ناس عدد الفن العربي

إعادة اكتشاف منحة حلمي: رائدة الطباعة الفنية في مصر

الصحفي كريم زيدان يحافظ على إرث جدته من أجل إلهام الجيل القادم من الفنانات العربيات

.To read in English, click here

بقلم لارا برنت

الفنانة المصرية منحة حلمي. الصورة: كريم زيدان.

في نهاية شهر يناير الماضي، وقف كريم زيدان أمام لوحة زيتية هندسية زرقاء اللون بريشة جدته الفنانة المصرية منحة حلمي في صالة غراي آرت غاليري Grey Art Gallery بنيويورك؛ فقد كان الصحفي الكندي المصري موجودًا بالدولة لحضور حفل افتتاح معرض بعنوان “تبلور الفن التجريدي في العالم العربي بين خمسينيات وثمانينيات القرن العشرين” Taking Shape: Abstraction from the Arab World 1950s–1980s، الذي يضم قرابة ٩٠ عملاً فنيًا مرسومًا ضمن مجموعة مؤسسة بارجيل للفنون بالشارقة.

ومن حوله، التقى عشاق الفن لمناقشة تفسيراتهم الخاصة للعمل الفني بعنوان “استكشاف الفضاء والكون” Space Exploration/Universe المرسوم عام 1973. يقول كريم: “سمعت شخصًا يقول إنَّه يعبّر عن مرور التيارات الكهربائية في لوحة دائرة كهربائية، وقال آخرون إنَّه يعبّر عن السماء ليلاً، في حين قال آخرون إنَّه يعبّر عن الكواكب أو الكون بأسره. كانت هناك وجهات نظر غير عادية !”.

حتى مع الشهرة التي تمتعت بها منحة في مصر كفنانة طباعة فنية، كانت هذه المرة الأولى التي يُعرض فيها أحد أعمالها دوليًا منذ أكثر من ٣٠ عامًا؛ إذ إنَّ الشيخ سلطان سعود القاسمي – مؤسس مؤسسة بارجيل للفنون – كان قد اقتنى هذه اللوحة في عام ٢٠١٩ خصيصًا لعرضها في المعرض. يقول كريم: “كان لسلطان القاسمي فضلاً هائلاً في المساعدة على إحياء اسم جدتي”.

لقد كان كريم لا يزال بعمر ١٢ عامًا حين توفت جدته عام ٢٠٠٤، وكان يقيم في البحرين آنذاك. يحكي كريم قائلاً: “كنَّا نقضي فصل الصيف في مصر، لذا فإنَّ لدي الكثير والكثير من الذكريات الحميمة لها، لكنَّها ذكريات لها بصفتها جدتي، وليس باعتبارها الفنانة. صحيح أنَّ أعمالها الفنية كانت معلّقة في كل مكان بالمنزل، إلا أنَّني لم أستوعب منحة حلمي بصفتها تلك الفنانة الرائدة حتى سنوات قليلة مضت”.

وُلدت منحة عام ١٩٢٥، وكانت الابنة الوسطى لعائلة مكونة من سبع بنات وولدين تنتمي للطبقة المتوسطة . شجعها والدها لكي تكمل تعليمها قبل أن تتزوج، فتخرجت من المعهد العالي للدراسات التربوية للفنون بالقاهرة عام ١٩٤٩، ونالت منحة دراسية من الحكومة لارتياد كلية سلايد للفنون الجميلة بلندن عام ١٩٥٣، فأصبحت بذلك أول امرأة مصرية تدرس في تلك الكلية المرموقة.

صور متفرقة لمنحة حلمي في لندن ١٩٧٣-١٩٧٩. الصور: كريم زيدان.

درست منحة الرسم والتصوير الزيتي، قبل أن تتخصص في حفر الكليشيهات (التنميش)، وهي طريقة للطباعة باستخدام لوح معدني نُقش عليه التصميم المراد باستخدام الحمض. جربت منحة النقش على النحاس والزنك والخشب لإنتاج مطبوعات باللونين الأسود والأبيض؛ وحازت بعد ذلك على جائزة سلايد للتنميش في عام ١٩٥٥.

وبعد تخرجهامن كلية سلايد، عادت للموطن لتجد نفسها في دولة مختلفة تمامًا. فبعد الانقلاب العسكري الذي تزعمه جمال عبد الناصر عام ١٩٥٢ وأطاح بالملكية المصرية، اكتسبت النساء حق التصويت لأول مرة في مارس عام ١٩٥٦. وفي وقت لاحق من العام ذاته، خرج الرئيس جمال عبد الناصر منتصرًا من أزمة السويس، بعد أن نجح في صد القوى الاستعمارية القديمة لبريطانيا وفرنسا (المدعومتين من إسرائيل)، ومعلنًا حقبة جديدة من الإصلاح الاشتراكي ومشاريع التحديث الكبرى، مثل السد العالي في أسوان.

أعمال متفرقة لمنحة حلمي. انقروا على كل صورة لرؤيتها بحجم أكبر وقراءة عنواينها. الصور: كريم زيدان.

على مدار العقد التالي، أنتجت منحة كليشيهات باللونين الأبيض والأسود مستوحاة من التغييرات المجتمعية في مصر، مما أكسبها صيتًا باعتبارها رائدة الطباعة الفنية المصرية. فيقول كريم شارحًا: “لقد وثّقت أول انتخابات برلمانية من منظور النساء، وكذلك بناء السد العالي من منظور العمَّال”.

