ثقافة وفن عدد الأمل

ماذا تعرفون عن هؤلاء النساء من شبه الجزيرة العربية؟

"لقد جعلن الحياة تدب في شبه الجزيرة العربية."

.To read in English, click here



بقلم غادة المهنا

لأصدقكم القول، استغرق الأمر منَّي بضعة أيام حتى قررت ما سأكتب عنه في هذا المقال؛ فحقًا، ما الذي لا يستحق الكتابة عنه؟ إنَّ الثقافة والتاريخ اللذان تتمتع بهما منطقة الخليج ثريان جدًا، إلى حد أنَّ من الصعب اختيار موضوع معين دونًا عن غيره.

 ولأنَّني شخص يعتمد على الإدراك البصري، بدأت أفتش في الوثائق والمستندات والصور وغير ذلك عن شيء مثير للاهتمام أتشاركه معكم.

حتى عثرت على صورة ضربت على وتر حساس.

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة; اسم الملف هو 3b16512r.jpg
امرأة بدوية تشارك في “الدحة”. الصورة: مكتبة الكونغريس.

كانت صورة لامرأة من بدو المنطقة الشمالية من شبه الجزيرة العربية تعود لعام ١٩١٩. كانت المرأة تحمل سيفًا، وترقص أمام صف من الرجال الذين كانوا يصفقون لها. هذه هي إحدى الصور المفضَّلة لي شخصيًا؛ ليس لأنَّها مؤثرة للغاية فحسب، بل أيضًا لأنَّها تعرض شيئًا فريدًا للغاية: كيف كانت المرأة تعيش حياتها في الماضي، والأهم من هذا كله أنَّها عرضت لمحة من قصة لم يحكها أحد.

هذا إذن هو ما أريد تشاركه معكم: قصص أسلافنا من النساء.

مع الأسف، يبدو أنَّ هناك فكرة سائدة عن نساء شبه الجزيرة العربية وهي بأنَّ مشاركتهن في المجتمع بخلاف إنجاب الأطفال كانت شبه معدومة؛ وأنَّهن لم يكنَّ يتمتع بالاستقلالية ولا الاحترام، ولا حتى كان لهن وجود في تاريخنا في ما يبدو. وهذا ليس صحيحًا بكل بساطة.

قبل أن أتشارك معكم بضعة قصص، أود توضيح أنَّ شبه الجزيرة العربية – في حد ذاتها – منطقة شديدة التنوع. وبالتالي، فإنَّ الحديث عن امرأة واحدة، وإعطائكم انطباع بأنَّ الأمر ينطبق على جميع أنحاء المنطقة بأسرها، سيكون فيه ظلم للبقية. بصراحة، قد لا أستطيع تغطية جميع النساء، لكنَّني آمل بأنَّ إلقاء لمحة على قصص قليلة سوف يفتح باب المناقشة، ويحثّ على طريقة للنظر لتاريخهن وتاريخنا على نحو مختلف.

والآن، لنعد للصورة التي تعود لعام ١٩١٩: المرأة التي “ترقص” في الحقيقة تؤدي “الحاشي”، الذي هو جزء من رقصة تُسمى “الدحة”. وفيها، يصطف الرجال في صفوف، ويبدؤون بالتصفيق والصياح بأصوات عالية تقلَّد أصوات الحيوانات. الغرض من هذه الرقصة هو تعزيز ثقة الرجال بأنفسهم قبل ذهابهم للحرب. وعندما تدخل المرأة الحلبة بسيف، فإنَّها بذلك تخبر الرجال أنَّها أقوى منهم، بل والأهم من ذلك أنَّها تمثّل خط الدفاع الأخير في حال خسروا الحرب، وأنَّها سوف تكون حامية الأرض.

إنَّ فكرة كون النساء حماة الأرض ليست بالغريبة، فهناك مثلاً القصة الموثّقة المعروفة لغالية البقمية، وهي امرأة قادت مقاومة عسكرية لمنع العثمانيين من إعادة احتلال مكة المكرمة خلال الحرب السعودية العثمانية، لا بوهب أموالها للرجال وحسب، بل أيضًا بإرشادهم وإلقاء الخطابات المشجّعة التي أشعلت حماسهم لقتال العدو.

في تلك الفترة، كان اسم غالية قد شاع في أرجاء المنطقة بعد أول هزيمة لجيش مصطفى بيك قرب “التربة”؛ الأمر الذي عزز مخاوف الجنود العثمانيين من سُلطتها وقوة حضورها العسكري كقائدة للرجال، حتى إنَّ بعضهم حكى قصصًا غريبة عن قواها كساحرة، ربما بدافع عدم تصديقهم أنَّ هناك امرأة قادرة على قيادة قوة عسكرية كما فعلت.

