ثقافة وفن عدد الفن العربي

تعرَّفوا على الفنان الكويتي الذي يصوَّر تحديات العمل عن بُعد خلال الجائحة

محمد شرف يلتقط واقعنا بشكل فكاهي

.To read in English, click here

بقلم فيتوريا فولغير ديتيل

كثيرًا ما يبدي مصمم الغرافيك الكويتي محمد شرف تفاعله مع الأحداث السياسية والاجتماعية التي تحدث في العالم والشرق الأوسط، من خلال تصميم الفن البصري. لقد حوَّل محمد الأزمة الصحية العالمية الأخيرة – وعملية الإغلاق على إثرها – إلى فرصة فنية لنقل وجهة نظره وبدء حوار حولها. وكالعادة، فعل ذلك بأسلوبه الجريء والترفيهي.

فمع تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-١٩)، أُجبر أناس عديدين في جميع أنحاء العالم على ممارسة التباعد الجسدي، ولم يفلت الكويتيون من هذا: حيث فُرض حظر تجول جزئي بدايةً من يوم ٢٢ مارس. واعتبارًا من يوم ١٠ حتى ٣٠ مايو، فُرض حظر تجول كلي حَبَسَ الناس في منازلهم؛ مما عنى أنَّ العمل عن بُعد أصبح هو العادة الجديدة.  

أمَّا الفنان نفسه – وهو يمتلك استوديو لتصميم الغرافيك في مدينة الكويت – فقد كان يحاول العمل من المنزل، لكنَّه كان يجد صعوبة بالغة في المحافظة على مستوى إنتاجيته دون أن تلهيه الأعمال المنزلية أو المهام الأخرى، كما يحكي لمجلة سكة.

فيحكي قائلاً: “قبل جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-١٩)، كنت أستيقظ من النوم، وأحتسي قهوتي، وأذهب للمكتب. كان هذا هو يومي المعتاد [في العمل]. لم أكن أقضِ ولو نصف ساعة بالمنزل في الصباح قبل الذهاب إلى المكتب.. لكن الآن، أنا أستيقظ من النوم، واضطر لإعداد الإفطار، ثم أجلس قليلاً، وإذا بي قد أهدرت ساعتين تقريبًا بالفعل؛ فتكون الساعة قد أصبحت العاشرة صباحًا! أعمل لمدة نصف ساعة، ثم أتعرض للإلهاء، لينتهي اليوم بذلك!”.

لذلك، فكّر في طرق للتعبير بصريًا عن إحباط العمل من المنزل وضغط الإنتاج وتعدد المهام هذا في صورة واحدة مثالية يمكن للناس التعاطف معها. لكنَّه أيضًا أراد للصورة أن تكون طريفة، كحال أغلب أعماله.

لذا في يوم ٦ أبريل، نشر صورة لنفسه على موقع إنستقرام مع تعليق يقول“العمل من المنزل رقم 1”. في هذه الصورة، يظهر محمد وهو يحتسي القهوة جالسًا على فراشه في وضعية جادة، بينما يراقب شاشة حاسوبه المحمول، مرتديًا دشداشة بيضاء.  

حصدت الصورة فورًا سيلاً من التعليقات المؤيدة من متابعيه؛ وهو ما فسَّره محمد بقوله: “أعتقد أنَّ هذا كان بسبب طرافة المزيج بأكمله”.

ثم نشر ست صور شخصية أخرى لنفسه في الأسابيع التالية. وفي صورة بعنوان “المواعيد النهاية، العمل من المنزل رقم 2”، يحاول محمد “السخرية من إعلانات خمسينيات القرن الماضي، التي كانت النساء فيها يمسكن بمكنسة كهربائية وكتاب وطفل في آن واحد، ويحاولن إنجاز كل شيء وهن سعيدات بذلك.. إذا نظرت إلى تلك الصور، بإمكانك إمَّا أن تضحك معهم، أو أن تمعن النظر فتفهم أمورًا معينة أحاول قولها”.

هنا يبدأ الناس بتقليد نسختهم الخاصة من الصورة وفقًا لخلفيتهم ومنشأهم، مع إضافة الوسم workingfromhome#.

