كورونا آراء

شكرًا كورونا على الدروس والعبر

هذه الأزمة اختبار لتهذيب النفس. ما لا يعجبنا من أوضاع صحية أو مالية٬ ولو لم تكن بأفضل أحوالها٬ فهي أماني وأحلام أشخاص آخرين.

بقلم جاسم المازمي

“علينا جميعاً النظر إلى ما قد فات كدروس وعِبر وأخذها بعين الاعتبار.” الصورة: Shutterstock

يحدث في زمننا الحالي أن على جميع أفراد المجتمع الالتزام بالتعليمات والتوجيهات التي تنص على عدم الخروج من المنزل إلا للضرورة القصوى أو الخروج للعمل، وهو أمر غريب، فلم يخطر في بال أحد منا أنه قد ينال يومًا الثناء والشكر والتقدير على الجلوس في المنزل.

الشعور بالخوف بات يسود جميع البلدان التي غزاها فيروس كورونا، فترى الناس تراقب أخبار بلدان لا لهم فيها أهالي ولا أصدقاء خوفاً من عواقب مخاطرة أفرادها على حياتهم، فتبادل الناس الأحاديث والقصص والرسائل على منصات التواصل الاجتماعي التي في مضمونها أن لا تقلقوا، فجميعنا نخوض هذا الأمر وسنجتازه جميعاً ولا تفرقة بين، جنسية وأخرى أو جنس أو عرق أو عمر أو شكل، فالجميع متكاتفون في مواجهة عدو واحد.

اليوم هو التاسع أو العاشر من عزلتي عن الحياة العامة. وضعي الصحي سليم بفضل من الله، ولا أشعر بأنني أواجه صعوبة في تقضية الأيام. وأشعر بأن علينا جميعاً النظر إلى ما قد فات كدروس وعِبر وأخذها بعين الاعتبار.

مبدئيًا٬ قد نضطر إلى التنازل عن أولوياتنا قبل كورونا لفترة معينة ولا أرى في ذلك خطأ. قبل كورونا كنت مخصص كل وقت فراغي فقط للرياضة ولا شيء آخر وهذا ما أرهق جسدي لأني لم أكن أعطي نفسي مجال للراحة. والآن أرى بأنني قد فرّطت في الكثير من وقتي في سبيل لياقتي حين كان من الممكن أن أمارس الرياضة وأنظّم وقتي بحيث يوفر لي المساحة للاطلاع والقراءة ومجالسة أهل العلم والمعرفة. وكذلك مجالسة الأصحاب على مدى تلك السنين سلبت مني الوقت الذي كنت سأقضيه في تقوية علاقاتي بأخوتي الصغار. الآن أزمة كورونا توفر لي فرصة لمراجعة تلك الأمور.

أيقنت أيضًا بأن العائلة هي الملاذ الآمن للفرد. عندما تشتدّ الصعاب، وعند الحزن، قد تخجل من السؤال أو الطلب من غريب لمساعدتك، وعند الشعور بالمرض فلا تتوقع أن يكترث أحد لوجعك سوى عائلتك. حين أراجع نفسي الآن، أرى أنه من المخجل أنني كنت أمكث أغلب أوقاتي خارج المنزل وأن أفضّل لمّة وجمعة الأصدقاء على الأهل والأقارب.

أيقنت أيضًا أن الرضا هو مفتاح السعادة، والنجاة في المحن. فهذه الأزمة اختبار لتهذيب النفس. ما لا يعجبنا من أوضاع صحية أو مالية، ولو لم تكن بأفضل أحوالها، فهي أماني وأحلام أشخاص آخرين. إذا عوّدنا أنفسنا على الرضا التام واستيعاب كم نحن محظوظون، فسنستطيع التلذّذ بتفاصيل الحياة كل يوم.

التسلّح بالأمل والتفاؤل يدفعاني لخوض عدة تجارب في هذه الحياة والتوكل على الله يزيدني يقيناً بأن كل الأمور التي أمرّ بها في جميع الأوقات هي خير لي ودروس للتفكّر في قوّته وجبروته مهما بلغنا من تطور وعلم وثقافة. فثقتي بالله عزّ وجلّ كبيرة بأن هذا الوضع سينتهي في وقت ما وسنعود للاستمتاع بالحياة بمجمل تفاصيلها.

وأخيرًا وليس آخرًا، لا يوجد وقت كالآن لنقدّر جهود من هم في الصف الأول كالطاقم الطبي والمسعفين. ففي السابق كانت لدينا حرية اختيار اليوم والوقت المناسب لمقابلة الاستشاريين والمختصين لغرض الاطمئنان على صحتنا ونرى أنهم منعّمين في مكاتب ولديهم من يعاونهم في الإجراءات كالممرضات. اليوم، جميع هؤلاء يدافعون ويضحّون بأنفسهم لمصلحتنا دون الاكتراث لخطورة الأمر ودون التفكير بأنفسهم، فكيف لنا أن نوفيهم حق التقدير على نبلهم وطهر قلوبهم التي سخروها للدفاع عن الجميع؟

وفقني الله وإياكم في تخطي هذه المرحلة بسلام، وحفظ الله أحبائي وأحبائكم.

إن وجهات نظر المؤلفين والكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

جاسم المازمي كاتب من دولة الإمارات العربية المتحدة