ثقافة وفن

ماذا يعني أن تتوقف عن تناول السكر في مجتمع عربي؟

في البداية، لم تأخذ عائلتي قراري بمحمل الجد
لقد بدأ الأمر كتحدٍ بيني وبين نفسي، ليتطور مع الوقت إلى عادة جديدة غيرت حياتي تمامًا. الصورة: Shutterstock.

بقلم عفاف بوعكادة

بدأت علاقتي بالسكر تتغير منذ عام من الآن تقريبًا، وبالضبط في صيف ٢٠١٩. كنت قد قرأت مقالًا لأحد الأصدقاء المدونين يحكي فيه تجربته حول التوقف عن تناول السكر المضاف لمدة شهرين. تطرق لجميع الجوانب التي تمس من قريب أو من بعيد حذف السكر تمامًا من النظام الغذائي. وقد جذبت انتباهي ملاحظة صغيرة قام بها في آخر المقال مفادها أنه من الصعب التوقف عن استهلاك هذه المادة في منطقة لا يخلو أي بيت فيها من كيس سكر واحد على الأقل. جعلتني هذه الجملة أرفع تحديًا بيني وبين نفسي للتقليل من تناول هذه المادة البِلورية على الأقل لمدة شهر واحد. الفكرة كانت التقليل فقط وليس التوقف نهائيًا.

الأمر الثاني الذي قوّى عزيمتي وشجعني للمضي قدمًا في غمار هذه التجربة هو أن عائلة أمي تعاني من مرض السكري الوراثي، فالعديد من أفرادها وافتهم المنية بعد إصابتهم بالمرض. هذا الأمر يجعل أمي حذرة بهذا الخصوص، فتراها تقوم بتحاليل الدم بشكل دوري وتدفعنا نحن كذلك أنا وإخوتي لمراقبة نسبة السكر في دمنا. هكذا وجدتها فرصة ملائمة لتخفيض احتمالية إصابتي بالسكري.

بحسب منظمة الصحة العالمية، يبلغ متوسط استهلاك السكر في الشرق الأوسط ٨٥ غرامًا يوميًا، في حين أن الكمية الموصى بها هي ٥٠ غرامًا في اليوم. هذه حقيقة نلمسها في حياتنا العادية واستهلاكنا اليومي للطعام. كل ما نتناوله يحتوي على السكر تقريبًا، حتى إن لم يكن في شكله الذي نعرفه، فهو مضاف بطريقة أخرى لا تظهر إلّا عند قراءة لائحة المكونات.

العالم بأسره يعاني من مشكلة الاستهلاك المفرط للسكر، وليس منطقتنا العربية فحسب، فالولايات المتحدة الأمريكية تتصدر الترتيب العالمي لأكثر الدول استهلاكًا لهذه المادة، تليها ألمانيا وهولندا بحسب آخر الاحصاءات. في الوطن العربي، فنحن كثيرًا نستخدم السكر في هيئته المعروفة عبر إضافته إلى القهوة والشاي وأطباق التحلية والحلويات التقليدية، وأي شيء يُؤكل من أجل الحصول على مذاق أفضل.

هنا تكمن صعوبة الاستغناء عن إضافة السكر في مطابخ تقدس هذا الأخير ولا تخلو أرفُفُها منه. في بداية تجربتي، ولأنها صادفت شهر رمضان الأبرك، كان من الصعب جدًا عليّ التحكم في الكميات التي أتناولها. كل شيء على طاولة الإفطار كان يحتوي على السكر، من المعسلات إلى الحلويات مرورًا بالعصائر والصلصات. ربما اختياري لهذه الفترة بالتحديد لم تكن خطوة مدروسة بإتقان آنذاك، لكن صعوبة التحدي هي ما جعلتني أقاوم وأستمر.  

