ثقافة وفن

لنكتب ثقافتنا بثقافتنا

الكتابة ليست أدباً فحسب، إنما هي ذكاء أيضاً، وكما أننا نكتب نريد تحريك مخ القارئ وأفكاره، نريد أيضاً تحريك قلبه وعواطفه.

بقلم محمد قرط الجزمي

من أهم نقاط قوة الكتابات أن تدخل قلب القارئ ويشعر بها.الصورة: Shutterstock.

نصبح مثقفين إذا كتبنا بلغة المثقفين، ونغدو أدباء جهابذة إذا كتبنا بذات الألفاظ التي يكتب بها الأدباء، ونمسي حُصفاء إذا وصفنا ومثلنا بما يصف به كبار الكُتاب ويمثلون به.. هذه هي الفلسفة المنتشرة لدى كثير من كُتاب هذا الجيل اليوم.

من حق جبران خليل جبران أن يتساءل:‹‹أهكذا تبتلع اللُّجة نغمة الشحرور؟››، فالشحرور طير شهير يتواجد في لبنان، ومن حق إبراهيم نصر الله أن يكتب: ‹‹رأيت الكلمات تزهر، وغصن زيتون يحلم››، فهو يتحدث عن فلسطين الشهيرة بغصن الزيتون، ومن حق نزار قباني أن يكتب: ‹‹إذا أتى أيلول يا حبيبتي؛ أسأل عن عينيك كل غيمة، كأن حبي لك مربوط بتوقيت المطر››، فأيلول شهر آشوري ممطر، والأشهر الآشورية معتمدة في بلاد الشام والعراق.

اعتدنا قراءة مثل هذه المفردات لدى أدباء عظيمين مثل الواردة أسماؤهم في المقال؛ الشحرور والغصن الزيتون والأشهر الآشورية، وعلى ذلك ذهب كثير من الكُتاب إلى استخدامها باعتبارها ألفاظ تنمُّ عن الثقافة والجهبذة، لكن الحقيقة غير ذلك.. لا يليق بكاتب خليجي مثلاً أن يكتب عن شجرة الصفصاف وهو قادر على أن يكتب عن النخلة والسدرة والتمر هندي والغاف والسَّمُرة، ولا يليق بكاتب خليجي أن يصف التيه برجل يقف وسط ثلوج سيبيريا مثلاً، أو بفتاة تتلمس طريقها في ضباب لندن، وهو قادر أن يصفه في صحراء الربع الخالي، ثم كيف يكتب خليجيُّ عن الإرهاق أنه يشبه رجلاً يعمل في المناجم، بدلاً عن الغوَّاص يكتم أنفاسه يبحث عن اللؤلؤ؟هو يملك أن يكتب عن ضباب لندن إذا كتب عن شخصيةٍ بريطانيةٍ، أو شخصيةِ مبتعثٍ يعيش هناك، ولو كتب عن هندي انتقل إلى الصحراء مثلاً يعيش هناك حياة البدو، لأمكنه أن يتحدث عن الجمل أنه يشبه الفيل في كذا وكذا، فالبيئة تحكم، والسرد يحكم، والحالة تحكم، لكن نتحدث عن خليجي يعيش في الخليج ويتحدث عن أيلول وحزيران وكانون الأول والثاني؟ عن بيوت الثلج؟ عن الربيع؟ وهل في الخليج بيوت ثلج وربيع؟ أين العريش والقيظ نتمثَّل بهما؟!

لكل مقام مقال يا سادة، ولكل كاتب ثقافته التي لا يفرضها، إنما تفرض نفسها على قلمه.. نبحث في التعبير بلا شك عن التجديد، ولكن ليس عن التقليد، اكتب عن النملة والخنفساء والعنكبوت إن شئت، لكن ليس عن الكنغر، إلاَّ أن يكون للكنغر سمة خاصة يليق أن نصفه ونتمثل به.

المسألة ليست مسألة ثقافة بلادنا نروِّج لها، أنا لست مع الترويج لأنفسنا من خلال كتاباتنا.. إنما نحن نكتب لقراءٍ أغلبهم يعيشون في محيطنا، وحينما تُحدث قارئاً من بدو الصحراء عن نهر جنات دجلة، سيفهم، هو فطن، لكنه لن يشعر بكلماتك.. عن شعور القارئ نتحدث.

من أهم نقاط قوة الكتابات أن تدخل قلب القارئ ويشعر بها، حينما تريد له أن يحزن أو يفرح أو يغضب أو يتعاطف مع شخصيات رواياتك مثلاً، لا بد أن تصف له بما يليق بمشاعره التي عايشها.. القارئ يعرف الشتاء، فإذا جئت أصف الشتاء مثلاً أنه رجل مشرَّد يستدفئ بصندوق على الرصيف بالكاد يحتويه، القارئ سيفهم مقصدي، لكن هل سيشعر بالبرد؟ غالباً هو لم يرَ مشردين، الهوم-لِس ليسوا في ثقافتنا ولا في بيئتنا ولله الحمد، بعكس إن ابتكرنا وصفاً من بيئتنا يستشعره القارئ حينما يقرؤه ويشعر بالبرد.

من الخطأ أن أقول: ‹‹أنا والكتب أصدقاء، كنهر المسيسيبي والغابات››، أنت مثقف وستفهم مقصدي، لكنك لن تستشعره، ليس حينما أكتب لك: ‹‹أنا والكتب أصدقاء، كالبئر والنخيل، كموج البحر ورمال الشاطئ، كالمطر والوديان، كفصل القيظ والرُّطب››.. هنا ستفهم، وفوق ذلك ستستشعر.

وخير ما نستشهد به القرآن وهو يخاطب قريشاً وضواحيها؛ بدواً عاشوا لغتهم محصورة حول مفردات خاصة بهم، قال لهم: ﴿(أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ {17} وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ {18} وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ {19} وَإِلَى الْأَ َرضِ كَيْفَ سُطِحَتْ {20} ﴾؛ لغة ومفردات يفهمونها ويشعرون بها، ومثل ذلك حينما وصف ليلة القدر فقال جلَّ شأنه: ﴿خيرٌ من ألفِ شهر﴾، هم الذين لا يعرفون من الأعداد ما هو أكبر من الألف، حتى إنهم كانوا إذا أرادوا الكلام عن المليون قالوا: ألفُ ألفٍ.

لا أقول إنه من الضروري أن نكتب عن بيئتنا الخاصة التي عشنا بها، ولكن عن بيئة قريبة منا.. نحن نكتب عن الصحراء والبحر والجبال، وقد لا نكون عشنا هذه البيئات، لكنها قريبة منا، ومعظمنا شاهدها إن لم نكن كلنا.

مقالي هذا عن بلاغة التشبيه والتمثيل، الكتابة ليست أدباً فحسب، إنما هي ذكاء أيضاً، وكما أننا نكتب نريد تحريك مخ القارئ وأفكاره، نريد أيضاً تحريك قلبه وعواطفه.


محمد قرط الجزمي، كاتب وقاص عُماني، أغلب إصداراته ما كان يُسمَّى قديماً بأدب الخيال التأملي (Speculative Fiction)، الذي يجمع ثلاثية: الخيال العلمي والفانتازيا والرعب، وله مقالات متفرقة في صحف عربية مختلفة. من أعماله : رواية ‹‹الدماء تعود لمجاريها››، و ‹‹الشيطان يلهو››،  ورواية ‹‹أكثر من راوٍ››.

إن وجهات نظر المؤلفين والكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.