كورونا آراء

ما هقيت إن الكمامات يفتنني!

قال الكاتب والشاعر الإنجليزي ويليام شيكسبير أن العين هي نافذة الروح.

بقلم عبدالعزيز عبدالله

“لم أدرك أن النظر هو بالفعل أقوى حواسنا، ويوفر لنا رؤية الأشياء على حقيقتها.”

ماهقيت إن البراقـع يفتننَّـي

لين شفت ظبى النَّفود مبرقعاتِ

الله أكبـر ياعيـونٍ ناظرنَّـي

فاتناتٍ ناعسـاتٍ ساحـراتِ

كتب هذه الكلمات الأمير السعودي خالد الفيصل آل سعود، وأصبحت إحدى أشهر أغاني المطرب السعودي محمد عبده. تعشق والدتي هذه الأغنية، وفي كل مرة كانت تذيعها عبر مسجل السيارة وأنا مراهق، كانت تخبرني كيف تزوجت صاحبتها من رجل وقع في غرامها حين كانت تعمل ممرضة في مستشفى بالرغم أنه لم يرى منها إلا عيناها حين كانت تعالجه وهي واضعة كمام الوجه.

كلمات الأمير خالد الفيصل لا تحاكي مشاعر غريبة، وهناك أشخاص كثر حول العالم يجزمون أنهم وقعوا في غرام أزواجهم فقط بالنظر إلى أعينهم، ويبدو أن العلم في صف هذا النوع من الحب. فقبل أكثر من عشرين عامًا نجح البروفيسور في علم النفس آرثر آرون في جعل شخصين يقعان في غرام بعضهما عبر تجربة في مختبره تطلبت منهم سؤال بعضهم مجموعة من الأسئلة الشخصية ثم التحديق في أعين بعض لمدة أربعة دقائق. يجزم البروفيسور أن هذه التجربة تنجح مع أي شخص. كان من المحال أن يتقبل عقلي هذه المعلومات، فبالنسبة لي، الحب يتطلّب الكثير وليس فقط التحديق في عيني شخص.

ولكن سخرية القدر شاءت أن أخضع لتجربة تحدت كل الأفكار التي كنت قد أقنعت نفسي بها، وأن يسخر القدر مني كما سخرت من كل قصة يحكي راويها أنه وقع في حب فتاة بالنظر إلى عينيها فقط. قبل ثلاثة أشهر، وحين كان الجو معتدلًا، ولم يكن قد فرض حظر التجول بعد، تربعت على كرسي الحديقة الخشبي متأملًا الإضافة الجديدة لحديقتنا. دخلت شابة من بوابة منزلنا الخارجية وهي تحمل في يدها كيسًا دفع بجسدها للميلان في ناحية اليمين. أسرعت نحوها لحمله والتخفيف عنها. لم أستطع رؤية وجهها فقد كانت ترتدي كمامًا ولم أعرف من هي حينها. حين اقتربت منها، أشارت لي بيدها المغلّفة بقفاز مطاطي ألا أقترب أكثر. “تباعد مترين لو سمحت!” قالت لي محذرة وعينيها متسمرة عليّ وأنا أتراجع بخطواتي للوراء. حين تأكدت من ابتعادي، توجهت إلى باب منزلنا الداخلي حيث استقبلتها أمي.

لم تكن أجمل عينين رأيتها ولم تشدني طول رموشها كما يكتب الكثير من الشعراء العرب، ولكن لمحت فيها شيئًا مني، شيئًا مشابهًا لي، وعرفت أخيرًا لماذا تغنّى الكثير من الشعراء بالعيون ونظراتها. أدركت أنه حينما تركز في عين شخص ولو للحظات، لن تتغير نظرتك له فقط، ولكن قد تتعرف على روحه بطريقة لا توفيها الأحاديث أو الدردشات، أو قد تشتت ملامحه ذهنك من ملاحظة القوة الكامنة في العيون.

 قبل أن ألتقي بتلك الفتاة، والتي اتضح لي فيما بعد أنها ابنة الجيران التي كانت حاملة بعض الحاجيات لأمي، والتي كنت ألمحها دائمًا ولكن لا أراها حقًا، لم أدرك أن النظر هو بالفعل أقوى حواسنا، ويوفر لنا رؤية الأشياء على حقيقتها.

لا أخفي عليكم أنه حينما بدأت الأزمة كنت أتساءل كيف سيقع الناس في غرام بعضهم حين لا يستطيعون رؤية الشخص الآخر، وكيف سيتغير مفهوم الحب حين لا نستطيع أن نعجب بشخص لا يمكننا رؤيته أو قراءة تعابير وجهه. صحيح أن أزمة كورونا أخفت ملامحنا عن بعض، ومنعتنا من مصافحة أحبابنا واحتضان أهلنا، ولكن الكمامات التي فرض علينا ارتداؤها كشفت لنا أرواح الناس وحقيقتها.

 قال الكاتب والشاعر الإنجليزي ويليام شيكسبير أن العين هي نافذة الروح، وحين حجبت أزمة كورونا وجوه الناس عن أعيننا، فإنها كشفت لنا أرواحها ووجهت أنظارنا إلى جوهرها.

ماذا حصل لي بعد تلك التجربة؟ أفكر في الموقف الذي دار بيني وبين بنت الجيران بين الحين والآخر. هل يعقل أن تكون الكمامة فتنتي؟


عبدالعزيز عبدالله كاتب من البحرين.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.