آراء

كيف تفرض العزلة مواجهة النفس

" تتصالح مع عزلتك، تبنيها أو تدمرك هي"

بقلم عائشة السيف

” تتصالح مع عزلتك، تبنيها أو تدمرك هي”. الصورة: Shutterstock.
  • إمتلاء

الأمور أصبحت واضحة بعد أربعة أسابيع من حظر الخروج. تتصالح مع عزلتك ، تبنيها أو تدمرك هي.

ابتعت كتب كثيرة. لطالما اعتقدت أن زيادة المعرفة واكتساب كل المعلومات هي ما ينقص العقل البشري ليصل إلى أقصى مراحل الذكاء ، الاستنارة ، النباهة والسعة. وصلت الكتب بعد ثلاث ساعات فقط. سلمني المندوب صندوق صغير بحذر كبير. ووضعه على الأرض مبتعداً بسرعة.


أضفت الكتب لمكتبتي . وفتحت جهازي المحمول في محاولات إيجاد أكبر قدر ممكن من المقالات التي ستضفي رونقا لعزلة قسرية مثل هذه. وهكذا مساء ذلك اليوم كان جهازي المحمول ممتلئ ، كتبي في المكتبة و قائمة طويلة تضج بالأهداف لهذا الشهر. وهكذا أيضًا كنت مستعدة لأن أغلق الباب وأندثر بكل حب مع نفسي.


مضى اليوم الأول ثم العاشر وأنا أستيقظ مبكرا متأهبة جدا لإلتهام كل المعلومات والإنتهاء من كل الأهداف اليومية. أقعد القرفصاء أمام الشاشة ، أحملق في حلقة جديدة على “نتفلكس” التي تبدأ بشكل اتوماتيكي بينما تفور قهوتي. خمس ساعات وأنا أشعر أن علي القيام بكل هذا ، ٥ ساعات وأنا أحث نفسي ، أجلد ذاتي . ولا شيء يحدث.

اليوم الحادي عشر :
قهوة
نتفلكس
حلقة جديدة
فستان ربيعي
شعر مجدل
نفس عميق
أغلق اشعارات الهاتف
أقول لنفسي ان هذه العزلة أفضل شيء حصل في ٢٠٢٠ وأن علي استغلالها بكل حنكة
أرتب لبسي الرياضي
عبوة الماء العملاقة
وأعود لجهازي المحمول
الشمس منتصفة
غداء
قهوة أخرى
لا أستطيع فعل أي شيء
ينتابني شعور عارم بأني شخص غير مفيد
أجدل شعري مرة أخرى وبانتباه لكل خصلة

٢- تفرغ

الأمور مشوشة
يبدو أن المعلومات ليست تحديدا ما ينقص العقل البشري .
أشعر بضجر كبير من نفسي. ماذا عن خطة اللغة الألمانية والبيانو والثلاث عشر مقالة عن النسوية في الهند ، الاستثمار وفرجينيا وولف ؟ ماذا عن الثلاث روايات التي وصلتني في ثلاث ساعات ؟
ألتقط أكواب القهوة و أتجه للمطبخ . الشمس على وشك الغروب . أضغط على الاسفنجة. أكره الاسفنج لطالما اعتقدت انها تزيد من اتساخ الصحون والأكواب. أدعك حواف الأكواب بقوة وأتساءل بهدوء : ماذا الان؟ ماذا الان ؟
أصك على أسناني .
أتذكر يوم العمل الأخير قبل بداية الحجر
سفرتي الأخيرة
جولتي الأخيرة على الأقدام
ألتقط بعض الصحون الأخرى وأكمل بلا وعي بينما ينساق عقلي مع الأفكار ، المواقف، الذكريات وكل ما هربت منه يعود مرة واحدة و على مضض. لست مستعدة لمواجهة كل هذا أقول في نفسي بينما أتحرك بسرعة في محاولات هرب وطلب الطعام من أحد تطبيقات التوصيل. التطبيق مغلق نظرا للضغط. أبدأ بتقطيع البصل والطماطم مباشرة. لا وقت لدينا لندب الحظ. أفعل ذلك بينما يتكئ هاتفي على زجاجة السكر ويرن بصديقتي . تجيب هاتفها ب : “تعرفين عائشة كل المشاعر بدأت تنمو في داخلي ، هذه العزلة مواجهة لا محالة. “
أعتقد أن هذه العزلة للمواجهة ، للإفراغ ، لإعطاء الأفكار فرصة ، لتحليل الماضي ، لربط التجارب بالمعرفة ولأول مرة بعد عشر و عشر سنوات من الحشو. نسنح لعقلنا فرصة الشهيق والزفير .يبدو بعد كل هذه السنوات أن للفراغ قيمة. للفراغ مكان ووزن وقافية . كما لكل شيء آخر.

أغلق الهاتف. أجلس على الدرج بينما يبدأ صيف جدة تدريجياً بالعودة هو الاخر. وبدون أي شي ، أجلس على الدرج بهدوء ، أهش الذباب ، أنا ومناوشات عقلي ومحاولات إفراغ.
محاولات رؤية.
محاولات لحياة أخف وطأه.

يقول دوستفسكي في روايته الاخوة كارمازوف : “إن الإنسان يكدس الخيرات في العزلة ، وتسرّه القوة التي يحسب أنه يملكها بذلك ، قائلاً لنفسه إن أيامه قد أصبحت بذلك مؤمنة ومضمونة ، إنه لا يرى ، لحماقته ، أنه كلما أوغل في التكديس كان يغص في عجز قاتل. ذلك أنه يتعود أن لا يعتمد إلا على نفسه ، ويفقد إيمانه بالتعاون ، وينسى في عزلته القوانين التي تحكم الإنسانية حقا ، وينتهي من ذلك. إلى أن يرتعد في كل يوم خوفا على ماله الذي أصبح فقدانه يحرمه كل شيء. لقد غاب عن ذهن البشر تماما في أيامنا هذه أن الأمن الحقيقي للإنسان لا يتحقق بجهده الفردي المنعزل، وإنما باتحاد الجهود البشرية العامة وتناسق الأعمال الفردية. إن عهد العزلة الرهيب هذا سينتهي حتما في يوم من الأيام، وسيفهم البشر دفعة واحدة مدى تناقض العزلة مع طبيعتهم الحقيقية.”


عائشة السيف كاتبة سعودية.

إن وجهات نظر المؤلفين والكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.