كذلك، كان حي ماسبيرو التاريخي بالقاهرة مصدرًا خصبًا للإلهام لها. يقول كريم مفسّرًا: “من نواح كثيرة، يجب أن تُعرض تلك القطع في المتاحف وتوثّق وتُدرّس. لقد تجاوزنا فكرة الفن البصري من أجل الفن البصري، وصارت تلك اللوحات الآن توثّق التاريخ المصري؛ وهذا مهم جدًا في رأيي”.

لكن بعد أن شاركت منحة في معارض وبيناليات في جميع أنحاء العالم، وحازت على عدة جوائز، غيرت أسلوبها جذريًا للأسلوب الهندسي التجريدي في نهاية الستينيات من القرن العشرين. استلهمت منحة أفكارها من افتنانها بالكون واستكشاف الفضاء والتكنولوجيا، وابتدعت أعمالاً لا تبدو بعيدة كل البُعد عن رسوم أغلفة ألبومات فرقة بينك فلويد Pink Floyd ، على حد قول كريم، الذي يضيف مازحًا: “كأنك تعاطيت بعض المخدرات، فصرت ترى العالم بطريقة مختلفة تمامًا”.

“السوق” لمنحة حلمي (١٩٥٧). الصورة: كريم زيدان.

بينما كان كريم يُجري بحثًا لكتابه الذي سيصدر قريبًا عن جدته، تحدّث إلى الفنان المصري والناقد والباحث البارز د. مصطفى الرزاز، الذي أشاد بدقة التفاصيل المذهلة لكليشيهات منحة الأولى وبالألوان التي أنجزت بها أعمالها التجريدية. يحكي كريم قائلاً: “قال لي: “ليست لديك أدنى فكرة عن مدى تعقيد أعمال جدتك! قلة قليلة حاولوا فعل ما فعلته في مصر منذ ذلك الحين”.

عادت منحة إلى لندن عام ١٩٧٣ برفقة زوجها الملحق الطبي للسفارة المصرية هناك، عبد الغفار خلف، وابنتيهما نهال وسارة (والدة كريم). وبعد أن نظّمت معرضًا فرديًا ضم أعمالها التجريدية ولاقى استحسانًا كبيرًا في عام ١٩٧٨، عادت إلى القاهرة.

إلى جانب منصبها كمحاضرة في معهد الفنون الجميلة بالقاهرة وأستاذة الفنون الجميلة بجامعة حلوان بالقاهرة، حازت منحة على منصب أستاذة فخرية لحفر الكليشيهات بأكاديمية فن الرسم في فلورنسا Accademia delle Arti del Disegno، وعضوة مجلس فنانيّ الطباعة بالمملكة المتحدة Print Maker Council. وتقاعدت عن الطباعة الفنية في الثمانينيات من القرن العشرين بسبب إصابتها بحالة مرضية في الرئة من جراء استنشاقها للمواد الكيميائية المُستخدمة في عملية الطباعة، لكنَّها استمرت بالعمل في التدريس بجامعة حلوان حتى وافتها المنية عن عمر يناهز ٧٨ عامًا.

“الحديقة” لمنحة حلمي (١٩٥٩). الصورة: كريم زيدان.

يقول كريم معلًقًا: “لقد كانت مسيرتها المهنية استثنائية حقًا، ولم تنل التقدير الذي تستحقه قط؛ وهذا يشي بالكثير عن النظام الذكوري في مصر، وكيف ننظر لأهمية فن المرأة في مقابل فن الرجل، والتحيز بين الجنسين في عالم الفن بوجه عام، الذي يظهر جليًا حتى يومنا هذا”.

لا تزال موضوعات أعمال منحة مناسبةً بشدة ليومنا هذا، لذا فإنَّ كريم ملتزم بالمحافظة على إرثها: فقد دوّن الصحفي البالغ من العمر ٢٨ عامًا المقالات الصحفية والبحثية عنها، وأنشأ صفحة تضم سيرتها الذاتية على موقع ويكيبيديا Wikipedia، بالإضافة إلى حساب على موقع إنستغرام Instagram وآخر على موقع فيسبوك Facebook، ويعتزم تنظيم المعارض وتقديم المنح الدراسية للفنانين المصريين.

ويختتم كريم حديثه قائلاً: “إنَّ جدتي محظوظة، بمعني أنَّني موجود هنا لأتولى أمر ترِكتها، لكن هناك العديد والعديد من النساء المذهلات الرائدات في مجالهن في مصر اللاتي لن يتم توثيقهن”. ومع أنَّ بعض أعمالها بيعت بالمزاد العلني في الماضي، فإنَّ كريم عاقد العزم على أن يرى لوحات جدته وكليشيهاتها تؤول للمؤسسات الثقافية، بدلاً من جامعي التحف الفنية من الأفراد؛ إذ يضيف قائلاً: “هذه هي الطريقة الوحيدة التي ستعيد تلك الأعمال للحياة”.


لارا برنت صحفية بريطانية-استرالية. سبق أن كتبت لصحيفة The Telegraph، موقع The Lonely Planet، و The Traveller.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

هذه المقابلة ترجمت من الانجليزية.