آراء

محجبات يروين قصص تعرضهن للعنصرية في الوطن العربي

”لقد أحسست بالإهانة. لو تعرضت لهذا الموقف في بلد أجنبي لما أعرت الأمر اهتمامًا“

بقلم عفاف بوعكادة

منذ متى كان التوجه الديني أو الهندام معيارً لإتقان الشخص لمهارة ما دون الأخرى؟الصورة: Shutterstock.

”عندما حصلت على شهادتي من المدرسة العليا للصحافة والتواصل التابعة لإحدى المجموعات الإعلامية المشهورة في بلدي، كنت أتوفر أكثر من أقراني على أحقية الاشتغال في منبر إعلامي مرموق تحتضنه نفس المؤسسة بحكم أن لدي تجربة سابقة في الحقل الاقتصادي. عندما فاتحت مديرة المدرسة بالموضوع لتتوسط لي لدى رئيسة التحرير، أخبرتها هذه الأخيرة بالحرف ”لن أستطيع توظيف فتاة محجبة لأنني لا أريدها أن تمرر صورة معينة عن هذا المنبر الإعلامي.“ بعد فترة اكتشفت أن المجموعة الإعلامية بأكملها لا توظف المحجبات بتاتًا.“

جعلتني قصة صديقتي أميمة (٢٥ عامًا ) أرجع بذاكرتي إلى الوراء، أيام المدرسة الثانوية وبالضبط في حصة الفلسفة عندما لم أسمع جملة كان قد قالها الأستاذ. سألته حتى يعيدها فقال لي ”أخرجي أذنيك إذا أردت سماعها مرة ثانية.“ ثم استدار وأكمل شرحه وكأن شيئًا لم يحدث. ظننت في بادئ الأمر أنه انتبه لي وأنا أتحدث مع زميلتي أو رأى مني سلوكًا استفزه، لكن طالبات باقي الفصول المحجبات أخبرنني أنه يردد على مسامعهن نفس الجملة، بل حتى في بعض الأحيان يتجاهلهن إذا رفعن أيديهن من أجل مداخلة ما.

”لقد أحسست بالإهانة. لو تعرضت لهذا الموقف في بلد أجنبي لما أعرت الأمر اهتمامًا، لكن فكرة تقييد حريتي الشخصية بهذا الشكل في بلدي هو ما أثار انزعاجي وجعلني أتساءل إن كنت دخيلة على دولة ازددت وترعرعت بها.“

صراحة لم أفكر كثيرًا بهذا الأمر آنذاك، باستثناء بعض الإحراج الذي اعتلاني تلك اللحظة أمام زملائي في الفصل، لكن بعد ذلك تجاوزت هذه الحادثة. أمّا الآن وبالرجوع إلى هذه الذكرى، فهمت أن ما حدث كان أكبر من أن يستوعبه عقلي غير الناضج ذلك الوقت. فكيف لأستاذ من المفروض أن يقدم مثالًا لباقي الطلاب أن يقوم بتعليق عنصري إلى هذه الدرجة ضد فتاة صغيرة  كانت لا تزال فكرة الحجاب متزعزعة في عقلها. حتى لو أن هذه العبارة لم تؤثر فيّ بشكل كبير ذاك اليوم، إلّا أنها بقيت محفورة في وجداني طوال هذه السنين، وكأن عقلي أبى أن ينفضها عنه ويجعلها دليلًا على قوة إرادتي  مهما واجهت من تحديات.

بعيدًا عن الأساتذة، الطلاب أيضًا في المدارس المتوسطة والتأهيلية يلجؤون إلى التنمر ضد كل من يختلف عنهم سواء في طريقة الكلام أو اللباس أو شكل الجسم. وهذا ما عانت منه فاطمة (٢٢ عامًا) من دولة عربية أخرى، حيث أخبرتني: ”من الأشياء التي أتذكرها عن الحجاب هو أنني بلغت في سن مبكرة، ٩ سنوات. زميلاتي لم يكنّ يرتدين الحجاب، لكنني قررت وبإرادتي التامة ارتداءه آنذاك. عندما أحسسن أن مظهري تغير أصبحن ينعتنني ب”العجوز“ ويبتعدن عنّي. للأسف أثر كلامهن بشكل كبير في نفسيتي خلال تلك الفترة، وكنت أحس بالانعزال والوحدة. حتى أنني فكرت أكثر من مرة بالعدول عن قراري فقط كي يتقبلنني من جديد بينهن.“

هذا النبذ والإقصاء الذي أحست به فاطمة وجعلها تفكر جديًا في قلع حجابها فقط كي تبقى ضمن نفس الدائرة مع زميلاتها، يُفسر بسيكولوجيا الجماعة. فمع تقدم الشخص في العمر، تبدأ حاجته في توسيع دائرة معارفه والانفتاح على جماعات جديدة غير العائلة بالنمو. هذه حاجة غريزية في الإنسان تدفعه إلى الانتماء لجماعات مختلفة من أجل تغطية احتياجاته النفسية والشعور بالأمان والطمأنينة. لكن عند مواجهة الرفض أو النبذ، فإن هذا الاستقرار يتزعزع داخل الفرد لينتج عنه ألم عاطفي قد يصل في درجة حدته إلى الألم الجسدي في بعض الحالات، حيث يبدأ الشخص بتقييم ذاته والبحث عن الخلل في نفسه ولومها.