يقول محمد مفسَّرًا: “أعتقد أنَّ الصورة أعجبت الناس لأنَّ بإمكانهم التعاطف معها: فهم يريدون تخفيف العبء عن أنفسهم، أي عبء إنجاز العمل والإنتاج. كان كل واحد يفعل هذا بطريقته الخاصة. على سبيل المثال، أنا استخدمت مكنسة كهربائية رخيصة الثمن، بينما استخدم آخرون مكنسة باهظة الثمن للغاية. وكان البعض يرتدون ملابس أنيقة، بينما كان غيرهم يرتدون ملابس غير رسمية. والأمر يختلف من بلد لآخر؛ فشخص من إيران يختلف عن شخص من الولايات المتحدة أو لبنان أو الإمارات. الجميع ينظرون للأمر بطريقة مختلفة وفقًا لثقافتهم ووجهة نظرهم الشخصية”.

الطريق لفن تصميم الغرافيك

لقد كانت سلسلة الصور الفوتوغرافية عن العمل من المنزل تلك هي أسلوب محمد في التنفيس عن عواقب الجائحة بأسلوب فني. صحيح أنَّه يستمتع بالتصوير الفوتوغرافي ويعتبره “مساحةً للعب”، إلا أنَّه ليس وسيلته الرئيسية.

إذ إنَّ محمد، البالغ من العمر ٣٩ عامًا، يلجأ في الغالب لتصميم الغرافيك والطباعة والخط في صناعة الفن.

وُلد محمد وترعرع في الكويت، ونشأ في بيئة فنية؛ حيث يقول: “كان والدي فنانًا متخصصًا بالفنون الجميلة، وأعتقد أنَّ هذا هو أحد الأسباب الرئيسية التي جعلتني أدخل مجال الفن. تطلع محمد في عمر السابعة لعمل والده، وأبدى هو نفسه موهبة فنية. ومع أنَّ شرف الكبير كان فخورًا برسومات ابنه، لم يكن يريده أن يركز على الفن دون سواه.

وحين كان محمد تلميذًا في المدرسة بعمر العاشرة، اكتشف فن الخط العربي. في حين شُغف بتصميم الغرافيك بعمر الرابعة عشرة، من خلال ورشات العمل التعليمية . وفي سنوات المراهقة، بدأ العمل كمصمم غرافيك بدوام جزئي.

كان محمد يود مواصلة دراسة هذا الشكل من الفن، لكن جامعة الكويت لم تكن تقدم أي صفوف دراسية فيه.

يحكي لنا محمد متذكرًا: “ففكرت: ما ثاني أقرب شيء لتصميم الغرافيك والإعلان بوسعي دراسته؟” فدرست التسويق”.

وبعد تخرجه في عام ٢٠٠٤، استمر في العمل كمصمم غرافيك مستقل، وعلَّم نفسه بنفسه حتى عام ٢٠٠٩، عندما افتتحت الجامعة الأمريكية في الكويت (حديثة التأسيس آنذاك) قسمًا للفن وتصميم الغرافيك، فالتحق به وحصل على شهادته الثانية في عام ٢٠١١.

بعدها بعامين، ارتقى بشغفه للمستوى الأعلى، وسافر للولايات المتحدة ليتابع دراسة ماجستير في الفنون الجميلة والتصميم بكلية الفنون البصرية في نيويورك.

وبعد أن درس وعمل بدوام كامل في نيويورك لمدة خمسة أعوام، عاد إلى الكويت عام ٢٠١٨ وأسس شركة Sharaf Studio.، وهو الاستوديو الخاص به الذي ينتج فيه: “الهويات البصرية والمقالات الافتتاحية والحملات التسويقية، وكل شيء له صلة بالتصميم”. كما أنَّه كثيرًا ما يعقد شراكات مع منظمات غير هادفة للربح للعمل الخيري الاجتماعي أيضًا.

الدعابة كأداة لجذب الانتباه

إذا كان شرف الكبير مصدر إلهام محمد الأول، فهناك عدة فنانين ومصممين وكتَّاب وأصدقاء وأشخاص على مواقع التواصل الاجتماعي حفزوا عمله الفني والتصميمي على مر السنوات.

ولمَّا كان محمد معجبًا بالملصقات الدعائية الشيوعية في جميع أنحاء العالم بالفعل، فقد كان المصمم الإيراني رضا عابديني هو الذي لفت انتباهه للطباعة وتصميم الملصقات خاصةً. كما يعجبه عمل مصمم الغرافيك الأمريكي بول راند الذي يتسم بالبساطة والقوة في الوقت نفسه، ويتعاطف بقوة مع الرسام السريالي البلجيكي رينيه ماغريت أيضًا.

يطبّق محمد مهارات تصميم الغرافيك في فنه: ففي عام ٢٠١٠، بدأ بصنع ملصقات بصور بسيطة توصّل رسالة من خلال السخرية والدعابة. يقول محمد معلّقًا: “لقد نشأت في الكويت، حيث الدعابة جزء لا يتجزأ من مجتمعنا؛ فأنت تراها في الفنون البصرية والأدائية، ولا سيما البرامج التلفزيونية والمسرحيات”.

