آراء

آسفة أمي لأنني خيبت آمالك بي

هل أنتِ مستعدة لتقبُّلي كما أنا؟

بقلم عفاف بوعكادة

لازلت لا أستوعب سبب حشر الناس لأنوفهم في حياة أشخاص آخرين والضغط عليهم للسير على نفس الدرب. الصورة: Shutterstock.

عزيزتي الغالية أمي، بُعيد أيام قليلة من الاحتفال بيوم الأم العالمي في فرنسا وبعض دول شمال أفريقيا، رأيتها فرصة ملائمة لأخبرك فيها عن أشياء لطالما خانني لساني للبوح بها. ولأن الكتابة كما تعلمين هي طريقتي الوحيدة في التعبير عمّا يخالج وجداني من مشاعر، اسمحي لي أن أخطّ لك هذه الكلمات، علّها تُقرِّبك أكثر من أفكاري ومعتقداتي.

أنا آسفة أمي لعدم اهتمامي بالزواج وتجاهلي التام للفكرة حاليًا. أعلم أن قلبك يعتصر بمجرد التفكير في أقاويل الناس وتعليقاتهم السلبية. لماذا يجعلون من الارتباط والزواج أسمى مقاصد الحياة؟ هل تساءلوا يومًا إن كانت هذه أمنيتي حقًا؟ كل ما في الأمر حبيبتي هو أنني لست مستعدة البتة لتحمل تبعات هذا القرار النفسية والاجتماعية فقط لإرضاء العائلة والأصحاب. كما أنني لازلت لا أستوعب سبب حشر الناس لأنوفهم في حياة أشخاص آخرين والضغط عليهم للسير على نفس الدرب: استقرار وارتباط ثم إنجاب الأطفال. اعلمي فقط أن لدي أحلام وطموحات تفوق خيال صديقاتك، وأنا أسعى لتحقيقها وإسعاد نفسي أولًا قبل التفكير في إدخال الشخص المناسب إلى حياتي.

أنا آسفة أمي لأنني سأحرمك من أطفال ينادونك ب”جدتي“، على الأقل لفترة ستكون طويلة جدًا. أكره يا أمي أن أقول لك هذا هكذا، لكني لم أجد طريقة أخرى أكثر” لباقة“ لتقديمي فكرتي لك. أرى أن إنجاب الأطفال هو أهم قرار قد يتخذه الإنسان في حياته، أهم حتى من الزواج. لا يجب التفكير في هذه الخطوة إلّا بعد التأكد التام من الجاهزية الشخصية وكذلك من حسن اختيار الشريك. أنا بطبعي أحب الهدوء ولا أتحمل الضوضاء والصراخ. أضيفي إلى ذلك عدم استعدادي للقيام بتضحيات قد تعكّر سير أسلوب حياتي الذي اعتدته فقط للاعتناء بطفل وتغيير حفاظاته وإطعامه متى أراد ذلك. قد يبدو لك الأمر ضربًا من الأنانية وحب الذات الزائد، غير أنني على الأقل صادقة مع نفسي وأتحمل مسؤولية هذا الاختيار. يمكن أن تتغير فكرتي هذه بعد بضع سنوات أو أيام ربما إذا وقعت معجزة ما، لكنني لا أستطيع أن أعدك بذلك.  

أنا آسفة أمي لكرهي التحدث مع العائلة سواء على الهاتف أو خلال المناسبات. فابنتك يا ست الكل تمقت بشدة الاتصالات واللقاءات العائلية لما يتمخض عنها من أسئلة مُشعّبة ومدروسة حول طبيعة عملي وحياتي الشخصية. هل تظنين أن عمتي مثلًا التي بلغت من العمر عتيّا ستتفهم حقيقة أنني أعيش لوحدي في شقة وسط مدينة كبيرة بدون زوج أو حتى خطيب؟ ”عيب يا بنتي! البنت مكانها مع زوجها أو بيت أبوها“، هذه أفكارهم التي لا أستطيع تغييرها، ولكنني أستطيع تجنب سماعها بشكل أو بآخر. ثم دعيني أخبرك أمي أنني لا أتقن فن الرد على عبارات التهنئة أو التعزية، أو غيرها من الجمل التي نرددها بشكل آلي دون إخراجها  صِدقًا من القلب. صدقيني أنني صادفت سابقًا مواقف محرجة تفوهت فيها بكلمات في غير محلها، فقررت بعدها التملص من أي فرصة قد تجمعني مع العائلة الكبيرة.   

