخ الشعب الفلسطيني وثقافته. ويبدو أنَّ لديهم كل المكونات المناسبة لذلك، إذ تقول المديرة موضحةً: “يتميز متحفنا بأنَّه عصري وديناميكي، وطاقم موظفينا شباب شديدي النشاط ومبدعون للغاية، وكلهم فلسطينيين. أمَّا موظفينا الكبار، فأغلبهم من النساء. وغالبية موظفينا مَمن هم دون سن الأربعين”.

لقد عمل المتحف على جمع الأعمال الفنية والوثائق والمواد البصرية على مر السنين، إلى حد أنَّ مجموعته الدائمة تتألف من ما يقرب من ٧٠٠ قطعة، تمت رقمنتها كلها تقريبًا.

‘كل ما كنت تريد معرفته عن فلسطين لكن كنت تخشى السؤال عنه

ملصق صادر عن منظمة التحرير الفلسطينية عام ١٩٨٩ يضم رسمًا لوردة بيضاء تنزف كُتب عليها “أنا لن أنساك يا شهيد”. الصورة: أرشيف المتحف الفلسطيني.

ليس التواجد الإلكتروني بالأمر الجديد على المتحف: فقبل اندلاع الأزمة، كان قد انتهى بالفعل من تأسيس منصتين رقميتين رئيسيتين: “رحلات فلسطينية و“الأرشيف الرقمي للمتحف الفلسطيني.

“رحلات فلسطينية” هو مشروع مشترك مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية من تصميم مشروع “تصوير فلسطين”، ويُعد مصدرًا هائلاً باللغتين العربية والإنجليزية للمعلومات المتعمقة عن تاريخ فلسطين بدايةً من القرن الرابع ميلادية، مزودًا بتوثيق من النوع العلمي.

يمكن العثور في هذا المشروع على آلاف الوثائق الأصلية والصور والسجلات الزمنية والمقالات والسير الذاتية بجميع أنواعها، ويتضمن جميع الثوار الفلسطينيين البارزين والنشطاء والقادة السياسيين والعلماء والمؤرخين والصحافيين والكتَّاب ورجال الأعمال والشعراء. تقول مديرة المتحف مفسرَّة: “يجري تحديث الموقع الإلكتروني وتوسيعه وتكبيره باستمرار، ولدينا بعض المحتوى المدهش المُخطط له في المستقبل القريب”.

واستطردت قائلةً: “إنَّ “رحلات فلسطينية” هو ببساطة كل ما كنت تريد معرفته عن فلسطين لكن كنت تخشى السؤال عنه”.

ملصق صادر عن منظمة التحرير الفلسطينية بمناسبة يوم الأمم المتحدة لفلسطين عام ١٩٨٥. الصورة: أرشيف المتحف الفلسطيني.

أمّا “الأرشيف الفلسطيني”، فهو صورة طبق الأصل من “رحلات فلسطينية”: إذ إنَّه أرشيف باللغتين العربية والإنجليزية يضم تاريخ فلسطين موثقًا بكثافة من الأسفل. تقول المديرة : “يعمل فريق باحثينا على جمع الأرشيفات واستعارتها من الأشخاص، سواءً الورقية أم الصوتية أم المرئية: ألبومات الصور، سجلات المنظمات غير الربحية، المذكرات واليوميات، الصحف القديمة، دفاتر الرسم، كل ما له صلة بمجموعة معينة. وبعد ذلك، نحوّلها لنسخ رقمية ونحمّلها إلى الأرشيف”.

إذا كانت هناك صيحة رقمنة للأرشيفات في جميع أنحاء العالم، فإنَّ “الأرشيف الفلسطيني” هو أحد الأرشيفات القليلة التي تتمتع بإمكانية الوصول الحر لعشرات الآلاف من القطع. تقول د. عادلة: “إنَّه يتناول إنجازات المجتمع الفلسطيني على الصعيد المحلي وفي الشتات منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا. إنَّه أرشيف مذهل وممتع، لأنه يسمح للمرء بأن يلمس التاريخ الفلسطيني وحياة الفلسطينيين بيده”.

من الإنجازات الأخرى العظيمة للمتحف أنَّه أخرج للنور أول استوديو لحفظ الورق على الإطلاق في الضفة الغربية، بالتعاون مع المكتبة البريطانية، في شهر أبريل ٢٠١٩. هنا، يتم حفظ المواد الورقية وآلاف الوثائق، وكذلك إصلاحها وصونها ورقمنتها.

