ثقافة وفن عدد الفن العربي

كيف يربط إثراء العالم من خلال الفن

يتربع إثراء على مكانةً عاليةً في ظل هذه الموجة الجديدة من الاقتصاد الثقافي التي بدأت تظهر في جميع أنحاء المملكة

.To read in English, click here

بقلم جورجي برادلي

إثراء في المملكة العربية السعودية. الصورة: إثراء.

هناك مغالطة متكررة عن الفن في العالم العربي منذ سنوات، وبخاصةً عن المملكة العربية السعودية، ألا وهي القول بأنَّ الفن مجال ناشئ، وهو أمر شائع وغير صحيح في الوقت نفسه. لطالما كان الفن متواجدًا، ولكنه الآن يحصل على اهتمام بشكل أكبر. المنطقة تحتفل حاليًا بالمساحات الإبداعية التي تغذي الفن ومستهلكيه وتحقق لهما الازدهار، ولكن الفن لم يحتل مكانته المركزية في المنطقة إلا في العقود القليلة الماضية.

تقول ليلى الفدّاغ، مديرة المتاحف بمركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي “إثراء” – النافذة العملاقة على تجربة الفن العالمية والشاملة بمدينة ظهران بالمملكة العربية السعودية، والتي كانت شركة أرامكو السعودية من أسسها  كجزء من التزامها بتنمية المملكة: “شهدت سبعينيات القرن الماضي مولد المبادرات الشعبية في المملكة، وهي ما أوصلنا لما نحن عليه اليوم من حيث النسيج الثقافي”.

إنَّ إثراء، بالنسبة لعبد الله الراشد (رئيس البرامج لدى إثراء)، ليس “تجربة لمتحف عادي، بل هو مساحة متعددة المنصات والأبعاد”، على حد تعبيره. يضم المركز معارض، وصالات عرض، ودور سينما على أحدث طراز (يُعد “إثراء” أضخم منتجي الأفلام على الإطلاق في المملكة، فقد أنتج ٢١ فيلمًا خلال العامين الماضيين)، ومتحفًا للأطفال، وأسطولاً من العروض الرقمية.

يتربع إثراء على مكانةً عاليةً في ظل هذه الموجة الجديدة من الاقتصاد الثقافي التي بدأت تظهر في جميع أنحاء المملكة؛ وهو ما يؤكده عبد الله، قائلاً: “لطالما كان الفن موجودًا، لكنَّه كان يعتمد تاريخيًا على الجهود الخاصة للأفراد والمؤسسات المتفرقة. هذا الزخم الجديد للفن جاء بفضل من رؤية المملكة العربية السعودية ٢٠٣٠”. لكنَّ إثراء كان يشق طريقه في المشهد منذ أكثر من عقد من الزمن. وبينما كان يحفر علامةً لا تُمحى، اكتسبت الفنون اهتمامًا جديدًا، وأصبحت تعتبر أداة أساسية لسلامتنا العقلية  بشكل أكبر وجودة حياتنا، مدفوعةً في ذلك بقوى وسائل التواصل الاجتماعي. يقول عبد الله: “لقد باتت المكاسب الملموسة للفنون معترفًا بها بقوة الآن”.

عبد الله الراشد، رئيس البرامج لدى إثراء. الصورة: إثراء.

بدأ تأسيس إثراء في عام ٢٠٠٨. وبنهاية عام ٢٠١٦، افتتح المركز أبوابه رسميًا، ليصبح محرّكًا للبنية التحتية للفنون في البلاد، وهو يعمل على تنمية مجتمعات داخل المجتمعات، موسعًا دائرته في مجال الفنون بما يكفي لتشمل “الفنانين الطموحين الذين لم يتم الكشف عنهم بعد، والفنانين الراغبين في امتهان هوايتهم، والمحترفين الراغبين في إتقان حرفتهم”، كما يضيف عبد الله. وتُعد جائزة إثراء للفنون طموح لفنانين كثر، حيث إنَّها تمنح الفائز بها ١٠٠ ألف دولار أمريكي، بالإضافة إلى عدد كبير من المنصات لكي يعرض عمله فيها، ووالمجال مفتوح للمواطنين والمقيمين في المملكة على حد السواء. أضف إلى ذلك أنَّ إثراء يعقد أكثر من ٢٠٠ ورشة عمل ثنائية اللغة عبر عدد من التخصصات الإبداعية.

تتضمن ركائز إثراء التأسيسية السعي لإجراء حوار ثقافي مع العالم. يشرح عبد الله ذلك بقوله: “لم يتأسس إثراء ليركز على السعودية، بل إنَّ فكرته هي دعوة العالم بأكمله إليها، وتشارك عالمنا من خلال القصص”. وفي شهر فبراير الماضي، قبل أن تتسبب الجائحة بإغلاق العالم بقليل، كان “إثراء” قد استجلب عرضًا فيتناميًا بهدف تنمية “اهتمام أكبر بكل أنواع الفنون” حتى يستفيد الفنانون من قدراتهم وإمكاناتهم باعتبارهم مسؤولين عن التغيير الثقافي.

في نهاية المطاف، تتعلق الفنون بمَن يصنعونها، ومَن يتفاعلون معها، والالتقاء بينهما. إنَّ جزء كبير من إرث إثراء يتمثل في كون  معارضه وبرامجه والعروض التي ينظمها من الناس للناس.

