ثقافة وفن عدد الفن العربي

المصورة في مهمة لتغيير الصورة النمطية عن السعودية

لقاء مع تسنيم السلطان من السعودية

.To read in English, click here

 بقلم عفاف بوعكادة

المصورة تسنيم السلطان. الصورة: تسنيم السلطان.

صورت الحب والحرب والألم والسعادة. جعلتنا نعيش قصص أبطال كما لو كنّا معهم، وقرّبتنا من الأجواء والتقاليد السعودية من خلال عدستها فقط. إنها المصورة السعودية تسنيم السلطان التي تتخصص في مجال رواية القصص البصرية وتُبدع فيه لتقدم لنا صور أشخاص قد لن نلتقي بهم أبدًا، لكن قصصهم ستترك بصمتها فينا. تحدثنا مع تسنيم عن مصادر إلهامها ومشاريعها القصصية وعملها مع أشهر المنابر الإعلامية العالمية لتغيير الصور النمطية حول العرب من طرف الغرب. حررت هذه المقالة لمراعاة الطول والوضوح.

أنت راوية قصص بصرية، وسفيرة شركة كانون (Canon)، وفنانة، ومتحدثة.. كيف تحافظين على إلهامك بشكل مستمر؟

تسنيم السلطان: أنا أرى نفسي راوية قصص بصرية، فأنا لم أدرس الفن وتعبيراته، بل تخصصي هو الأدب الإنجليزي والانثروبولوجيا الاجتماعية واللغويات الاجتماعية. هذه كلها مجالات بعيدة عن الفن، وبحكم أنني أهوى قراءة القصص واستكشاف باقي الثقافات لذلك أختار رواية القصص من خلال عدستي. نعيش حاليًا أوضاعًا خاصة تجعل من الصعب علينا فهم الآخرين. لقد أصبحنا انفعاليين وغير قادرين على التحكم بمشاعرنا، ورواية القصص هي ما تجعلنا نضع أنفسنا مكان الآخر.

ما يلهمني أكثر هو القصص. لا أستطيع تذكر أسماء الناس الذين ألتقيهم، لكنني لا أنسى قصصهم أو المشاعر التي خلفوها داخلي أبدًا. 

كيف أثرت هذه الجائحة الصحية في السير العادي لأعمالك؟

تسنيم السلطان: لقد جعلتني أدرك إلى أي مدى أحب التقاط صور الآخرين وعرض قصصهم بدل من التركيز على أخذ صوري الشخصية. طلبت مني مجلة ناشيونال جيوغرافيك إرسال صورة لي بمناسبة عيد الأم، فاضطررت حينها للوقوف أمام الكاميرا ولم أحس بنفسي أبدًا داخل منطقة راحتي خلال هذه التجربة. تعلمت أيضًا أنني جيدة أكثر في رواية وتوثيق القصص البصرية مقارنة بالتصوير الفني، وهذا جانب عليّ العمل على تطويره مستقبلًا.  

خلال فترة الحجر الصحي، كان عليّ الخروج من المنزل والذهاب مباشرة إلى المناطق المتضررة أكثر من الفيروس للبحث عن قصص لروايتها. أردت القيام بشيء مفيد على طريقتي وفي مجال اشتغالي.

لقد بدأت بطرح العديد من الأسئلة على نفسي، وأدركت أن هناك أشياء أخرى مهمة في الحياة تستدعي اهتمامي، مثل عائلتي وابنتي وأصدقائي. أدركت أيضًا أنني بدأت أبتعد عن الأشياء التي كبرت معها وربطتني بها علاقة مميزة كالمطالعة. في السنة الماضية قرأت أربعة كتب وفي الثلاثة أشهر الماضية قرأت أربعة.   

هل تمكنت من توثيق مظاهر تعامل المملكة العربية السعودية مع فيروس كورونا؟ هل تستطيعين إخبارنا المزيد بهذا الخصوص؟  

تسنيم السلطان: لقد ذهبت في مهمة لثلاثة أيام فقط لتوثيق التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لفيروس كورونا على الناس. لم ألتزم بقصة معينة كما أفعل عادة، بل كنت ألتقط صورًا مختلفة من هنا وهناك. لم يُشبع الأمر عاطفتي ولم أكن راضية ١٠٠٪ على العمل، لكن أحيانًا نرى أنفسنا مجبورين على مجاراة الظروف.

