كورونا

أعترف أن جزءًا مني لا يريد أن تنتهي العزلة

"حين طُلب منا التباعد الاجتماعي وفُرض حظر التجول، كنت في قرارة نفسي سعيدًا جدًا"

بقلم خالد مبارك

أجد نفسي أتمنى أن أنعزل لوقت أكثر لأرتب حياتي وأفكر أكثر. الصورة: Shutterstock.

حسنًا سأعترف، لم أكن سعيدًا بحياتي في فترة ما قبل انتشار فيروس كورونا. لم تكن لدي الطاقة لمقابلة الأصدقاء أو حتى لقضاء الوقت مع زوجتي. حين أنتهي من عملي في المساء وأعود إلى منزلي، أتجه إلى غرفة المعيشة وألقي بجسدي المرهق على الأريكة وأحاول أن أدفن أحداث يوم العمل بين نشرة أخبار ومسلسل لا أتابعه، وفي كثير من الأحيان توقظني زوجتي في ساعات الصباح الأولى لأذهب وأكمل ما تبقى من سويعات نومي في غرفتنا قبل أن أنهض مرة أخرى، وكأن شريط حياتي عالق على زر الإعادة. أيامي كانت متشابهة، ولم يكن يوجد للراحة متسع في يومي الضيق.

لذا حين طُلب منا العمل من المنزل، غمرتني سعادة كبيرة. وحين طُلب منا التباعد الاجتماعي وفُرض حظر التجول، كنت في قرارة نفسي سعيدًا جدًا بهذه الخطوة. تسارعت الأفكار في رأسي، أخيرًا سأستطيع التحكم في وقتي، أخيرًا سأرتاح من التنقل بالسيارة والسفر ومناسبات العمل المنهكة، ففترة البعد عن العمل أمنية لطالما تمنيتها. لا أخفيكم سرًا أنه كلما طالت فترة التباعد الاجتماعي، كلما وجدت نفسي أتوق للعزلة وليس للمرض أن يطول أكثر. استطعت في الفترة السابقة أن أرتاح قليلًا وأن أقضي بعض الوقت مع زوجتي حين كنت أسافر كل أسبوع تقريبًا في فترة ما قبل كورونا، كما واستطعت الانتهاء من الكثير من الأمور العالقة في المنزل التي لطالما أجلناها مثل الجلوس مع بعضنا، وترتيب مكتبتنا الخاصة. كما وتوفر لي الوقت لأتدبّر في قرارات حياتي السابقة، واتخاذ قرارات صعبة فيما يخص وظيفتي ومستقبلي.

وبالرغم من أنني أود أن ينتهي هذا الكابوس الذي أودى بحياة الكثير من الأشخاص في العالم وأثر على الكثيرين ممن فقدوا وظائفهم، وأرهق طاقمنا الطبي وخط دفاعنا الأول الذين أكن لهم كل التقدير والاحترام، إلا أنني على الصعيد الشخصي أجد نفسي أتمنى أن أنعزل لوقت أكثر لأرتب حياتي وأفكر أكثر، ربما لأنني أعرف أننا لن نحظى بفترة انفصال عن روتين الحياة كهذه مرة أخرى، أو ربما لأنني لا أود أن تعود حياتي المتعبة كما كانت عليه. ويبدو أن إحساسي هذا ليس بأمر شاذ. يقدر العلماء أن المدة التي تستغرق من الإنسان لتبنّي عادة جديدة هي ثلاثة أسابيع، ويبدو أن الانعزال أصبح عادة جديدة وإضافة لا أمانعها في حياتي.

لا بد للأمور أن تعود لطبيعتها أو لطبيعة جديدة، وأن أحداث هذه الأيام ستخط في روايات ومذكرات، وسنحكيها لأحفادنا، وإذا وجدتم نفسكم في موقف مماثل لي، فأدعوكم أن تستغلّوا فرصة التباعد كواجبنا لحماية المجتمع لأقصى حد لمراجعة ترتيبات حياتكم والتمعّن في قراراتكم السابقة. قد تفضلون الانخراط في هواية معينة، أو دفن رؤوسكم في كتب اقتنيتوها ولم تسن لكم الفرصة لقراءتها أو ربما لا تودون عمل شيء على الإطلاق ولا عيب في ذلك أيضًا. مهما كانت ميولكم، افعلوا ما يحلو لكم. بالنسبة لي بدأت أجد المتعة في اكتشاف زوايا منزلي وحديقتي، والعمل مع زوجتي في تزيينها ووضع بصمتنا عليها. بطريقة ما كأننا نريد أن تشهد أساسات المنزل على الفرصة الذهبية للملمة شتات أذهاننا والتفكير جدّيًا في مستقبلنا التي على الأغلب لن تتكرر في حياتنا.

ولكن الأهم من ذلك تيقنت على الرغم من تذمري من وظيفتي إلا أنني ممتن بأن يكون لدي عمل، وقد تسنت لي الفرصة أن أراجع قراري وأن أفكر جديًا في الانضمام إلي وظيفة أخرى في الفترة القادمة، تتيح لي الفرصة للاجتماع بأصدقائي وأحبائي وأنا في مزاج أفضل ولا تؤثر سلبًا في حياتي. كما وأيقنت أخيرًا أنه لا بد لي أن أخصص وقت لنفسي وأن أنعزل إذا احتاج الأمر٬ بل وأن أفرض هذا الوقت في جدولي الأسبوعي مثلما أخصص الوقت لمقابلة أصدقائي. الكثير منا لا يلي اهتمام لراحتنا النفسية وراحة بالنا، وللأسف نجد أنفسنا ندفع الثمن غاليًا فيما بعد.


خالد مبارك كاتب كويتي.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.