ناس عدد الأمل

سعود السنعوسي: عطشي للصحراء دفعني لكتابة <<ناقة صالحة>>

نتحدث مع الروائي عن آخر أعماله وعن الكتابة في زمن كورونا.

بقلم منار وشريفة الهنائي

الكاتب والروائي الكويتي سعود السنعوسي. الصورة: سعود السنعوسي.

كعادتنا الصباحية في كل يوم، كنا نتصفّح الأخبار عبر الإنترنت عام ٢٠١٣، حين قرأنا خبر فوز رواية <<ساق البامبو>> بالجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر). هذه الرواية كانت بمثابة المفتاح الذي تعرّفنا من خلاله على أعمال الكاتب والروائي الكويتي سعود السنعوسي، وصرنا نتتبع مسيرته الأدبية منذ ذلك اليوم.

ما يميز أعمال سعود هو موهبته في التطرّق لمواضيع اجتماعية مهمة كالهوية والبحث عن الوطن، بطريقة تسافر بك كقارئ لعوالم أخرى. أعمال سعود تجعلك تتساءل عن الواقع الذي تعيشه. تجسيده للشخصيات يشعرك بأنها واقعية، فبعد سنوات من قراءتنا ل <<ساق البامبو>>، لا تزال شخصيات الرواية تزور مخيلتنا بين حين وآخر.

بعض من أعمال الروائي سعود السنعوسي التي تُرجمت للإنجليزية.

ُترجمت رواية <<ساق البامبو>> لسعود إلى عدة لغات كالفارسية، والصينية، والإنجليزية. كما وترجمت رواية <<فئران أمي حصة>> إلى اللغة الإنجليزية. بالنسبة للكثير من الشباب والشابات في منطقة الخليج، سعود هو واحد من أهم الأصوات الخليجية في الساحة الأدبية. في هذا الحوار نناقش مع الروائي آخر أعماله <<ناقة صالحة>>. نشرت الرواية القصيرة عام ٢٠١٩، وتدور أحداثها في صحراء الكويت في فترة ما قبل اكتشاف النفط، وتسلّط الضوء على الصراعات القبلية، والتطور الاجتماعي والسياسي لدولة الكويت. نتحدث عن اختياره للكتابة عن هذه الحقبة وعن الحياة في الصحراء، وعن صياغة الرواية من وجهة نظر امرأة والتي تمثل المرة الأولى التي ينشر فيها عملًا كهذا، وما إذا ألهمته أزمة كورونا لصياغة عمل جديد.

تنبيه: هذه المقابلة تحتوي على تفاصيل من رواية <<ناقة صالحة>>.

ما الذي ألهمك لكتابة رواية <<ناقة صالحة>>؟ ولماذا رواية قصيرة هذه المرة؟

سعود السنعوسي: كان عطشًا للصحراء، ربما، هو ما دفعني لكتابة <<ناقة صالحة>>. لا أدري على وجه التحديد ما الذي ساقني إلى تلك العوالم، كل ما أعرفه أنني كنت قد تشبَّعتُ بحرًا في عمل ما زلت على كتابته منذ ما بعد <<فئران أمي حصة>> عام ٢٠١٥، تدور أحداثه في الحقبة ذاتها التي كتبتها في <<ناقة صالحة>> ولكن في الجانب الحضري من الكويت، ثم تفرغت سنة كاملة لكتابة المسرحية الغنائية <<مذكرات بحَّار>> التي تم عرضها في المسرح الوطني في مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي في ٢٠١٩، فصادف أن سمعت أغنية قديمة ينشدها الراحل عبدالله الفضالة عن “الخلوج”، الناقة الثكلى التي فقدت وليدها. فجاءت الأغنية بمنزلة سفرٍ من البحر إلى الصحراء، رحلة كنت أحتاجها على ما يبدو بعد الإيغال في الكتابة بحرًا، كما أنني وجدتُ نفسي أمام مساحة صحراوية تقول الكثير مما يشغلني بواسطة شخوص العمل وبيئته.

أما بالنسبة لكونها رواية قصيرة فالأمر ليس اختياريًا على الإطلاق، أعتاد دائمًا على إنهاء العمل، أي عمل، فور ما أشعر بأنه قال كل ما يريد.