مرة أخرى، أردت استغلال هذه الفترة من أجل الراحة والتفكير خصوصًا أنه لم تتسنى لي فرص كثيرة للخروج والعمل.      

من تصوير تسنيم السلطان لجائحة كورونا في السعودية.

لقد ولدت بالولايات المتحدة الأمريكية لأبوين سعوديين. كيف يؤثر هذا المزيج الثقافي على أعمالك؟

تسنيم السلطان: نادرًا ما أقول أنني أمريكية. دائمًا أقدم نفسي على أنني عربية من المملكة العربية السعودية. حاليًا، أرى أن مسألة الهوية سائرة في التغيير نحو الأفضل. توجد باستمرار صور نمطية وأفكار معينة مرتبطة بالعرب، وقد عانيت أنا أيضًا من هذه الوصمة التي رافقتني في طفولتي. عندما بدأت بالنضج مع التقدم في العمر، أصبحت متصالحة أكثر مع جذوري وهويتي. هذه القضية لا تتعلق بالجنسية والأمور القانونية، بل بالكيفية التي ترى بها نفسك، لهذا فأنا جد فخورة بكل العرب الذي يعملون جاهدين على تغيير هذه الأفكار، ومن الجميل رؤية أن الغرب بدأ يرى الدول العربية دون ربطها بصور نمطية معينة.

بدل تفكيري في هويتي العربية وقلقي بشأنها، أصبحت أفتخر بها وأقدمها للعالم من خلال أعمالي التي تصور النساء السعوديات والنساء من باقي الدول العربية.

كيف تساعد مساهماتك لبعض من أكبر المنابر الإعلامية العالمية من قبيل The New York Times و National Geographic على تصحيح الصور النمطية التي يتبناها الغرب عن العالم العربي؟

تسنيم السلطان: أرى أن المصور الذي يلتقط صورًا لبلده الأم تكون أعماله ذات منظور أكثر قربًا للواقع الحقيقي. إذا ذهبتُ مثلًا إلى مصر وقمت بالتقاط صورة لشيء قد يبدو لي غريبًا تمامًا وجديدًا عليّ، فإن هذه الصورة ستكون ناقصة لأنني لن أفهم القصة  الكاملة وراء هذا الشيء، لكنها ستمثل نظرتي وكيفية رؤيتي لما يقع.

بخصوص هذه المنابر العالمية، عادة ما يلجؤون إلى مصوريهم المعتادين الذين يثقون بهم ويرسلونهم إلى دول غير بلدانهم لتغطية موضوع ما من منظورهم، وهذا بالنسبة لي إشكال في حد ذاته. لقد بدأوا مؤخرًا يشتغلون مع مصورين محليين، لكن النسبة تبقى ضئيلة لأن اختيار المصورين يتم بالاعتماد على الأرقام. سأحب فكرة الذهاب إلى الهند أو الولايات المتحدة الأمريكية أو المملكة المتحدة مثلًا وتصوير الحياة هناك من منظور امرأة عربية ومسلمة. حتى نصل إلى هناك، علينا الاستمرار في التركيز على قصصنا المحلية.

أنا جدًا ممتنة لهذه المنابر التي فتحت لي منصاتها لمشاركة صوري وقصص بلدي مع العالم. الآن الجميع يعلم أننا لا نتنقل على ظهور الجمال، وأننا لسنا بهمجيين، وأننا لا ندفن بناتنا تحت سن الخامسة. إذا تمكنت فقط من تغيير نظرة ٢٠٪ من الأشخاص الذين يشاهدون صوري فهذا بالنسبة لي إنجاز في حد ذاته.

في نظرك، ما هي القضية الاجتماعية الملِحّة التي يواجهها الشباب العربي اليوم وكيف يستطيع المصور المساهمة في تغييرها؟  

تسنيم السلطان: أعتقد أن ما يحدث الآن في الولايات المتحدة الأمريكية ضد الأقليات قد ألقى بظلاله على دول العالم أجمع. نفس هذه الأقليات، الدينية أو العرقية، بدأت تحارب وتتصدى لأشكال التمييز التي تتعرض لها. عمومًا وضعية هذا الجيل، بالرغم من أنها ليست مثالية، إلا أنها أفضل من الأجيال التي سبقته..ووسائل التواصل الاجتماعي الحالية تجعل من السهل نشر القصص والصور والتعبير عن الأفكار بكل حرية.   