جوهرة معمارية حديثة تمتزج مع الطبيعة

صور اضافية للمتحف الفلسطيني من الخارج. الصورة: المتحف الفلسطيني.

في هذه الأثناء، احتفل المتحف الفلسطيني بعيد ميلاده الرابع في شهر مايو الماضي. إنَّ مبنى المتحف الجميل، وهو من تصميم الشركة الأيرلندية هينيغان بينغ، ليس أول مبنى أخضر في فلسطين وحسب، بل هو أيضًا المتحف الأخضر الوحيد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ايضًا. وفي عام ٢٠١٧، حاز المبنى الشهادة  الذهبية لـ “معيار الريادة في تصميمات الطاقة والبيئة” (LEED) لكونه مبنى مستدامًا.

وفي شهر أغسطس من عام ٢٠١٩، فاز بجائزة الأغا خان للعمارة، ولا مفاجأة في هذا إطلاقًا؛ فالمبنى ممتد أفقيًا ومتعرج، ومصنوع من الحجر الجيري المحلي اللامع، لذا فهو جوهرة معمارية حديثة تمتزج بكل سلاسة مع الطبيعة المحيطة بها. كما يقبع المتحف على تلة خضراء مزدهرة بجوار جامعة بيرزيت، ويطلّ على البحر الأبيض المتوسط الذي لا يمكن لسكان الضفة الغربية الوصول إليه مباشرةً.

تضم الحدائق المحيطة بالمبنى وشرفاته الزراعية مجموعةً مختارة من سبعين نباتًا أصليًا لفلسطين أو جاء إليها على مر القرون: من أشجار الزيتون الأصلية إلى الزعتر والرمان وإبرة الراعي والبابونج والخزامى وإكليل الجبل، فقط على سبيل المثال لا الحصر.

وإذا تجوّل المرء في الحديقة، بمقدوره أن يجد أعمال فنية مركبة لفنانين عرب؛ أحدها “المنطار”، وهو برج مراقبة كان أساسيًا للحياة الزراعية الفلسطينية ذات يوم، وأعاد تجديده الفنان سليمان منصور في عام ٢٠١٩. أيضًا ضمن المنطقة الخارجية، يوجد مدرج بمقاعد حجرية تتكامل مع الطبيعة المحيطة بها.

منظور جديد على فلسطين

المتحف الفلسطيني من الداخل. الصورة: حارث يوسف للمتحف الفلسطيني.

صحيح أنَّ المتحف يبقى مغلقًا في ظل هذه الجائحة الجارية حاليًا، إلا أنَّ موظفيه مستمرون في عملهم عن بُعد؛ فهم يحضَّرون، بالتعاون مع متحف التراث الفلسطيني في القدس، لمعرضهم القادم الذي سيحمل عنوان “طُبع في القدس: مُستملون جُدد”، والذي كان من المفترض أن يُقام في شهر أبريل ٢٠٢٠ لكنَّهم اضطروا لتعليق مخططاتهم مؤقتًا، والآن سيُقام عبر الإنترنت.

سوف يستكشف المعرض قضايا الحداثة والنشاط الثقافي والعلاقات الدولية والرقابة في المدينة المقدسة.

وإلى حين تخفيف القيود المرتبطة بالفيروس، يعمل المتحف على إبقاء تاريخ فلسطين حيًا عبر الإنترنت، ويُرحب بالتبرع بالمجموعات وبمشاريع التعاون مع المنظمات الأخرى في جميع أنحاء العالم.

تقول د. عادلة: “إنَّ مهمتنا الرئيسية هي إنتاج المعرفة ومنظور جديد على فلسطين ونشرهما.. هناك الكثير ليتعلمه الناس مما حققه الفلسطينيون في وجه كل الصعاب؛ فهي قصة رائعة عن صمود شعب استطاع البقاء فقط بقوة العمل الجاد والتعليم والإيمان بقضيته. هذا هو ما يدور حوله متحفنا: توفير كل هذه الروايات عن الإنسانية”.


فيتوريا فولغير ديتيل صحفية ومترجمة. بعد دراستها للأدب العربي في جامعة نابولي، عملت مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ووكالة الأنباء الإيطالية ANSA. عاشت في الشرق الأوسط لعشرة سنوات ( في سوريا، ولبنان، وليبيا، والكويت، ومصر)، وتعيش حاليًا في سنغافورة.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

ترجمت هذه المقابلة من الانجليزية.