تدور أحداث <<ناقة صالحة>> في أوائل القرن العشرين، في الكويت قبل اكتشاف النفط، وهذه هي المرة الأولى التي تكتب فيها رواية عن هذه الحقبة من الزمن. لماذا اخترت هذه الحقبة لكتابة “قصة حب”، كما وصفها البعض؟

سعود السنعوسي: هي المرة الأولى التي أنشر فيها عملًا في هذه الحقبة صحيح، ولكنني سبق أن كتبت دونما جرأة على النشر. هناك عدة أسباب لعلَّ من أولها البيئة الخصبة المحفزة لمواضيع شتَّى؛ الوطن والغربة والانتماء. رغم تصنيف الكثير من القراء إلى أنها قصة حب، فالرواية في الواقع اتخذت من قصة الحب منفذًا للكثير من المواضيع التي تشغلني وعلى رأسها موضوع الهُوية الذي لا يكاد يخلو منه عمل من أعمالي السابقة. كما أن قلة من الروائيين الكويتيين الذين أنصفوا الصَّحراء كتابةً بعدما رهن الغالبية رواياتهم في الجانب المدني، أردتُ خوض التجربة منصاعًا لما منحتني إياه تلك العوالم الجديدة بالنسبة لي قارئًا بالدرجة الأولى قبل أن أكون كاتبًا.

الكثير من الناس حول العالم لديهم صورة نمطية عن منطقتنا تتمحور حول العيش في الصحراء مع الجمال، وأن النساء يعشن حياة قاسية. كيف تتفادى أن لا تنقل صورة نمطية، أو نظرة مستشرقة عن منطقتنا من خلال عمل يتضمن عناصر من النظرة المستشرقة عن المنطقة، خاصة وأن أعمالك تترجم للغات أخرى. هل أخذت هذه النقطة في عين الاعتبار حين كتبت هذه الرواية؟

سعود السنعوسي: بعض الصور، على نمطيتها، لا تخلو من حقيقة، فمجتمعاتنا ثرية في ثقافتها بطبيعة الحال، مجتمعات خليط بين ساحل الخليج وصحرائه تغص بالنماذج الثرية والمتباينة، المهم هو كيف يطرح الكاتب تلك النماذج دونما إغراق في التركيز على جانب والانصراف عن جوانب أخرى. أنا مؤمن بأن بعض الصور النمطية لها جذر في الواقع، ولكن من المجحف تكريس تلك الصور على أنها النمط السائد للثقافة المحلية، وهو ما أحرص على كتابته قدر الإمكان، وربما في <<ناقة صالحة>> حاولت بقدر ما يسعفني الموضوع بالإلمام بصورة علوية لمجتمعاتنا حيث بدأت الرواية في المدينة واتجهت إلى الصحراء المغايرة تمامًا لتنتهي مرة أخرى في المدينة الساحلية. أما “صالحة” بطلة العمل المتمردة على أعراف البادية فقد اخذت مساحة لا بأس بها لأن تقول ما لديها، ولا أظنها صورة نمطية لبنات جنسها في تلك الحقبة الزمنية، فصالحة المرأة البدوية أخذت جرأتها وشخصيتها المتمردة أولاً من أسلوب تربية أبيها حتى صار الناس ينادونها بـ “صالحة بنت أبوها”، وهو نموذج تم إغفاله في كثير من لكتابات التي صورت المرأة البدوية على أنها مسلوبة الإرادة.

الشخصية الرئيسية في روايتك هي صالحة، وهي امرأة بدوية. هذه المرة الأولى التي تكتب فيها رواية من وجهة نظر امرأة. هل مثّل لك ذلك نوع من التحدي؟ وكيف استطعت تجاوزه؟

سعود السنعوسي: نعم، كانت من أصعب التجارب كتابةً بالنسبة لي، أن تكتب بلسان ومشاعر امرأة بدوية عاشت قبل قرن من الزمان فالأمر بلا شك يُعد مغامرة بالنسبة لأي كاتب، ليس سهلًا أن تكتب بلسان ومشاعر الجنس الآخر، لا سيما إن كان ينتمي إلى حقبة زمنية لم تعايشها. كانت تجربة ثرية على صعوبتها، احتجت لقراءات كثيرة وتجارب معايشة الصمت في الصحراء واستشارة البعض من الصديقات لكي أوفَّق في فهم تلك الشخصية؛ علاقتها بالجنس الآخر، علاقتها بجسدها وعواطفها تجاه رضيعها الذي جاء بفعل اغتصاب جسدي. أتمنى أن أكون قد اقتربت من الصدق في كتابتها.