من تصوير تسنيم السلطان لسياقة المرأة في السعودية.

كيف يساهم المصورون في الحوار الثقافي في بلدهم؟  

تسنيم السلطان: الأمر يختلف من مصور إلى آخر، ومن تخصص إلى آخر. أنا مثلًا أعتمد بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي وأراها منصات جيدة للوصول إلى غير السعوديين وإيصال القصص لهم. للأسف لا يوجد تجمع خاص بالمصورين القصصيين في المنطقة، لكنني أحاول البقاء على اتصال مع بعض المصورين الأصدقاء وتبادل التجارب والنصائح والخبرات معهم.

“أرى أن المصور الذي يلتقط صورًا لبلده الأم تكون أعماله ذات منظور أكثر قربًا للواقع الحقيقي”

– تسنيم السلطان

حدثينا عن مشروع أو إنجاز لك تعتبرينه الأكثر تأثيرًا وإلهامًا؟

تسنيم السلطان: الحدث الذي أتذكره الآن هو سياقة المرأة للسيارة في السعودية. لقد كان حدثًا تاريخيًا وكنت سعيدة بتخليده. ربما كانت الصور عادية، لكن الأجواء والطاقة خلفها هي ما جعلتها مميزة. هذا أمر لن أتمكن من نسيانه.

نلاحظ أنك تميلين أكثر لالتقاط صور حفلات الزفاف من خلال مشاريعك “Saudi Tales of Love” و”And Then There Were Women”. ما هي مكانة الحب في حياتك؟

تسنيم السلطان: أنا جدًا منفتحة لفكرة الحب. أجد أن الحب هو أجمل شيء في الحياة. حاليًا أنا في علاقة جدًا سعيدة [مع نفسي] أتعلم من خلالها كيف أحب نفسي. أعتقد أن النجاح في المنطقة العربية بالنسبة للمرأة دائمًا مرتبط بالحب والزواج والدخول في علاقة، وكأن الأمر يمثل نصف هدف الحياة، والنصف الثاني هو الإنجاب.

أعلم أن حقيقة أنني مطلقة ستضع على جبيني وصمة دائمة. أذكر أنني في يوم من الأيام كنت بصحبة صديقة لي وكنت أنا من يقود السيارة، واتصلت بها جدتها لتطمئن عليها وتتأكد من هوية من يرافقها. بمجرد أن أخبرتها أنني مطلقة، امتعضت الجدة ولم تحبذ الفكرة.

أنا لست ضد فكرة الزواج، فأنا أحب الحب، لكنني ضد فكرة الدخول في علاقة غير صحية. أفضل أن أبقى لوحدي وأتعلم أشياء جديدة عن نفسي. لا يجب على النساء الإسراع عند اتخاذ قرار الزواج فقط للتخلص من ضغط العائلة. 

من سلسلة “Saudi Tales of Love” لتسنيم السلطان.

هل لديك أي مشاريع مستقبلية تنوين العمل عليها بعد زوال هذه الأزمة الصحية؟

تسنيم السلطان: لا زلت أشتغل على مشروع “And Then There Were Women“، فأنا أريد إضافة صور وقصص نساء من مختلف الطبقات الاجتماعية والجماعات والأطياف. أجد أنه من غير العادل التركيز فقط على نساء المدينة المتميزات والمستقلات. أريد تسليط الضوء على المنقبة والمحجبة وغير المحجبة والشابات والجدات والأمهات.. وتجميع كل هذه القصص بأكملها لأتمكن من القول أخيرًا ”انتهيت من تمثيل المرأة السعودية“.

هناك مشروع آخر قيد التنفيذ. نعي جميعًا تصدر السعودية للائحة المستخدمين العرب الأكثر استعمالًا لوسائل التواصل الاجتماعي، والسبب راجع إلى محدودية وسائل الترفيه في البلد. لذلك بدأت منذ ثلاث سنوات في توثيق قصص بعض الشباب مع هذا العالم، بين من نجح وأصبح من مشاهيره وبين من عانى من تبعاته. باعتباري شخصًا غير مُلِم بالفضاء الرقمي كثيرًا، فأنا أجد جميع هذه القصص مميزة وجذابة. 


عفاف بوعكادة، كاتبة مغربية تهتم بالمجالات الثقافية والفنية والنهوض بقضايا المرأة. لها مقالات متفرقة في مجموعة من المنصات الرقمية العربية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.