تشتمل مرافق إثراء على عدد من الأقسام المتنوعة وهي مختبر الأفكار، والمكتبة، والمسرح، والسينما، والمتحف، ومتحف الطفل، ومعرض الطاقة، والأرشيف، والقاعة الكبرى، وبرج المعرفة” . الصورة: إثراء.

تقول ليلى: “عندما أطلقنا معرض “الجمال والهوية في الفن الإسلامي”، أجرينا بحثًا حول الجمهور حتى نكوّن فكرة حول ما يود الناس اختباره. يضم هذا المعرض ١٥٠ غرضًا من متحف الفن بمقاطعة لوس أنجلوس الأمريكية (Los Angeles County Museum of Art)، ويعرض الفن في العالم الإسلامي من الصين إلى شمال أفريقيا”. لا ينظم إثراء العروض من فراغ، بل إنَّ هناك حوارًا مدروسًا بعناية للتخفيف من حدة عدم الوعي الثقافي، وإن لم تكن هناك أي خلافات من هذا النوع حتى الآن.

يقول عبد الله: “ليس هدفنا أن نكون مجاملين”، مضيفًا: “لكن لا علاقة للأمر بالاستفزاز كذلك”، ومع أنَّ إثراء “يتخطى الحدود السائدة، فإنَّ السرد القصصي موجود في صميم كل شيء يتم استكشافه وتطويره”.

عند قراءتك لهذه السطور، سيكون إثراء قد “عاد كليًا للعمل بحذر وبحماس” كما تقول الكلمات التي تعلو صفحته المقصودة على شبكة الإنترنت. إنَّ التأقلم على الحقائق الواقعة الجديدة لعالم جائحة فيروس كورونا المستجد لم يعنِ تغييرًا يُذكر في محتوى إثراء، ولكنه أحدث تغييرات على الجانب التشغيلي من الأمور أكثر. تقول ليلى: “مَن يدري إلى متى ستستمر هذه الجائحة؟ إنَّنا ننظر في كيفية جعل معارضنا آمنة؛ كأن لا نضع ملصقات تعريفية على الأغراض، وأن يستخدم الزائر هاتفه لمعرفة المزيد من المعلومات عنها، على سبيل المثال”.

ومع أنَّ المتحف كان قد أغلق أبوابه مؤقتًا خلال ذروة الجائحة، فقد زادت تلك الفترة زخم إثراء في الواقع من خلال التجارب الافتراضية. تقول ليلى مفسّرة: “لقد قدمت لنا جائحة فيروس كورونا فرصة لتسريع ما كان في طور الإعداد بالفعل”.

ليلى الفدّاغ، مديرة المتاحف بمركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي إثراء. الصورة: إثراء.

أي أنَّ الحجر الصحي قد حرَّك تروس “إثراء التواصل”- التجربة الحسّية “من المنزل” لما هو معروض حاليًا في مجموعة متنوعة من المساحات. يقول عبد الله مضيفًا: “لقد ارتفعت نسبة مشاركاتنا لأكثر من مليون مشاهد، وهذا يدل حقًا على مدى انغماسنا كمجتمع – بل واحتياجنا في الواقع – للمحتوى القائم على تقنية المحاكاة الغامرة. إنَّ موسم “إثراء التواصل” يمنح المشاهد إمكانية الولوج في صالات العرض، والمناظرات، والمعارض والمسرح، و البود كاست.

وبما أنَّه قد تم طرح أسئلة عديدة عبر الأثير، خصوصًا من الأطفال الذين يملؤهم الفضول والحيرة في ظل هذه الأوقات غير العادية، نشر إثراء كتاب المؤلِفة المحلية ناهد الشوا عن فيروس كورونا (إلى جانب تسجيل له في بودكاست)، مُلخصًا للأطفال الذين يشعرون بالحيرة  حيال كونهم مضطرين لرؤية الجد والجدة فقط من وراء زجاج دون أن يُسمح لهم بتحقيق غريزة العناق لديهم.

ولا يفوتنا أيضًا أن نتطرق بالحديث إلى التأثيرات الجارية للجائحة والخروج منها بتعبير فني جديد؛ فمع القدر الهائل من الوقت الذي نقضيه مع أنفسنا وممتلكاتنا، يتزايد لدينا الوعي والشعور بما يجعلنا فريدين عن غيرنا.

يعمل إثراء حاليًا على توجيه دعوة عالمية للناس لالتقاط صور الأغراض التي تطوّر لديهم نوعًا من الألفة تجاهها خلال فترة الإغلاق، للتعبير عن هشاشة البشر وغرائبهم، وحتى روح الدعابة في ظل هذه التجربة. يقول عبد الله شارحًا: “نحن نريد أن نسمع قصصًا عن كيف تجاوزت “الأشياء” معناها في حياتنا، إذ إنَّ هذا سوف يخلق إحساسًا بالتضامن والوحدة حول شيء أثّر سلبًا بكل إنسان في العالم”.

للتعرف على أكثر على إثراء، قوموا بزيارة https://www.ithra.com/ar/about-us/about/


جورجي برادلي محررة وصحفية بريطانية – يونانية تقيم في دبي بعد قضاء فترة في البحرين (وهي لا تزال تتردد عليها شهريًا). رفع أصوات صناع التغيير في المنطقة هو ما يحفزها.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

هذه المقابلة تُرجمت من الإنجليزية.