ناس عدد الأمل

تعرفوا على المرأة التي ترسم ملامح متاحف الشارقة

منال عطايا مسؤولة عن إدارة وتطوير ١٦ متحفًا في الشارقة.

. To read in English, click here

بقلم لارا برنت

إنَّ طلب أن تخبرنا منال عطايا، خريجة جامعة هارفارد والمديرة العامة لهيئة الشارقة للمتاحف، باسم أكثر متحف يعجبها في العالم، أشبه بأن نطلب من أم اختيار طفلها المفضل. تقول منال: “أكره أن أكون من أولئك الذين يقولون إنَّه سؤال تصعب الإجابة عنه، لأنَّه كذلك فعلاً – ولست أحاول أن أكون دبلوماسية في ردَّي؛ لم أصادف متحفًا مثاليًا قط – إنَّني أجد نقاط قوة في مختلف أنواع المتاحف لمختلف الأسباب”.   

منال عطايا مسؤولة عن إدارة وتطوير ١٦ متحفًا في الإمارة. الصورة: هيئة الشارقة للمتاحف.

بعد مناقشة مزايا متحف تيت مودرن في لندن ومتحف الفن الحديث في نيويورك، تستقر منال أخيرًا على متحف تشيتشو للفنون في اليابان. المتحف من تصميم المهندس المعماري الحاصل على جائزة بريتزكر، أندو تاداو، ومُقام على جزيرة نائية. يعتمد هذا المتحف المُقام تحت الأرض على الإضاءة الطبيعية وحدها لإضاءة الأعمال الفنية التي يحتوي عليها . تقول منال: “إنًّ متحف تشيتشو يكاد يكون تجربةً مقدسة بالنسبة لي. فمن الناحية التجريبية، هو جميل من كل الجوانب؛ في حين أنًّ المتاحف الأخرى عادةً ما تتقن جانبًا واحدًا أو جانبين “. إلا أنَّها تعترف أنَّ الجانب السلبي الوحيد للمتحف هو صعوبة الوصول إليه.

تُعد منال – البالغة من العمر ٤٠ عامًا – مؤهلة قطعًا لإلقاء نظرة ناقدة على المؤسسات الثقافية العالمية الكبرى. مجرد رحلة عائلية لمتحف التاريخ الطبيعي في لندن في عمر التاسعة أشعلت فيها حُبًا للمتاحف دام طوال حياتها. وبعد دراسة الفن في كلية هاميلتون في نيويورك ونيل درجة الماجستير في دراسات المتاحف من جامعة هارفارد في عام ٢٠٠٤، عادت منال للإمارات العربية المتحدة، وعُينت كنائبة مدير هيئة الشارقة للمتاحف في عام ٢٠٠٥، ثم ترقت لمنصبها الحالي في عام ٢٠٠٨، لتصبح المسؤولة عن إدارة وتطوير١٦ متحفًا في الإمارة، من بينها متحف الشارقة للفنون ومتحف الشارقة للحضارة الإسلامية المرموقين.

متحف الشارقة للفنون. الصورة: هيئة الشارقة للمتاحف.

كما هو حال العديد من المؤسسات في جميع أنحاء العالم، أبواب متاحف الهيئة مغلقة حاليًا من جراء جائحة فيروس كورونا المستجد ؛ الأمر الذي أجبر العاملين في المتاحف على التفكير في طرق مختلفة للتعامل مع عامة الجمهور. تقول منال: “مع أنَّنا استقبلنا أكثر من مليون زائر لمتاحفنا في العام الماضي، مازال أمامنا تحدي جذب الناس للمتاحف. لطالما كانت لدينا طريقة للقائهم خارج أسوار المتاحف – في مركز التسوق مثلاً أو في المركز المجتمعي أو عند الذهاب إلى المدارس. لكنَّ حين نمر بموقف كالذي نمر به الآن، فإنَّ [البرمجة الافتراضية] تتيح إمكانية أن يظل الفن موجودًا في حياة الناس”.

إلى جانب شراكة قائمة مع منظمة متحف بلا حدود، تُقدَّم الهيئة جولات افتراضية في معرض مؤسسة برجيل للفنون، مع جولات إضافية لصالات عرض متحف الشارقة للفنون ومتحف الشارقة للحضارة الإسلامية من المتوقع أن تدخل حيز التشغيل الشهر الجاري. ويستخدم فريق العمل على مواقع التواصل الاجتماعي الوسم MuseumFromHome# ليشارك الناس المجموعات الفنية المختلفة عبر موقع إنستقرام، في حين أنَّ ورش عمل حرفية مستوحاة من البرامج التثقيفية الشاملة التابعة للهيئة ستكون متاحة قريبًا عبر موقع يوتيوب.

حتى مع الاعتماد الاضطراري على شبكة الإنترنت، مازالت منال مؤمنة بشدة بأهمية التجربة المادية للمتاحف؛ إذ تقول: “إنَّني أؤمن بأنَّ زيارة المتاحف تمثّل تجربة فريدة وخاصة للغاية لكل فرد، ويمكن أن تستمر في التجلي على مر الوقت. بالنسبة للعديدين، المتحف ليس مكانًا لرؤية الفن، بل مكان للفعاليات المجتمعية واللقاءات الاجتماعية؛ وهذا هو الجانب الذي لا تستطيع التكنولوجيا أن تساعدنا في استعادته حقًا. لكنَّنا بدأنا نتعلم الكثير من هذه التجربة، وأعتقد أنَّه ستكون هناك جوانب سنواصل استكشافها في المستقبل”.

منال عطايا مؤمنة بشدة بأهمية التجربة المادية للمتاحف. الصورة: هيئة الشارقة للمتاحف.