”عندما أحسسن أن مظهري تغير أصبحن ينعتنني ب”العجوز“ ويبتعدن عنّي“

أما بخصوص الانتماء إلى دولة بكيانها ودستورها وقوانينها، فهذا شيء آخر. نستطيع تحمل، بل وأيضًا تقبل النبذ من طرف الجماعات الصغيرة التي تمثل الأصدقاء والزملاء والعائلة حتى، لكن عندما تكون الدولة نفسها وراء التمييز بين الأشخاص بالاعتماد على اختياراتهم الشخصية، هنا أرى أن الأمر يفوق كونه مجرد إقصاء عادي إلى انتهاك للحريات الشخصية للفرد. فمن غير العادل الحكم المسبق على فتاة محجبة وربطها بانتماء فكري أو إيديولوجي معين لا لشيء سوى لأنها قررت التحجب.

أميمة لم تستسغ قرار منعها من العمل كصحفية في منبر كانت تحلم بالانضمام إليه منذ بداية دراستها ورأت في الأمر إجحافًا بحقها. ”لقد أحسست بالإهانة. لو تعرضت لهذا الموقف في بلد أجنبي لما أعرت الأمر اهتمامًا، لكن فكرة تقييد حريتي الشخصية بهذا الشكل في بلدي هو ما أثار انزعاجي وجعلني أتساءل إن كنت دخيلة على دولة ازددت وترعرعت بها.“

من جهة أخرى، تحكي لي حليمة (٣٧ عامًا) من إحدى دول الخليج العربي: ”عندما كنت في المدرسة الثانوية، قررت الاشتراك في تظاهرة نظمتها مؤسستي بمناسبة اليوم العالمي للرياضة. كنت جدًا متحمسة للمشاركة في المسيرة وقضيت شهرين في التمرن مع الفريق الاستعراضي. لكن قبل يومين فقط من الاحتفال، فاجأني أحد أعضاء اللجنة المنظمة بأن عليّ خلع حجابي إذا أردت المشاركة والخروج في المسيرة. رغم محاولاتي العديدة في شرح أنه من غير الممكن بالنسبة لي القيام بهذه الخطوة، إلّا أن القرار جاء قطعيًا. لن أخفي عنك أنني أحسست بالإهانة أمام زملائي وتوقفت عن الذهاب إلى المدرسة لمدة يومين. لقد كانت أيامًا ثقيلة على نفسيتي.“

”كيف لاختياري التحجب وضعني في خانة الإنسانة غير المثقفة وغير المنفتحة عن العالم التي لا تسمع الموسيقى ولا تشاهد الأفلام ولا تمارس الرياضة؟“

حسناء (٣٠ عامًا) تعيش في إحدى بلدان شمال إفريقيا، لم تجعل تعليقات صديقاتها وانتقاداتهم تقف في وجهها أو تمنعها من عيش حياتها بالطريقة التي أرادتها هي. ”قبل ارتدائي للحجاب في المدرسة المتوسطة كنت تلك الفتاة ذات الشعبية الواسعة التي يتمنى الجميع صداقتها. كل شيء تغير بمجرد اتخاذي قرار التحجب. لم يعد أي أحد يحادثني أو يتعامل معي كما قبل، بل أصبحوا ينعتونني ب”المعقدة“. عندما كنت أحاول الدخول معهم في أحاديث حول أخبار الفنانين والمشاهير وآخر الأغاني، كانوا ينهونني عن ذلك بحجة أنني صرت أنتمي لمجموعة أخرى تختلف عنهم وعن اهتماماتهم، على الرغم من أنني بقيت نفس الشخص ولم أتغير، فقط طريقة لباسي هي التي تغيرت. بل حتى عندما انتقلت إلى الجامعة، كان الأساتذة يتعجبون من إتقاني للغتين الفرنسية والإنجليزية ويظنون أن حجابي لا يسمح لي بالتحدث سوى بالعربية.“

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو منذ متى كان التوجه الديني أو الهندام معيارً لإتقان الشخص لمهارة ما دون الأخرى؟ كيف لاختياري التحجب وضعني في خانة الإنسانة غير المثقفة وغير المنفتحة عن العالم التي لا تسمع الموسيقى ولا تشاهد الأفلام ولا تمارس الرياضة؟

أذكر موقفًا تعرضت له عندما كنت أعمل في إحدى الشركات الناشئة قبل ٣ أعوام من الآن. بقيت بمعية المدير وثلاثة زملاء آخرين نعمل متأخرين في الليل بعد الدوام نظرًا لحجم المهام ذلك اليوم. عند الانتهاء من اشغالنا اقترح المدير على الجميع الذهاب لتناول وجبة العشاء سوية باستثنائي أنا. لقد كنت هناك أمامهم. اتفقوا على المكان وجمعوا أغراضهم وغادروا وتركوني هناك وحدي أقلب الأفكار بداخلي عن السبب الذي جعلهم يتجاهلون وجودي إلى هذه الدرجة. لم أجرؤ يومًا على مواجهتهم والتعبير عمّا أحسست به ذلك اليوم من مشاعر متضاربة بين الانزواء في ركني وعدم الاختلاط بهم، وبين نسيان الحادث والمضي قدمًا في حياتي وكأن شيئًا لم يقع.

حاليًا وبعد الوصول إلى هذا العمر، فهمت أن مسألة الانتماء نحن من يخلقها. صداقاتي محدودة الآن ولا أقبل في محيطي القريب سوى بمن يحترمني ويقبل بي كما أنا بأفكاري وأفعالي وسلوكياتي دون أحكام مسبقة.


عفاف بوعكادة، كاتبة مغربية تهتم بالمجالات الثقافية والفنية والنهوض بقضايا المرأة. لها مقالات متفرقة في مجموعة من المنصات الرقمية العربية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.