أول خطوة اتخذتها هي التوقف عن إضافة السكر إلى أكواب الشاي والقهوة. لا أُنكِر أن المذاق كان عسير الاستساغة ويمر عبر حلقي بصعوبة بالغة. فأصبحت أرافق كأس مشروبي الساخن ببعض التمرات لإضفاء حلاوة طبيعية على ما أشربه. وهكذا منذ الأسبوع الأول قمت بالتخلص من كيس السكر الأبيض الذي كان قابعًا على أحد الرفوف ينتظر الفرصة الملائمة لإغوائي بتناوله. ما سهل علي الأمر قليلًا هو السكن لوحدي بعيدًا عن العائلة، لذلك كنت أستطيع اختيار أكلي بكل حرية. العقبة الوحيدة التي تصدت لي أكثر من مرة وجعلت مقاومتي تخف في بعض الأحيان هي اشتهاء السكر.

في الأسبوع الثاني تخلصت من علب المعسلات التقليدية المحضرة منزليًا التي أرسلتها لي أمي لتناولها خلال شهر رمضان. وزعت كل شيء على بعض الأصدقاء والجيران. في هذه المرحلة بدأت أحس براحة أكثر لأن كل ما يمكنه إسقاط جدران دفاعي الحازم أصبح خارج مرأى عيني. كانت خطتي هي الابتعاد شيئًا فشيئًا عن السكر الظاهر وتخصيص الأسبوع الأخير للسكر الخفي الذي لا ننتبه له عادة في أطعمتنا.

بالنسبة للأعراض الجانبية التي لاحظتها كان الإعياء، خصوصًا أنني أمارس الرياضة بشكل منتظم. لذلك بعد كل تمرين كنت أحس بدوخة خفيفة وفي بعض الأحيان عدم القدرة على الحركة. لذلك كنت أعتمد على شرب العصائر الطبيعية مع إضافة التمر أو العسل من أجل التحلية واسترجاع الطاقة. وبدل الكربوهيدرات أصبحت أعتمد في نظامي الغذائي على الألياف والبروتينات لسد خصاص جسمي للطاقة.

بعد تعود جسمي على نقص السكر وتأقلمه مع النظام الجديد، بدأت بإضافة منتجات أخرى للقائمة المحظورة. توقفت عن شراء واستهلاك العصائر الجاهزة، والصلصات الكاتشب مثلًا، والزبادي المُنكه، وحبوب الفطور، والحليب العادي، والشوكولاته، والعلكة..والقائمة طويلة.  لكن لا تجزعوا، الأمر ليس بالصعوبة التي يبدو عليها. كل ما عليكم هو البحث عن بدائل صحية وبدون سكر لهذه المنتجات. فمثلًا الاعتماد على الشوفان، وشرائح التوست الكامل، وحليب الصويا أو اللوز غير المحلى، والزبادي الطبيعي بدون سكر، والشوكولاته الداكنة ٨٥٪، إلخ. 

خلال المرحلة الأخيرة من التحدي، تغيرت مجموعة من العادات في نظامي الغذائي وحياتي اليومية. أصبحت أنتبه بشكل جدي لملصقات المواد الغذائية قبل وضع أي منتج في سلة السوبر ماركت. صراحة، أصبح يأخذ مني التبضع وقتًا أطول، لكن عند الرجوع إلى البيت أكون مقتنعة تمامًا بمشترياتي. 

هذه النقطة تدفعني إلى الحديث عن أثمنة هذه المنتجات في البلدان العربية. أعلم أن السكر المكرر المضاف إلى الأطعمة المصنعة من أجل النكهة يجعل من الثمن منخفضًا نسبيًا وفي متناول معظم الشرائح الاجتماعية. لكن بالاتجاه نحو المنتجات التي لا تحتوي على سكر مضاف في مكوناتها، فإن الثمن قد يقفز إلى ١٠ أضعاف في بعض الأحيان. عندما قمت بالسؤال والبحث حول هذا الأمر، علمت أن معظم هذه المنتوجات ”الصحية“ مستوردة ولا يتم إنتاجها محليًا، كما أن نسبة شرائها من طرف المستهلك تبقى ضئيلة إلى منعدمة، لذلك تكون أثمنتها مرتفعة مقارنة بتلك العادية التي يكثر عليها الطلب. 

