كورونا آراء

كيف ينجو الكتّاب من أزمة كورونا؟

هذه السنة مُقدّرة للإبداع، للتواصل والتعارف الاجتماعي والروحي، لتجديد عقود محبتنا لأحبتنا والقلم في آن واحد.

بقلم فدوى الطويل

الصورة: Shutterstock

قبل أن تبدأ الأزمة ببضعة أشهر، كنت قد قدمت استقالتي من وظيفتي كي أتفرغ للكتابة بشكل دائم. لم أكن أعلم وقتها بأن العالم سينهار وأن الكتابة ستكون طوق النجاة الوحيد للكتّاب! فكما قال كافكا: “قوام حياتي كان دومًا، ومازال، هو الكتابة، وفي الغالب الأعم لا أكتب إلا محاولات فاشلة. لكني حين لا أكتب، أتهاوى أرضًا، أًصير غير صالح إلا للكنس.” فصار دور الكاتب في هذه الأزمة العالمية هو أن يستمر في الكتابة.


ما أثار انتباهي في الفترة الأخيرة منذ بدء الأزمة؛ أنني لم أتأثر بشكل سلبي بقدر تأثر زملائي الكتّاب والعاملين بوظائفهم اليومية من مدير مشروع أو اخصائي تغذية أو محامي أو صيدلاني أو معلّم وغيرها من الوظائف في الدوائر الحكومية أو الخاصة، حيث أنني كنت وما زلت أكتب كل يوم، وذلك يعود لاستقالتي المبكرة، ولاعتيادي على الروتين الجديد الذي خلقته لنفسي منذ وقت طويل؛ بمعنى أنني قد هيأت نفسي مسبقًا للحياة الخالية من أي تدخلات سوى تلك التي تتعلّق بالكتابة والكتابة وحدها. أي عمل أقبِل عليه الآن حتى وإن كان وظيفي، فيجب أن يكون لصالح الكتابة، ككتابة الإعلانات، أو الحملات الإعلامية، أو النصوص التلفزيونية وغيرها من الأعمال الكتابية، وما بينها أعود لكتابة روايتي الجديدة فهي بالنسبة لي خط ثابت أسير عليه بشكل يومي وبقية الأعمال مجرد منحنيات ستعيدني للطريق الأساسي : الرواية.


ما حصل في أزمة كورونا، هو أن بقية الكتاب قد فقدوا بشكل مفاجئ مكانتهم الوظيفية، ساعات عملهم المعتادة، لقاء زملاء العمل، فنتج عن ذلك فراغ كبير جدًا لا يُسد سوى بالكتابة، ولكن لكي يصل الكاتب إلى هذه المرحلة من التعبئة السريعة لعلب الفراغ؛ فهذا بحد ذاته جهد عسير. أتذكر جيدًا كيف أصابني التوتر حين استقلت من وظيفتي واتخذّت الخطوة الكبرى في تحضير نفسي للكتابة بشكل دائم، وأخذ مني الأمر بضعة أسابيع حتى أنساب في الفكرة وتناسب بي، وقت طويل لأتصالح مع أن جهازي المحمول سيكون هو رفيقي الدائم على مدار اليوم، وأنني يجب أن أبحث عن عشرات المقاهي كي أجد ذاك المقهى الواحد الذي سيلهمني بهدوئه وطاولاته الغير مهزوزة، وأنني سأحارب الضجر أحيانًا رغمًا عني؛ لأنني اتخذت هذا القرار رغبة مني. أما بقية الكتّاب اليوم؛ لن يكن القرار رغبة منهم، بل جُبروا عليه. ولم يختاروا المقهى المفضل لديهم، بل حُجروا منزليًا. ولم يعدوا خطة مسبقة لمحاربة الضجر فجاءهم على غفلة منهم.


بكل بساطة، لم يتغير شيء من حياتي اليومية سوى أنني بدلًا من الجلوس في المقهى، أخذت جهازي المحمول للصالة. وبدلًا من القهوة المعدة من قبل الباريستا، اشتريت آلة القهوة وأعددتها بنفسي وبدا ذلك في الحقيقة أكثر متعة. ولم تنقص أعمالي الوظيفية بل ازداد الطلب عليها نظرا لرغبة الشركات والجهات الحكومية والقنوات الإعلامية لكتاب متفرّغين يمكنهم الكتابة من منازلهم لدعم الحملات الإعلانية لأزمة كورونا، سوى من الناحية الوقائية أو الأمنية أو الاجتماعية.


