ناس عدد الأمل

دانة العلي: متسلّقة القمم الإماراتية

"واصل المضي قدمًا" هو الشعار المترسخ في ذهن دانة.

.To read in English click here

بقلم جورجي برادلي

لم يكن تسلق الجبال واردًا على قائمة أحلام دانة في صباها، لكنَّه سرعان ما تطوَّر ليصبح كذلك. الصورة: دانة العلي.

“اِجرؤ على أن تكون مختلفًا”: عبارة تجسدّها الإماراتية دانة العلي بإجادة وجرأة تامة. إنَّ دانة قوة لا يُستهان بها: فهي أم لطفلين، ومهندسة في قطاع التكنولوجيا، ومتسلقة جبال تحفل سيرتها الذاتية المذهلة بأسماء قمم جبال حادة كالشفرة.

في شهر فبراير من هذا العام، وقبل أن تتسبب جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في وضع العالم أجمع في حالة إغلاق كلي، كانت دانة في جورجيا تخضع لبعض التدريب الأساسي على تسلق الجليد والصخور استعدادًا لتسلق جبل إيفرست في شهر مايو المقبل. أمَّا الآن، وبعد إلغاء الموسم كليًا حتى العام المقبل، كُتب لحلم دانة بأن تكون واحدةً من بين قلة قليلة من الإماراتيات اللائي تسلقن قمة أطول جبل في العالم أن يتأجل – للمرة الخامسة.

 لم يكن تسلق الجبال واردًا على قائمة أحلام دانة في صباها، لكنَّه سرعان ما تطوَّر ليصبح كذلك. أظهرت دانة براعة فطرية في الرياضة، وقالت: “لعبت الكرة الطائرة، وكرة السلة، وكرة اليد، وتلقيت دروسًا في التزلج الفني على الجليد أيضًا”، ثم تطوَّرت بعد ذلك للرياضات الخطرة.

استطردت دانة: “جربت كل شيء، من التزحلق على الجليد إلى الحصول على رخصتي للقفز المظلي الحرّ. لكن ما إن قررت أن أجمع بين شغفي للرياضة وشغفي للسفر، حتى قادني البحث لفكرة تسلق جبل كلمنجارو”– سقف أفريقيا.

في تلك المرحلة، كانت دانة غارقةً في المعايير الثقافية، وبالتالي في العقبات، حيث قالت: “ما إن بدأت بتسلق الجبال، وعَلِم مجتمعي بذلك، حتى حصلت على آراء متباينة؛ في الغالب لأنني امرأة، بل وأم لطفلين. لكنَّني كنت عاقدة العزم على أن أثبت للناس أنَّ المرأة العربية لا تزال قادرة على تحقيق إنجازات عظيمة في مسيرتها المهنية، وعلى أن تكون أمًا عظيمة، وعلى إلهام غيرها من النساء العربيات للسعي لتحقيق أحلامهن وعدم التراجع عن ذلك من جراء الصعوبات التي نواجهها من المجتمع في سبيل بلوغ ما نريده”.  

كان أول اختبار حقيقي لحماستها لتسلق الجبال، وأيضًا لتحديها لرد الفعل من مجتمعها، في عام 2013: حين قبلت تحدي تسلق قمة أعلى جبل في أفريقيا، وهو ما وصفته بقولها: “كانت تلك خطوة كبيرة ومهمة بالنسبة لي: كنت أعمل بدوام كامل، وكان عمر طفليّ آنذاك 3 و5 أعوام، وكانت فكرة أن أبتعد عن طفليّ مدة أسبوع تُقلقني. لكنني أقنعت نفسي بأنَّني موجودة لأجلهما دائمًا، وأنَّهما سيبقيان الأولوية في حياتي، فلا بأس بالابتعاد عنهما لذلك الأسبوع فقط. وكان الفضل في ذلك يرجع أيضًا للدعم الهائل الذي حصلت عليه من عائلتي؛ فقد كنت أعلم أنَّ والديّ وأختي سوف يعتنون بهما جيدًا جدًا”.

منذ قهرت دانة قمة جبل كلمنجارو، حظيت بفيض مستمر من النجاحات بالارتفاعات العالية: قمة جبل البروس في روسيا عام 2015، وجبل أكونكاجوا في عام 2017 – كلاهما من القمم السبع في العالم؛ وهدف يسعى متسلقون عديدون لسحقه. ومع أنَّ العديد من المتسلقين (خصوصًا من النوع الزائف الذي يمتلك المال الجاهز ببساطة) يذهبون في رحلاتهم من أجل تعظيم الذات ونيل مجد الفوز باللقب، فإنَّ دانة تتخذ موقفًا أكثر احترامًا تجاه هذه الرياضة، انطلاقًا من مبدأ “الصبر فضيلة”.

لقد شكَّل اكتساب قوة التحمل والمثابرة منحنى تعلّم حاد بالنسبة لدانة: ففي كل رحلة توشك دانة على الذهاب فيها، تحرص بلا كلل على تحديد تدابير الصحة والسلامة المطلوبة بها؛ وهو ما يُهدّئ من روع والدها، مهندس الصحة والسلامة، حيث تذكر: “نجلس سويًا ونتناقش في الأمر، بحيث لا أثقف نفسي فحسب، بل وأنقل تلك المعلومات لأفراد عائلتي أيضًا”.