وبما أنَّ معظم أعمال محمد تُنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فهو يشعر بالحاجة للاستعانة بالدعابة لجذب انتباه المشاهد بسرعة.

فيعلّق قائلاً: “أعتقد أنَّ هذا المزيج من القضايا الجادة والأشياء السخيفة يساعدني في توصيل وجهة نظري من خلال عملي”.

تفاعلات بصرية على الأحداث الجارية في العالم

ملصقات This is how it goes ، و “غير ممنوع”، و ملصق آخر من دون عنوان. الملصقات: Visual Reactions Tumblr.

أول ملصق لمحمد كان جزءًا من مشروع تابع للجامعة يحمل عنوان This is how it goes أو “إليك القصة” (٢٠١٠)، وكان عبارة عن تعليق على السلوك الاجتماعي الكويتي. يقول محمد موضحًا: “يتناول الملصق كيف يتحدث الناس عن السياسة دون معرفة كافية ودون مراعاة ما هو صواب وما هو خطأ”.

مهّد هذا الطريق لسلسلة بعنوان “التفاعلات البصرية” Visual Reactions، وهي سلسلة ملصقات تتفاعل مع الأحداث الجارية في الشرق الأوسط.هذه الملصقات رقمية، ينشرها محمد على مواقع التواصل الاجتماعي. وبعد ذلك، تظهر على وسائط مختلفة، كالملصقات المطبوعة بالشاشة الحريرية والأعمال الفنية المركبّة.

بعض تلك الملصقات حظيت بانتشار واسع؛ من بينها ملصق “غير ممنوع”، الذي كان تفاعلاً مع القانون السعودي الصادر عام ٢٠١٣ الذي يسمح للنساء بركوب الدراجات الهوائية للترفيه إذا كان برفقتهن أحد أقربائهن الذكور. كانت هذه الصورة البسيطة بألوان الأسود والأبيض والأحمر بمثابة عملاً فنيًا محوريًا في مسيرته المهنية؛ إذ أعيد نشرها على نطاق واسع عبر شبكة الإنترنت وفي الوسائل الإعلامية الإقليمية والدولية. يُظهر الملصق امرأة ترتدي عباءة سوداء اللون وتركب دراجة هوائية، بينما يقف ولي أمرها خلفها في سلة صغيرة.

مقبرة الكتب الممنوعة

في شهر نوفمبر عام ٢٠١٨، صمم “مقبرة الكتب الممنوعة”، وهي عمل فني مركب ضخم، تعليقًا على حظر الحكومة الكويتية لأكثر من٤،٣٠٠  كتاب منذ عام ٢٠١٣. تم تركيب هذا العمل الفني على قطعة أرض شاغرة بجوار معرض الكتاب الدولي الكويتي القائم آنذاك.

تكون هذا العمل الفني المركب من ٢٠٠ شاهد، كتب عليها محمد باللون الأحمر أسماء الكتب المحظورة مع وضع “تاريخ الدفن الرمزي” لها. بقي العمل الفني المركب في مكانه لمدة ثلاث ساعات، قبل إزالته.

“وجدت منطقة مهجورة بجوار معرض الكتاب، ووضعت العمل الفني المركب فيها”. مثل عمل “غير ممنوع”، جذبت “مقبرة الكتب الممنوعة”اهتماما هائلاً على الصعيدين المحلي والدولي. وفي نوفمبر عام ٢٠١٩، أعاد محمد إنشاء العمل الفني المركب جزئيًا في قاعة منصة الفن المعاصر الكويتية (CAP) لفترة تزيد على الشهر.

يقول محمد: “إنَّ السبب الوحيد وراء عملي هذا هو أنَّني أريد التعبير عن وجهة نظري. وفي نهاية المطاف، أود بشدة كذلك أن أجعل الناس يدركون ما أحاول قوله، لكنَّ هذا شيء إضافي.. فأنا أفعله من أجلنا، من أجل مجتمعي”.


فيتوريا فولغير ديتيل صحفية ومترجمة. بعد دراستها للأدب العربي في جامعة نابولي، عملت مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ووكالة الأنباء الإيطالية ANSA. عاشت في الشرق الأوسط لعشرة سنوات ( في سوريا، ولبنان، وليبيا، والكويت، ومصر)، وتعيش حاليًا في سنغافورة.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

ترجمت هذه المقابلة من الانجليزية.