بعيدًا عن تحديات الوباء العالمي، ما هي أبرز المشكلات التي تواجه المتاحف في القرن الحادي والعشرين؟ تقول منال: “هذا سؤال مهم، ويختلف فعليًا من دولة لأخرى. لكن بوجه عام، أرى أنَّها تتضمن التعامل مع جماهير أكثر تعقيدًا، وإعادة النظر في تجربة المتاحف بحيث تكون أقل رسمية، وتحديات الميزانية والتمويل المحدودين، والسؤال المتعلق بما إذا كان ينبغي على المتاحف أن تطرق للقضايا الاجتماعية والسياسية – من قبيل تغيّر المناخ وأزمة اللاجئين – وكيف ذلك”.

وبينما توفر التكنولوجيا فرصًا مشوّقة للمتاحف، تعتقد منال أنَّها تحمل خطر الإفراط في رقمنة تجربة الزوار؛ حيث تقول: “أينما سافرت في العالم، أبحث عن المتاحف التي تقدَّم تجارب رقمية أو بالذكاء الاصطناعي تحديدًا لأنَّني أحب رؤية كيف سيستجيب الناس لها. إنَّني أؤمن تمامًا [أنَّ التكنولوجيا] بإمكانها أن تضيف قيمةً للتجربة، لكنَّني في أغلب الأوقات أراها لا تُستعمل سوى بطريقة تجعل الأشياء تبدو عصرية، لكنَّ التجربة لا تكون كذلك في نهاية المطاف”.

إذن، كيف للمتاحف أن تنافس الثقافة الدارجة أو ال pop culture في العصر الرقمي؟ تقول منال: “لا أنظر لنفسي على أنَّني أنافس الثقافة الدارجة: كلنا مستهلكون لها، سواءً بمحض اختيارنا أم لا شعوريًا. يجب علينا أن نجد طريقة لإقامة تلك الروابط حيثما أمكن، وأن نحاول استخدام الاستراتيجيات ذاتها التي من شأنها أن تضفي جاذبية، مثلما تفعل الثقافة الدارجة. بإمكان المتاحف أن تضفي تغييرًا إيجابيًا على حياة الناس فعلاً، وأفضل الزيارات هي تلك التي تُحدث تغييرًا بطريقة أو بأخرى؛ بأن يصبح تفكير المرء أو شعوره مختلفًا حيال شيء ما “.

تعد منال عطايا بطلة وقدوة للنساء في مجالها. الصورة: هيئة الشارقة للمتاحف.

تُعد منال بطلة وقدوة للنساء في مجالها: إذ إنَّها إحدى أوائل النساء – وأصغرهن – التي تم تعيينهن في مستوى تنفيذي رفيع في إمارة الشارقة. وفي عام ٢٠١٥، أطلقت مبادرة توجيهية لتحفيز النساء لتولي المناصب القيادية في الهيئة. تقول منال: “لقد فتحنا باب المبادرة للرجال أيضًا في الآونة الأخيرة؛ لأنَّني أؤمن – بصفتي كنسوية  – بأنَّه لابد من التركيز على تساوي الفرص والموازنة بين الجنسين في كل جانب ممكن؛ فنحن جميعًا حلقات في السلسلة، ولن يُكتب لنا النجاح إلا إن عملنا سويًا”.

تستعين المديرة العامة أيضًا بمهارات القيادة القائمة على القيم والتي تركز على العمل التي تعلمتها خلال فترة زمالة استمرت لعامين في معهد أسبن؛ الذي يشجّع القادة على الاستفادة من أثرهم الاجتماعي. وتُعد مبادرة “متاحف على الطريق” التي أطلقتها الهيئة العام الماضي إحدى تلك المبادرات التي تركز على المجتمع، فهي عبارة عن حافلة تم تحويلها إلى متحف متنقل تزور المدارس في المناطق الوسطى والشرقية من الإمارة.

“متاحف على الطريق” التي أطلقتها الهيئة العام الماضي إحدى تلك المبادرات التي تركز على المجتمع: فهي عبارة عن حافلة تم تحويلها إلى متحف متنقل تزور المدارس في المناطق الوسطى والشرقية من الإمارة. الصورة: هيئة الشارقة للمتاحف.

تقول منال: “لقد علمني معهد أسبن أنَّ بمقدور شخص واحد تنظيم الآخرين وتوزيعهم بحيث يكون لهم أثر كبير  على الناس حقًا؛ سواءً من الناحية الاقتصادية أم التعليمية. وفي العام الماضي وحده، أثّرنا على ٧٠٠٠ طالب وطالبة بفضل المتحف المتنقل”.

في الوقت نفسه، تؤمن منال أنَّ المسيرة المهنية الناجحة في القطاع الثقافي تعتمد بقدر كبير على نظرة المرء، مثل التعليم، وتوجّه نصيحة قائلةً: “لكي يبلى المرء بلاءً حسنًا في هذا المجال، يجب أن يكون شخصًا يفهم أنَّ ما يفعله هو من أجل الآخرين، ويجب كذلك أن يكون على استعداد للتعاون مع الآخرين وتبادل الإرشاد. لم تكن هذه قط وظيفة يجني المرء من ورائها أموالاً طائلة بالضرورة، لكنَّها مُرضية ومجزية للغاية”.

لمزيد من المعلومات عن متاحف الشارقة، يُرجى زيارة الموقع الإلكتروني  sharjahmuseums.ae


هذا المقال تُرجم من الإنجليزية.

لارا برنت صحفية بريطانية-استرالية. سبق أن كتبت لصحيفة The Telegraph، موقع The Lonely Planet، و The Traveller.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.