يُقال إنَّ المرء إذا ما ولع بتسلق الجبال، بانتظاره رحلة شاقة نحو القمة – حرفيًا! تقول دانة: “كانت عائلتي تظن أنًّني إن تسلقت جبل كلمنجارو، فإنَّ هذا الولع سيتلاشى من عندي، وسيُطوى هذا الفصل من حياتي. لم يكونوا يعلمون أنَّها ستكون بداية مسيرتي نحو جبل إيفرست! مع ذلك، عائلتي هم أكبر داعميّ، وهم فخورون بما حققته من إنجازات”.

أمَّا خارج إطار العائلة، فقد وجدت دانة العزاء والدعم في منصة Top of her Game لإرشاد النظيرات؛ وهي بمثابة مساحة تتيح للمرأة العربية تحقيق طموحاتها. قالت دانة: “كان لتلك المنصة دور بالغ الأهمية في انطلاق حملتي لتسلق جبل إيفرست بنجاح. لقد كانت كريستينا يوانيدس، الرئيسة التنفيذية للمنصة، إحدى ركائز الدعم الثابتة لي: كانت مستشارتي التجارية ومرشدتي وصديقتي، وساعدتني على الاحتفاظ برصانتي خلال هذه الرحلة المليئة بالتقلبات”.

"واصل المضي قدمًا" هو الشعار المترسخ في ذهن دانة.
“واصل المضي قدمًا” هو الشعار المترسخ في ذهن دانة. الصورة: دانة العلي.

لقد كانت دانة تتوقع أن تتسلق قمة جبل إيفرست في هذه الفترة، إلا أنَّ العوائق المتوقعة – من الحصول على الرعاية المالية، أو عدم امتلاك ما يكفي من أموال، أو مشكلات استصدار التصاريح، أو محاولة أخذ إجازة من العمل، أو حتى التوقيت السيء ببساطة (مثل أزمة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) التي نمر بها حاليًا) – قد أجَّلت حلم دانة بتحقيق ذلك.

غير أنَّ الرحلة علمتها الكثير عن نفسها بالفعل، حتى وإن كانت لم تبلغ الغاية بعد؛ فمثلما يمكن أن تتغير أحوال الطقس على الجبال، الأمر نفسه ينطبق على الظروف عند مستوى سطح البحر. قالت دانة: “لقد تعلمت أنَّني لست شخصًا يتخلى عن أحلامه بسهولة، مهما استغرق بلوغها من وقت أو جهد!”.

ولا تتمثل مهمة دانة – بصفتها شخصية رائدة في المجتمع – في تمهيد السبيل أمام غيرها من النساء العربيات اللاتي يطمحن لتسلق الجبال فحسب، بل أيضًا في أن تكون قدوة عامة يُحتذى بها لكل من لديه “جبل إيفرست شخصي” يتعين عليه تسلقه. في الواقع، #personaleverest هي حملة ترأستها مع كريستينا لصالح منصة Top of Her Game، لأنَّ “الكل لديه جبل شخصي يتعين عليه تسلقه في حياته: قد يتمثل في التخرّج في المدرسة أو الجامعة، أو ارتقاء السلم الوظيفي، أو تجاوز ألم فقدان شخص عزيز عليه، أو التغلب على مشكلة صحية ما؛ إنَّ تلك تحديات حياتية حقيقية نواجهها جميعًا، ولكن عندما نتغلب عليها، نشعر وكأننا قد اعتلينا قمة جبل. إن كان بمقدوري التأثير على غيري من النساء العربيات لكي ينطلقن ويحققن أهدافهن وأحلامهن، فإنَّ ذلك سيكون – بالنسبة لي – إنجازًا عظيمًا كإنجاز تسلق جبل إيفرست”.

“واصل المضي قدمًا” هو الشعار المترسخ في ذهن دانة. صحيح أنَّها لا تستطيع التنبؤ بالمستقبل فيما يتعلق بمتى سوف يتسنى لها تسلق جبل إيفرست، إلا أنَّها تستطيع القول – عن اقتناع راسخ – إنَّ إصرارها سيثير الحماسة لدى طفليها لكي يطاردا أحلامهما.

إذ قالت: “لا شيء يستحق العناء يأتي بسهولة. ولكن مع اتباع المعادلة الصحيحة، مازال بإمكان المرأة أن تكون أمًا عاملة وأن تحقق أهدافها؛ لأنَّها إن حققت ذلك، سوف يتخذها أبناؤها قدوةً لهم يومًا ما، قائلين إنَّهم اتبعوا أحلامهم لأنَّها اتبعت حلمها”.


هذه المقابلة تُرجمت من اللغة الإنجليزية.

جورجي برادلي محررة وصحفية بريطانية – يونانية تقيم في دبي بعد قضاء فترة في البحرين (وهي لا تزال تتردد عليها شهريًا). رفع أصوات صناع التغيير في المنطقة هو ما يحفزها

إن وجهات نظر المؤلفين والكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.