كورونا ثقافة وفن

العزلة: فرصة للتعرف على عوالمنا الداخلية

" الحياة بعد هذه الأزمة لن تكون نفسها "

بقلم يوسف الرحبي

حلّ ضيفٌ ثقيل علينا مؤخرًا، بعُث ميّتًا من عمق الشرق الآسيوي، أصاب رئة العالم بالمرض في عدة أيام فأغلَق الأعمال، وأوقف الرحلات القادمة والمغادرة، امتلأت المطارات بالمساحات الخاوية وتوقفت الإذاعات المدرسية عن النشيد بسببه، أخذ يشغل المنظمات الحكومية واللاحكومية والهيئات الخاصة والعامة، شلّ الحياة أمام الجميع، استنفذ طاقة الأطباء، وعسكر الحدود فتوّج نفسه كعدو البشرية جمعاء.  

كأمواج البحر، تسببت هذه الأزمة بالكثير من الأحداث والأخبار المتتابعة التي قد تغمر مشاعرك وتصيبك بالحيرة، تنتشر أسرع من الفيروس نفسه فلا تكف عن السُعال فوق اطمئنانك، قِناعُك لا يخدعها، تتبرأ من يدك إذا ما لامست وجهك، تصاب بحُمّى الإشاعات، فيتفشى في جسدك الهلع، تفرضُ الحجرعلى نفسك منها، وتتخذ العزلة لقاحاً لك.

بعد عدة أيام منذ بداية العزلة، بدأت أشتاق أمورًا لم أعتد على اشتياقها، فالطريق من وإلى العمل مثلاً كان يعطيني وقتاً أكثر لأستمع لأغنية أدندن ألحانها، أو أركز مع ” بودكاست ” تجذبني حواراته، وأحيانا يصحبني صمت المسافة لكي يعيد إليّ طاقةً خسرتها لكثرة الاجتماعات واللقاءات. من المُسلّمات التي تمُرُ بدون تقديرها هو الوقت الذي يمضي بسرعة، فمعظم هذه الأوقات تمضي عندما  نقوم بفعل ما نحب القيام به من أعمال وهوايات، أو الخروج بصحبة أصدقائنا وأحبابنا؛ الجلوس معهم في العمل، في الكافيه، في السينما أو في قمة نهاية العالم. هذه أحبُ الأوقات.

الجانب المشرق أن هناك الكثير من الفوائد التي حصلت جرّاء هذه العزلة، فالآن أتيحت لنا فرصة قضاء وقت أكثر مع العائلة، نقضيها في محاولة استرجاع قصص الطفولة، لعب الورق وكشف الغشّاشين بيننا، وطبعًا محاولات التطفل على أدوات المطبخ ” لطبخ ” تحلية سقطت فيها ملعقة الملح عن طريق الخطأ. الأكل والشرب والنوم هم الفرسان الثلاثة في هذه الأزمة، قد تكون محظوظا بامتلاك ضمير يقظ يوقفك عن الأكل والنوم. 


مثل بطوننا، اُتخمت جداول أعمالنا بفراغ في الوقت بدل الطعام في هذه العزلة، أتيحت لنا فرصة للقيام بكثيرٍ من الأمور التي كنا نجد أن الوقت هو أحسن أعذارنا لها. حان الوقت الآن لقراءة تلك الكتب المتراكمة مثل أحد معابد المايا، يمكنك قراءة ” مائة عام من العزلة ” أو  ” اختراع العزلة ” إذا ما قررت أن تتهكم على الوضع، أو مشاهدة مسلسل أزعجك صديقك لمتابعته، أو ممارسة هواية جديدة، أو استغلال الوقت لتنمّي مهارةً عملية قد تساعدك في كسب دخل جانبي.   

أصبحت الكثير من الأمور خارج مقدرتنا، فاضطررنا للعمل عن بعد، أمرٌ أتاح للبعض فرصة لإعادة حساباته عن كيفية القيام بالكثير من أعماله. إعادة التفكير في ما كنت تفعل وما كنت لا تفعله قبل العزلة ليس مقتصرًا على الأعمال فحسب، فهي فرصة لمعرفة عوالمك الخاصة من مشاعر وآراء، وإعادة تقييم لذاتك خصوصًا أن هذه الأيام مليئة بالمشاعر المختلطة، فما قد تراه في منصات التواصل قد يحزنك أو يضحكك أو يصيبك بالهلع. ابدأ بتأمل لكيفية التعامل مع كل هذه المشاعر كي تقي نفسك أخطارها الخفية.

في أول يوم بعد انتهاء هذه الأزمة، بعد أن أحتضن كل أحدٍ أراه أمامي، سأذهب لأرتمي في أحضان رمال البحر، أتمدد مع موجه، أتسابق مع نسيمه، وألقي بالتحية على أسماكه.. سأسير حافيّ القدمين من شطّه لشطّه، وأُلسعُ تحت شمسه الحارقة، سأحرص على أن يسمرّ وجهي؛ دليلاً على أني حرٌ أخيراً. 

لا بأس من الخوف من المجهول فهو واقع يجب علينا أن لا ننكره، الحياة بعد هذه الأزمة لن تكون نفسها، فمثلما تغيّرت الأحوال الآن لن نبقى على حالنا بعدها، فالتغيير هو المجهول هنا. سيأخذ منا الكثير من الوقت حتى تعود الحياةُ لطبيعتها، ولكن إلى حين ذلك اليوم استمع إلى أغنية -ونصيحة- فيروز و ” خلّيك بالبيت ” .

إن وجهات نظر المؤلفين والكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

يوسف الرحبي يعمل مسؤول الخدمات في الردهة عُمان