أنا آسفة أمي على عدم الانصياع إلى مطالبك عندما تأمرينني باللحاق بك إلى المطبخ وتعلم إعداد أطباق البلد التقليدية. تعلمين أنني أتبع رجيمًا خاصًا لا أتناول فيه السكر بتاتًا وأقلل فيه من استهلاكي للدهون والكربوهيدرات. لكن أطباقنا التقليدية لا تعتمد في تحضيرها إلا على هذه المواد بالذات. وبما أنني أعيش لوحدي وأعد طعامي الصحي بنفسي، فإنني لا أجد الداعي من تعلمي طبخ أطباق دسمة يأخذ إعدادها ساعات طويلة وأنا أعلم أنني لن أتناولها أبدًا.

أنا آسفة أمي أن شراء بيت أو سيارة ليس ضمن مخططاتي. كلما أخبرك أنني ذاهبة في رحلة إلى بلد ما، تُشَغلين لي نفس الأسطوانة التي أسمعها منك منذ سنوات. أنا لست ضد فكرة ”خبي القرش الأبيض لليوم الأسود“، ولكن الادخار بهدف اقتناء سيارة أو شقة صغيرة باسمي، هذا ما لا ينجح عقلي في استيعابه. لن أعطي للبنك فرصة لنهب أموالي من خلال قروض ونسب فوائد خيالية أنا في غنى عنها. ولماذا كل هذا؟ من أجل امتلاك شيء احتمالية فقدانه أكبر من احتمالية فوزي في جولات متعاقبة من إحدى لعب الكوتشينة. أفضل تجنب هذه المخاطرة والاستثمار في تجارب وقصص تعود عليّ بالنفع في حياتي الخاصة والعملية. السفر بالنسبة لي هو تلك البوابة التي تأخذني من منطقة راحتي إلى شلال جارف يمطرني بالخبرات واللقاءات الإنسانية التي أحاول قدر استطاعتي اجتراف أكبر كمية منها لمرافقتي أينما تقدم بي العمر.

أنا آسفة أمي لاختياري مهنة لا تتوافق مع المخططات المستقبلية التي وضعتها لي. هل تذكرين نقاشنا الحامي عندما واجهتك بقراري بالعمل في شركة ناشئة بدل من البحث عن وظيفة في مؤسسة حكومية في مجال تخصصي؟ لقد قلتي لي بالحرف ”كل هذه الديبلومات والشهادات وليالي السهر والتدريبات من أجل عمل غير مضمون. أنتِ فتاة وعليك البحث عن الاستقرار في وظيفة تضمنين بها مستقبلك!“ لم أجد الكلمات المناسبة للرد عليك ذلك اليوم، لكنني الآن أقول لكِ وبعد سنوات عديدة من العمل في مقاولات وشركات خاصة أنني سعيدة بالكم المعرفي الذي تلقيته والعلاقات الاجتماعية التي بنيتها طول هذه الفترة. أصبحت أكثر خبرة في مجال بعيد تمامًا عن تخصصي الأكاديمي، وبرعت فيه أكثر ممن لهم أعلى الشهادات فيه. هكذا تكون النتيجة عندما يختار المرء مسارًا ما عن حب وشغف.     

مجددًا، أنا آسفة على كتابة هذه الكلمات بدل البوح بها مباشرة أمامك. يكفيني أن تفتخري بي أمام معارفك وتقولي ورأسك مرفوع ”هذه ابنتي“، هذا جلّ ما أطلب. فهل أنتِ مستعدة لتقبُّلي كما أنا؟



عفاف بوعكادة، كاتبة مغربية تهتم بالمجالات الثقافية والفنية والنهوض بقضايا المرأة. لها مقالات متفرقة في مجموعة من المنصات الرقمية العربية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.