هناك امرأة أخرى شاع اسمها في جميع أنحاء المنطقة، وهي لولوة العرفج – التي كانت تُعرف باسم “العرفجية” – زوجة أمير اسمه حجيلان بن حمد آل أبو عليان. أسر إبراهيم باشا المصري زوجها مع بعض أفراد آل سعود وآل الشيخ، بعد أن هدم عاصمة الدولة السعودية الأولى، الدرعية. واختُطف ابنها – الذي حصل على لقب “الأمير” بعد أسر والده – قُتل على يد أبناء عمومته سعيًا للحصول على اللقب. وغدر بها ابنها بالتبني عبَّاد، حيث إنَّه كان مَن فتح أبواب القلعة لأبناء عمومته لكي يقتلوا أخاه.

دفع الحزن لولوة على وضع خطة للانتقام: وهكذا، تسللت في ظلام الليل إلى القلعة التي كانت تسكنها مع بعض معاونيها، وتنقلت من غرفة لأخرى، إلى أن وجدت نفسها في الغرفة التي كان بها مخزون الأسلحة والبارود، وأشعلت فيها النيران، فقتلت العديدين ممن كانوا في ذلك المبنى، من بينهم الرجل الذي حلّ محل ابنها: الأمير سليمان بن رشيد آل أبو عليان. وكأن ذلك لم يكن كافيًا، وقفت لولوة عند بوابة القلعة بانتظار من حاولوا الفرار، وقتلتهم وهم خارجين.

وبالطبع، مَن ينسى الأميرة نورة بنت عبد الرحمن آل سعود، أخت مؤسس المملكة العربية السعودية  – الملك عبد العزيز – الذي كان يُعلِن في كثير من الأحيان قائلاً: “أنا أخو نورة”؛ إذ إنَّه كان يكنَّ لها احترامًا كبيرًا جدً. هي – في الحقيقة –  من شجَّعت الملك على استرداد زمام قيادة البلاد عندما كانت العائلة في منفاها في الكويت، وزودته بآراء سياسية جعلت الملك يلتفت إلى عدد من القضايا في البلاد، بخاصة القضايا الاجتماعية.

خيم البدو كانت تُصنع بأيدي النساء. الصورة: مكتبة الكونغريس.

إضافةً إلى تلكم النساء الثلاث، هناك أيضًا نساء لا نعرفهن بالاسم، لكنَّنا نعرف بوجودهن بفضل المستشرقين الذين جابوا المنطقة، على سبيل المثال: الرحَّالة السويسري يوهان لودفيغ بوركهارت قد سمع بالمطربات السعوديات في المنطقة الغربية من المملكة العربية السعودية، وكيف أنَّهن كنَّ يحتَّلن مكانة مرموقة لمهارتهن، فكتب قائلاً: “يُقال إنَّ المطربات المحترفات في مكة يمتلكن أصواتًا عذبة، وإنَّهن لا ينتمين لتلك الطبقة الفاسقة التي تنتمي لها المغنيات والراقصات من العوام في سوريا ومصر”.

بيوتنا التي كانت في الصحراء – خيم “البدو” – كانت تُغزل يدويًا لتشكَّل حاجزًا قماشيًا يقي من قسوة الطقس، وكانت تُصنع بأيدي نساء كنَّ يغزلن تلك الهياكل، وينصبنها ويطوينها كلما تعين عليهن الترحال. تلكم النساء كنَّ يشيدن المنازل حرفيًا، ويوفرن لأفراد عائلاتهن مكانًا للراحة بعد قضاء اليوم في الصيد وجمع الثمار في الطقس الصحراوي القاسي.

لهذا، ليس من المنطقي بالنسبة لي أن نقول إنَّ نساء شبه الجزيرة العربية لم يكن لهنَّ أي دور في مجتمعاتهن، بل ويبدو من السخيف أنَّ نقول إنَّ دورهن كان مقتصرًا على إنجاب الأطفال فقط؛ فتلكم النساء كنَّ حماة الأرض، وبناة البيوت، وفي بعض الأحيان كنَّ يجعلن الحياة تدب في المنطقة من خلال الموسيقى.

لقد جعلن الحياة تدب في شبه الجزيرة العربية.


هذا المقال تُرجم من اللغة الإنجليزية.

غادة المهنا سعودية متخصصة في مجال الإعلام والسياسة ولديها خلفية قانونية. تقطن غادة حاليًا في برلين.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.