رواية <<ناقة صالحة>>.

أنت تكتب عن تجربة، حين كتبت رواية ساق البامبو، على سبيل المثال، عشت في الفلبين لفترة من الزمن. هل عشت في الصحراء لفترة حين كتبت <<ناقة صالحة>>؟ أخبرنا عن تجربتك هذه المرة. هل كانت مختلفة؟

سعود السنعوسي: لم أذهب إلى الصحراء من أجل كتابة العمل، إنما استدعيت تجاربي السابقة في الصحراء وبعض تدويناتي الشخصية التي كتبتها عن التجربة، ذلك التباين الكبير بين المدن الساحلية والصحراء، العزلة والصمت ووضوح الأشياء. ما كان للعمل أن يُنجز لولا تلك التدوينات الوليدة من تلك التجارب في الاقتراب من تلك العوالم.

يذّكرنا عنوان روايتك بناقة النبي صالح عليه الصلاة والسلام. هل كان هذا أمر متعمد؟

سعود السنعوسي: لم يكن متعمدًا في البدء، وكان العنوان في بداية الكتابة يراوح بين اثنين؛ “ناقشة الحناء” و “الثَّكلى والخلوج”، ولكن بدافعٍ من اسم الشخصية “صالحة” وما ترتب عليه من تسمية زوجها للأرض الغنية بالماء والخضرة “ديار صالحة” أي صالحة للحياة، اتخذت تلك التسمية المنشطرة في دلالتها بين صالحة الاسم وصالحة الأرض لصلاحها للحياة، فجاء العنوان في مرحلة متأخرة جدًّا من الكتابة، “ناقة صالحة” حيث أردت أن يكون العنوان مركبًا بين بطلتيّ العمل صالحة وناقتها وضحى، لأنهما في حقيقة الأمر شخصيةً واحدة دفعت الصَّبي طلال في نهاية الرواية أن يسأل سؤالًا مفتوحًا على كل الاحتمالات: “وهل هناك ثمة خلوج؟”.

نرى البحث عن الوطن والانتماء، يعود كمحور في هذا الكتاب مرة أخرى، كما رأيناه في بعض أعمالك السابقة. ما السر خلف تكرار ظهور هذا المحور في أعمالك؟

سعود السنعوسي: لأني مشغول بفكرة الوطن ربما، ذلك الذي لا أملك له مفهومًا واضحًا، فأستعين بالكتابة دافعًا لمحاولة الفهم. ربما يتكرر سؤال الوطن في كتابتي ولكني أحرص دائمًا أن يتجلى ذلك السؤال في صور عدًّة لعلَّ آخرها الحب الذي تناولته في سيرة صالحة وناقتها.

أخبرنا عن العمل الفني على غلاف روايتك. لماذا تعاونت مع الفنانة مشاعل الفيصل مرة أخرى، ولماذا هذا النوع من الفن الذي فيه مسحة من الحزن؟

سعود السنعوسي: أحب أعمال مشاعل الفيصل، هذا أولًا، فالأمر ينحى للذائقة الشخصية في جوهره، كما أني لا أبالغ إن قلت إن مشاعل تمنحني فرصة فهم النَّص كما لو لم أكن الكاتب. فإن مشاعل لا ترسم ما أمليه عليها من أفكار، إنما هي ترسم فهمها للنَّص دونما مباشرة تفسد ما يريد النَّص أن يقوله. عندما رسلت لي مشاعل لوح الكانفاس بالحجم الكبير للصورة التي رأيتموها على الغلاف، للفتاة ورضيعها، كان أول سؤال وجهته لها؛ وأين الناقة؟ أجابت مشاعل على الفور فهمها الشخصي للرواية: لا توجد خَلوج! انتهى الحوار وصار الغلاف على ما رأيتموه.