في ليلة الأمس تاريخ 21\3\2020، وللمرة الأولى منذ وقت طويل تجتمع العائلة في مكان واحد دون أن ينقصنا فرد. في الأمس، كنت أمسك بهاتفي لتوثيق كل اللحظات ليس بهدف المشاركة، بل كي لا تفلت من يدي! في الأمس، على الرغم من الأوضاع الراهنة في العالم، وفي البلاد في الأخص حيث قرروا حظر التجول في الكويت، إلا أننا كنا في قمة سعادتنا. للمرة الأولى في الأمس رأيت والدي يرقص مع أمي؛ تساءلت، أفرحة والدي بيوم الأم أم لأننا كلنا تواجدنا حوله؟ في الأمس، كانت أختي تنظر بكل حب إلى زوجها وهو يعزف على آلة العود ليرفّه عنا؛ تساءلت، أتبتسم هي للأغنية أم له؟ في الأمس، كان ولد أختي يركض فرحًا حول حمام السباحة؛ تساءلت، أيقوم بتصوير فيديو لبرنامج تيك توك أم لأن الأمان يغمره فحسب؟ في الأمس، سهرنا جميعا في الديوانية حتى الثالثة فجرا، كنت أقرأ رواية (قواعد العشق الأربعون) وأمي تعبث بهديتها الجديدة (أيفون 11) وأبناء أختي يلعبون (انحش يا الذيب) في المنتصف، بينما يلعبون الشباب (البلاي ستيشن) و والدي يدخل ويخرج للاطمئنان علينا، أما أختي ذهبت للمطبخ لإعداد الوجبات الخفيفة لنا والقهوة؛ تساءلت، لو لم تكن أزمة كورونا حاضرة، هل كان سيتكرر هذا المشهد مجددًا؟

هذا السؤال هو الذي سيتسبب في تكوين الفارق في حياة الكاتب على مدار سنة كاملة، تلك التفاصيل العائلية هي التي ستدخل في نصوصه، في شرحه للأحداث، في تكونيه للشخصيات، في نظرته لمائدة الطعام، لجلسة الظهيرة، لشاي المغرب، للرسائل الكونية لأحاديث الأطفال العابرة، لارتباط الأم بأبناءها، وحنان الأب، للزعل والرضا، للقهوة والشاي ربما، كل تلك التفاصيل سيتم استخدامها في طريقة أو أخرى في قصة قصيرة أو رواية أو خاطرة.. في ظل هذه الظروف سيصعد الخيال الإبداعي للكاتب إلى أقصى مراحله.


على الكاتب أن يلتقط اللحظات كالفراشات الطائرة؛ فهو في منتصف حديقة الفراش. أن يتذكر جيدًا بأن في هذه الأوقات على الألعاب أن تخرج للطاولة، وعلى الأحاديث أن تُشارك، وعلى الضحكات أن تُسمع، وعلى الحب على يُبادل، فهذا كله سيكون في سبيل العائلة أولا ومن ثم في سبيل القلم.


هذه السنة مُقدّرة للإبداع، للتواصل والتعارف الاجتماعي والروحي، لتجديد عقود محبتنا لأحبتنا والقلم في آن واحد، لننتبه، لنقدّر التفاصيل، لنعلم بأن فرحة الوالدين هي جمعة أبنائهم، وفرحة الأبناء هي صحة والديهم؛ فيجد القلم طريقه لشرح ذلك في نص إبداعي؛ كيف للفرحة وجوه؟ كيف تبدو الفرحة بوجه الوالدين مختلفة عن فرحة الأبناء على الرغم بأن الموقع واحد، والطعام واحد، والأجواء واحدة والأزمة واحدة! لما للفرحة وجوه؟


أدركت بأنها السنة التي سيرمّم فيها الكاتب قلمه عن طريق إعادة ارتباطه بعائلته، إنها السنة التي لا تحمل عوامل داخلية مؤثرة بقدر العوامل الخارجية، لذلك سيقع العاتق على كتفه بشكل كامل لتحمّل مسؤولية نشر الحب في أرجاء المنزل، وأنه مع عائلته سيمرّون خلال أكبر أزمة من أزمات البشرية، ليوثّقها بشكل إبداعي على الورق بمساندة عفوية من أفراد العائلة هذه المرة؛ ولن يكون ناقد آخر، أو أديب آخر، أو دار نشر أخرى.


إن الكاتب في هذه الأزمة يمتلك أعلى فرصة نجاة؛ تلتف حوله الأفكار كطوق يسبح به إلى اليابسة.


فقط عليه أن يلتقط اللحظات كالفراشات الطائرة؛ فهو في منتصف حديقة الفراش. أن يتذكر جيدًا بأن في هذه الأوقات على الألعاب أن تخرج للطاولة، وعلى الأحاديث أن تُشارك، وعلى الضحكات أن تُسمع، وعلى الحب أن يُبادل، وعلى القلم أن يستمر في الكتابة.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

فدوى الطويل كاتبة وروائية من الكويت٬ نُشرت لها روايتان “حدث في سوهو” و “انتحار جماعي في هاريانا”.