مع توقفي عن تناول الطعام خارج البيت، بسبب تخوفي من المكونات التي يمكن استعمالها، أصبحت أطهو طعامي في البيت. كان هذا في حد ذاته تحديًا جديدًا لأنني غير متعودة على الطبخ. اضطررت إلى الاعتماد على نفسي في هذا الجانب وتعلم مهارات الطبخ بالاستعانة بالفيديوهات على الإنترنت. على الأقل كنت على دراية بما يحتويه طعامي من مكونات غذائية. حتى أنه مع الوقت أصبحت أستمتع أكثر بهذا النشاط وأترقب الرجوع إلى البيت لدخول المطبخ وإفراغ شحنات اليوم السلبية.

كل هذه التغيرات الجديدة رفعت من سقف التحدي وجعلت معركتي ضد السكر أكثر ضراوة. كانت مستويات طاقتي عندما أرجع في المساء إلى المنزل بعد دوام العمل تصل إلى ما تحت الصفر، وازدادت حدة الصداع وفقدان التركيز والدوار. حتى أنني في أحيان كثيرة كانت تنتابني نوبات أشتهي فيها السكر بشدة، لكنني قاومت كل هذا وكنت على يقين بأن هذا الصراع النفسي سينتهي بفوزي بهذا التحدي. وهذا ما كان، فبعد انقضاء الشهر قمت بعمل مقارنة بين اليوم الأول والأخير والفروق كانت شاسعة سواء نفسيًا أم جسديًا.

أول شيء انتبهت له هو فقداني لثلاثة كيلوغرامات من وزني في شهر واحد، بل وحتى الدهون حول خصري قَلت بشكل ملحوظ. ثم أن حلمات التذوق لدي أصبحت أكثر حساسية للأطعمة بعد أن كان السكر يمنعها من الوصول إلى المذاقات الأصلية. لقد أصبحت أستمتع بتناول خضار وفواكه كنت سابقًا أشمئز منها كالموز والبطيخ والبروكولي والسبانخ. 

لكن الشيء الذي فاجأني أكثر هو تعودي على هذا النظام. لقد أصبحت أكره السكر ولا أطيق الاقتراب منه أبدًا، وقررت الاستمرار على هذا الطريق خصوصًا وأن جسمي أصبح متعودًا على اختفاء السكر المضاف وقَلت أعراض الانسحاب إلى درجة الانعدام مع الوقت. 

أذكر أنني عندما كنت أذهب في زيارات خاطفة لزيارة أهلي، كانوا يتعجبون من قراري هذا ولم يأخذوه على محمل الجد لفترة طويلة. أبي كان دائمًا يخبرني أنني لازلت صغيرة في السن وأن الوقت مازال مبكرًا للتفكير في هذه المواضيع. أمي كانت تمطرني بمأكولات غنية بالسكر وترغمني على تناولها وكأنني لم أشرح لها أنني لم أعد أتناول السكر. كان عليّ أن أعيد هذه الجملة على مسامعهم مرارًا حتى يتقبلوا نظامي الجديد. لكن مع المدة، عندما لمسوا إصراري وعزيمتي العالية تفهموا الأمر، حتى أن أمي أصبحت تطهو لي وصفات خاصة دون إضافة سكر، واستعمال كمية قليلة من العسل بدله. 

لقد بدأ الأمر كتحدٍ بيني وبين نفسي، ليتطور مع الوقت إلى عادة جديدة غيرت حياتي تمامًا. لن أنكر أنه في بعض الأحيان تنتابني نوبات أشتهي فيها مأكولات معينة تحتوي على السكر، وفي هذه الحالات أستمع إلى جسمي وأتناول كمية معقولة لسد هذا الاحتياج. فلا بأس من مكافأة صغيرة بين فترة وأخرى شريطة عدم الانسياق وراء هذه الشهوات بشكل مكثف. بالنسبة لي، الشيء الوحيد الذي لا أستطيع التنازل عنه مهما حدث هو الكنافه، حبي الأبدي.  

تنبيه: لا يمثل هذا المقال سوى رأي الكاتبة (الغير طبي) وتجربتها الشخصية، ولا يمثل نصيحة طبية. قبل اتباع أي حمية غذائية، يجب دائمًا استشارة طبيبك/طبيبتك. 


عفاف بوعكادة، كاتبة مغربية تهتم بالمجالات الثقافية والفنية والنهوض بقضايا المرأة. لها مقالات متفرقة في مجموعة من المنصات الرقمية العربية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.