أغلب رواياتك تدور أحداثها في الكويت. هل هناك سبب وراء هذا؟ وحين تكتب اليوم، هل تكتب للجمهور العربي أم تأخذ في عين الاعتبار الجمهور من حول العالم، خاصة وأن بعض رواياتك قد ترجمت لعدة لغات؟

سعود السنعوسي: الكاتب ابن بيئته، وأنا أكتب ما أعرفه أو ما أقترب منه فهمًا، ثم أن بيئتي كما أي بيئة أخرى ثرية بخصوصيتها التي مهما اختلفت عن الثقافات الأخرى فإنها لا تخرج عن إطارها الإنساني الأكبر، لا أحمل هم القارئ الأجنبي ولا أتصور أن هناك قارئًا أجنبيًا وآخر محليًّا ما دمت أكتب للإنسان. الذي يجعلني أقرأ لكواباتا الياباني وغارسيا ماركيز الكولومبي وحمزاتوف الداغستاني والطيب صالح السوداني هو ما يدفع أي قارئ ليقرأ للكويتي أو غيره، الهم الإنساني في مجمله واحد يتجلَّى في صور مختلفة وفق الثقافات المختلفة للكائن البشري.

ألهمت أزمة كورونا العديد من الكتّاب للكتابة، سواء كانت بسبب التجربة الفريدة، أو لأنهم وجدوا متّسع من الوقت للكتابة. هل ألهمتك الأحداث لكتابة شيء جديد؟ وهل قمت بتدوين أحداث هذه التجربة؟

سعود السنعوسي: انصرفتُ في البداية، كغيري، بمتابعة إحصائيات منظمة الصحة العالمية، الأرقام والرسوم البيانية للإصابات والحالات الحرجة وحالات الشفاء والوفيات، وقتما استحال الإنسان رقمًا ينقص أو يزيد لا أكثر. لكن مع صدور قانون حظر التجول الجزئي صرتُ أولي اهتمامًا بما لن يتم تدوينه بلغة الأرقام، أرصد ما لن تتم أرشفته من انطباعات عامة حول سلوك البشر المتطرف في كل شيء وقت استشعاره الخطر؛ الأفكار والعواطف والسلوك الذي تمخضت عنها الأزمة العالمية؛ كالإيثار في أروع صوره والأنانية في أقبح تجلياتها والعطاء من دون مقابل والعنصرية تجاه الآخر والجهل في كيفية التلقي وردود الأفعال، سقوط المسلمات وإحياء الخرافات، سطوع نجم البعض وأفول نجم البعض الآخر، وإعادة ترتيب الأولويات. أما نية الكتابة عن هذا الحدث الكبير فهي غير موجودة في الوقت الحالي.

العديد من الكتّاب في المنطقة ينظرون إليك ككاتب ملهم. ما هي نصيحتك للكتّاب من المنطقة الذين يطمحون لكتابة رواية ترتقي للعالمية؟ ما الذي تتمنى أن تراه منهم؟

سعود السنعوسي: لا أظن أن تجربتي تؤهلني لإسداء نصيحة، وربما أن أول من يستجديها، ولكن إن كان لي أن أقدم شيئًا فهو رجاء لكل كاتب أو من يعتزم الكتابة؛ القراءة القراءة القراءة.

كم تستغرق من الوقت لصياغة رواية؟ وما هي البيئة المثالية التي تحتاجها لتساعدك علي فعل ذلك؟

سعود السنعوسي: لا بيئة مثالية للفعل الكتابي أهم من العزلة في مكان يفضي إلى التأمل والاحتشاد بتفاصيل النَّص من مكان وزمان وشخصيات بما تحمل من أنماط تفكير وسلوك. ولا يوجد وقت محدد لإنجاز عمل، لكل عمل ظروفه التي تختلف عن بقية الأعمال، أقصر مدة أنجزت فيها عملًا ككتابة مسودة أولى كان <<ناقة صالحة>> حيث لم تتجاوز كتابة الشكل الأول الشهر، وأطول فترة أستغرقها الآن في كتابة عمل تجاوزت الخمس سنوات.

عادة ما تتفادى الحديث عن حياتك الخاصة في حوارات سابقة، وبالأخص الأسئلة عن الهوية أو الانتماء الطائفي، أسئلة كانت تطرح عليك في السابق عند نقاش رواية <<ساق البامبو>> أو <<فئران أمي حصة>>. هل هناك سبب خلف ذلك؟

سعود السنعوسي: لا سبب إلا ما أعده تفاصيل على هامش الهامش، لا تعني القارئ في شيء ولا تضيف له ما ينفعه معرفيًا. للقارئ ما أعطيه من قلبي كتابةً، ولي هامشي الخاص الذي أمارس فيه حياتي مثل أي إنسان.


منار وشريفة الهنائي هن الشريكات المؤسسات لسكة.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.