كورونا آراء

كورونا أعاد لي جزءًا من الذاكرة

جزءٌ من الذاكرة عاد لي وأنا أرى أمي تجلس في منتصف "الحوش" وفي يديها مشط وزيت.

بقلم أسماء العبيدلي

” جزءٌ من الذاكرة عاد لي وأنا أسمع ضحكات وصراخ أطفال جيراننا ” . الصورة: Shutterstock.

جزءٌ من الذاكرة عاد لي وأنا أتحوَّط بعائلة كاملة دون أن ينقص منها شخص واحد، بعذر الأصدقاء أو الدراسة أو العمل.

صرنا نسأل عن بعضنا بعضًا، ونبحث عن بعضنا بعضًا، كي نتشارك فيلمًا أو طعامًا أو ” فيديو كول ” مع أحد أقاربنا.  

جزءٌ من الذاكرة عاد لي وأنا أرى أبنائي لأول مرة ينتبهون إلى شجرة التوت التي في منزلنا، ليتحوَّل قطف ثمارها روتينًا بعد صلاة العصر، بتلك الأقدام الخالية من الأحذية، والشعر المموَّج، و ” جلابية ” المنزل، بتلك الصرخات، حين يحصل أحدهم على التوت الأكثر إحمرارًا كي يصبح سيد المنزل إلى آخر اليوم، كي يغيظ الجميع من أجل توتة، ويغتاظ الجميع بالفعل.

جزءٌ من الذاكرة عاد لي وأنا أسمع ضحكات وصراخ أطفال جيراننا، وأرى أبنائي يتساءلون بشوق عن تلك الكائنات في ذاك المنزل، كي يصبح حلمهم الأجمل هو اللعب مع ” أبناء جيرانهم ” الذين لم يحصلوا على شرف اللقاء بهم إلى الآن.  

جزءٌ من الذاكرة عاد لي وأنا أرى أمي تجلس في منتصف ” الحوش ” وفي يديها مشط وزيت، تبحث هنا وهناك عن فتاةٍ ” كشه ” كي تُرتّبها، بتلك الرائحة التي أعادتني إلى طفولتي، بنفس الحناء التي أراها على يديها، وبنفس الضفائر التي يستحيل أن تتأثر بأي شيء، تظل كما هي حتى المساء.

جزءٌ من الذاكرة عاد لي وأنا أرى رجال المنزل ينشغلون في تفاصيل المنزل، كالسطح والزراعة وتصليح ” السياكل ” .

جزءٌ من الذاكرة عاد لي وأنا أرى شاي العصر أصبح مهمًا للدرجة التي تُغضِب الجميع إذا تأخرنا في تقديمه!

جزءٌ من الذاكرة عاد لي وأنا أرى التوبيخ يعلو لمن أخرَّ صلاته، وأرى المصاحف تتوزع علينا كل جمعة، كي نذكِّر بعضنا بعضًا بسورة الكهف. تلك التساؤلات والتذكيرات .. ” هل قرأت الأذكار؟ “، ” أنا أقول استغفر أحسن لك ” ، ” صلّوا القيام قبل النوم ” ، ” اذكروا الله ” ، ” صلّوا على النبي ” ، ” أحس هالآية تشرح وضعنا الحالي ” ..أصبحنا نتفكر بالآيات يا ” جماعة ” .

جزءٌ من الذاكرة عاد لي رغم بساطة الحوارات التي استجدت والتحليلات الملغَّمة بالنكات والحقائق، من أفواهٍ كانت لا تتحدَّث كثيرًا، والآن صارت تتحدَّث، بعد أن رأت أن كل الأخبار التي في ” السوشل ميديا ” أصبحت متكررة، فقرَّرتْ ترك الهاتف والظهور على مسرح الحياة الحقيقية.

جزء جميل من الذاكرة قد عاد..  

إن وجهات نظر المؤلفين والكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

أسماء العبيدلي كاتبة من دولة الإمارات العربية المتحدة