كورونا ثقافة وفن

دروس من ملاك في أزمة كورونا

" لقد كانت ملاك بيتنا على حق.. كل دروسها لنا أثمرت اليوم.. "

بقلم عائشة أحمد الجابري

الصورة: Shutterstock.

اليوم هو الرابع عشر منذ استقرار جميع أفراد أسرتي في المنزل بلا استثناء؛ أمي وأبي وشقيقتي وأشقائي الأربعة وزوجة أخي. نعيش هذه الأيام لحظات استثنائية، والأهم أننا نعيش هذه اللحظات بمشاعر حب ومودة وراحة وأمان. 

في كل يوم ينصب تركيزنا على أحد أفراد الأسرة خشية أن يصاب بالإحباط نتيجة الحجر المنزلي ونهرع جميعًا لإلقاء النكات وإطلاق الضحكات وخلق جو من المرح لكي يعود كما كان. 

اخترنا في الجمعة الأولى أن نتدارس العبر .. فكانت الإجابة الموحدة منا جميعًا: أجمل شيء أننا جميعًا مع بعضنا البعض. 

جاء اليوم الذي يليه محمّلاً بقليل من اليأس والاضطراب على وجوه بعضنا بسبب أرقام الإصابات المتزايدة.. فتأتي ملاك بيتنا لتذكرنا بأننا لا زلنا بخير.. نحن أفضل حالاً ما دمنا معًا.. كيف لو كان أحدنا خارج المنزل اليوم؟ نحن بخير لأننا ملتزمون بأن نحافظ على المجتمع.. نحن بخير لأننا بكامل صحتنا العقلية والجسدية.. نحن بخير ما دمنا نستطيع أن نذكر الله وندعوه ونتوب إليه.. 

ثم جاء اليوم التالي وقرر أخي وأختي التطوع في خدمة المجتمع هذا الوقت تحديدًا.. لقد أرادوا أن يصنعوا شيئًا في وقت الأزمات. أرادوا صناعة فرق أكبر بالمشاركة.

ويمر اليوم تلو الآخر.. نسمع صوت أبي يقيم الصلاة ليؤم أشقائي الأربعة ويرتل الآيات وكأننا نسمعها لأول مرة.. أرى شقيقتي تتأهب للتخرج عن بعد بشهادة البكالوريوس من جامعتها، وأرى أخي آخر العنقود يخط بقلمه الأرقام والمعادلات في حصة الرياضيات أثناء التعلم عن بعد. أما زوجة أخي فهي تؤدي رسالتها التربوية وتلعب دوراً عظيماً وهي في بيتها.. 

فكما أن الجنود المجهولين كثر، كان أخي أحدهم عندما يترتب عليه البقاء في وظيفته في هذه الظروف الصعبة بعيدًا عنا بضعة أيام ليعود لنا وقد استلم زميله مهامه ليكمل رد الجميل. 

بقيت ملاك بيتنا.. أمي.. 

أمي في زمن كورونا تعلمنا دروس عظيمة كبقية أيام العام.. لقد علمتنا أن الدعاء يصنع المعجزات، وأن وجودنا بجانب بعضنا فوق كل شيء، وأن اتصالنا بأرحامنا رحمة، وأن الالتزام بالقانون ولاء وانتماء واحترام، وأننا نعيش في وطن عظيم، وأن كل شيء سيعود أفضل مما كان.. ستغمرنا المنح وسنتغير للأفضل وأنه الوقت الأمثل لمراجعة ذواتنا، لنتفكّر في نعم الله وفضله ونحمده في السرّاء والضرّاء والبلاء. 

لقد خيّمت طاقة الحب على بيتنا.. جميعنا نصنع شيئًا ما.. لم تتحقق النكات التي سيطرت على مواقع التواصل الاجتماعي بأن الأزواج لن يحتملوا العيش مع بعضهم، وأننا عديمي الصبر، وأن أفراد الأسرة سيتعرفون على بعضهم من جديد.

لقد جاءت الأزمة لتخبرنا بأننا نعرف بعضنا جيدًا، وأننا نحب ونخاف على بعضنا، وأن القادم سيكون جميلاً.. لقد جاءت الأزمة لتخبرنا أن الحياة الاجتماعية على مستوى الأسرة مهمة كأهمية التواصل مع الخارج، وأن للأصدقاء قيمة عظيمة، وللجار حقُّ الوصل، وتجمّعنا كأسرة بمثابة جنّة، وأن العمل لا يتوقف مادام الشغف والإخلاص حاضرين، وأنه بإمكاننا العيش بدون الكثير من الكماليات التي ظننا أن الحياة بدونها مستحيلة.

لقد كانت ملاك بيتنا على حق.. كل دروسها لنا أثمرت اليوم.. لقد صنعت أسرة مختلفة في زمن كورونا.. 

وفي السطر الأخير، نحن نصنع قصتنا التي نرغب بعيشها في كل الظروف.

إن وجهات نظر المؤلفين والكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

عائشة أحمد الجابري كاتبة اماراتية صدرت لها ثلاثة مؤلفات : هكذا تشرق الروح ، والقائد الذي ألهمني ، و تحت الظل