كورونا ثقافة وفن

نوستالجيا المسلسلات ونحن

لماذا نعيش حنين الماضي؟

بقلم زهرة الفرج

” النوستالجيا ” هي آلية دفاع يستخدمها العقل لرفع المزاج وتحسين الحالة النفسية، لذا فإنها تكثر في حالات الملل أو الشعور بالوحدة. الصورة: Shutterstock.

يعيش أغلبنا حالة نبش في محصلة الذكريات التي تكدست وشارفت على النسيان بفعل توالي السنون والتجارب.

نحن الذين فرضت علينا جائحة كورونا المتفشية في أصقاع العالم تقريبًا أن نلازم بيوتنا كإجراء احترازي ضد الجائحة، وحيدون أو مع أفراد محددون من العائلة يشاركوننا المسكن، الأمر الذي جعل الوقت يظهر لنا أطول مما هو عليه، ومحاولة تمضيته تبدو مهمة شاقة كمن يحاول دفع سيارة معطلة.

هذه الوفرة في أوقات الفراغ خلقت بيئة خصبة لاجترار الماضي فيما يعرف بـ “النوستالجيا”، وهي كمفهوم “حالة الحنين إلى ماضي مثالي” أو هكذا يخيل لنا أنه كان بالفعل إذا ما قارناه بالواقع الراهن المشبوب بالقلق والترقب، وكم عالي من الضغوط النفسية والاقتصادية.

يقول الخبراء النفسيون أن” النوستالجيا ” هي آلية دفاع يستخدمها العقل لرفع المزاج وتحسين الحالة النفسية، لذا فإنها تكثر في حالات الملل أو الشعور بالوحدة، حيث لجأ الكثير منا إلى تصفح ألبومات صوره وعمد إلى استحضار مواقف ومناسبات التقطها، وبالضرورة حضرت عواطف غمرتنا وكأنها تسكن روع العالم من حولنا.

ذكريات سعودية

ولأن حياتنا كسعوديون في تسعينيات وثمانينيات القرن الماضي تتقاطع مع بعض الصور التي نشهدها اليوم، مما عزز لدى شريحة كبيرة منا “نوستالجيا” من نوع خاص حيث لا يتعلق الأمر بالمخيلة فقط، بل بات واقع يمكن عيشه وقياسه.

فلم يكن لدى السعوديون حينها خيارات متعددة لقضاء الوقت خارج البيت، لم تكن ثقافة المقاهي قد انتشرت وظهرت بمفهومها الحالي، ولم يكن الناس يأكلون من المطاعم إلا في مناسبات خاصة أو لظروف ما، كما أن وسائل الترفيه كالسينما والمسرح والمعارض وغيرها لم تكن موجودة من الأصل، لذلك كان الأساس لدى الأغلب هو البقاء في البيت أو التجمع مع العائلة والأصحاب، ليكون التلفزيون حينها سيد الترفيه إن لم يكن الوحيد. وربما هذا ما حدى بوزارة الإعلام السعودية أن تتفاعل مع الحالة العامة للناس وتطلق قناة “ذكريات” التلفزيونية التي تبث برامح ومسلسلات من أرشيفها الذي يفوق عمره الأربعون عامًا، بما فيها أعمال ارتبطت بذاكرة ووجدان الكثير من السعوديون. ولعل لكل منا قصة ما مع مسلسل.

“العولمة” ليس مجرد مسلسل

من بين المسلسلات التي يتم عرضها مسلسل “العولمة” إنتاج عام ١٩٩٩، والذي شكل فارقة وجدانية وحضارية للكثير من الشبان والفتيات وقت عرضه وأنا كنت واحد منهم، وبالرجوع إلى قصة المسلسل التي تدور أحداثه حول أسرة سعودية تنتقل من القرية إلى مدينة الرياض، حتى يتمكن أبنائها من إكمال تعليمهم الجامعي، ليكون المحور الأساسي للمسلسل الصدام والتباين الحضاري والثقافي بين ثقافة القرية المحافظة وبين المدينة الواسعة والمنفتحة إلى حد ما.

يشتغل هذا العمل على فكرة “الانكشاف”، القرية التي ترمز إلى العوالم الصغيرة، وأفرادها ذوي التجارب المحدودة والصبغة الواحدة، على المدينة، تلك العالم الواسع المتسارع الذي تتنوع فيه الهوايات والأفكار وكل شيء.

يمكنكم متابعة مسلسل العولمة على قناة “ذكريات” في موقع يوتيوب.

وهذا ما تبيناه من معنى اسم المسلسل “عولمة”، حتى قررنا أنا وصديقاتي أننا نريد أن “نتعولم” نحن الحساويات فتيات القرية التي كان فيها دور المرأة محدود في منطقة لم يصلها التطور المدني كثيرًا. لقد اختلف منظورنا حول ما يجب أن تكون عليه حياتنا. لقد أظهر لنا العمل صورة لحياة مختلفة وممكنة وقريبة منا، سواء على مستوى التباين الحضري لبيوت كبيرة، وسيارات بعدد البشر، ومجمعات مكيفة ومغلقة للتسوق، وخيارات دراسية متعددة تفوق مدينة الأحساء، وعلى مستوى اجتماعي لصورة امرأة لم نكن نراها كثيرًا، ترتدي عباءة “الكتف”، تمارس رياضة المشي وحدها، تذهب لمناسبات اجتماعية مع صديقاتها، ترتدي ملابس آخر ما ابتكرته الموضة بذوقها الخاص.

كل هذه المشاهد ساهمت في صنع قرارتنا. وباتت لدينا أحلام متعلقة بالتغيير والسفر والدراسة خارج منطقتنا. أعتقد أننا عشنا فترة طويلة نسعى إلى المدينة التي صورها لنا العمل، هذا التأثر ظهر في تحديد ميولنا الدراسية والتي على الأغلب لم تكن صادقة، كنا فقط نريد أن ندرس تخصصات تُدرس في جامعة الملك سعود وليس سواها، وكان تخصص علم النفس هو اختياري حينها.

نافذة بضوء ساطع

صحيح لم تذهب أي منا للدراسة في الرياض، و لم نستطع أن نستمر في معركة إقناع أهالينا بالأمر، لكني أعترف بأن النافذة التي فتحها المسلسل جعلتنا نطالب الحياة بالمزيد من الفرص. لا نستطيع أن نصف المسلسل بالعمل الجبار، لكنه على الأقل كان عمل متماسك إلى حد ما، استطاع أن يظهر لنا روح المدينة. تجولنا مع الكاميرا في شوارعها، رأينا مبانيها المتعالية، شعرنا ببرود بيوتها، استمعنا إلى هموم وآمال الإنسان الذي يشبهنا اليوم، ذاك الذي يبحث عن هوية معتدلة ما بين جذوره الطبيعية للأرض والتاريخ وسعيه لإيجاد وجود مستقل بفردانية وحياة أكثر راحة.

الضوء من حياتي السالفة

سيغمر البقية التي يأخذها الأقربون

غسان الخنيزي

زهرة الفرج كاتبة وصحفية سعودية مهتمة بالحراك الثقافي و الفني في المنطقة. سبق أن نشرت لها مقالات في مجلة الرؤية الإماراتية، وجريدة اليوم السعودية، ومجلة العربي الكويتية، ومجلة القافلة.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.