ثقافة وفن عدد الوطن

كيف أصبح التلفاز صلتي بوطني

" أشعر برابط يربطني بالأشخاص المعروضين على الشاشة "

.To read in English click here

بقلم نور الصايغ

عمل فني للسعودية نوف الاسماعيل.

ملئني الحماس عند استعدادي للسفر للخارج لمدة عام للاشتراك في دورة للكتابة. لذا أسرعت بالتسوق لشراء ملابس قبل شهور من ميعاد رحلتي؛ فاشتريت حذاء أسود ذو رقبة طويلة وتنانير تبدو وكأنها أُخذت من فيلم رومانسي من التسعينات،إضافة لبعض السترات الجلدية التي كنت وما زلت أرى أنها رائعة، وربما انتابتني تلك الفكرة بعد مشاهدتي للممثل جون ترافولتا أثناء لعبه لدور داني زوكو بفيلم ”جريس “ . وكانت تجربتي لطريقة جديدة لارتداء الملابس هي إحدى الأمور التي كنت أتطلع للقيام بها في لندن.

أنا أعشق ارتداء الملابس وتنسيقها بوجه عام، ولكنني أيضًا كنت على وشك تجربة ذلك في دولة أخرى وذلك أشد ما أثار حماستي،  ذلك أنني كنت لن استكشف مكان جديد فحسب بل سأصحبه أيضًا باكتشاف حسي للموضة، بل وكذلك في طقس بارد منحني سببًا إضافيًا لشراء ملابس جديدة، فبلدي -وهي الإمارات العربية المتحدة- تتميز بطقسها الحار. لا تسيئوا فهمي، فأنا أعشق الصيف وفترات النهار المشمسة والتمتع بالشاطئ، وأعشق الشمس عندما تكرمني بلمساتها الدافئة لتمنح جسدي لونًا برونزيًا طبيعيًا لامعًا، فأنا واحدة من الناس الذين لا يشعرون براحة إلا في سمارهم. ولكن وجودي في بلد بارد الطقس كان فيه شيء من التجديد الذي كنت لطالما اشتاق له.

فضلًا عن الملابس الجديدة والطقس الجديد، شعرت بحاجتي لتحسين لهجتي البريطانية، ولكن ليس لأتحدث بها، إنما لأفهمها، فأنا أعاني لفهمها عندما أشاهد برامج تلفازية باللغة الإنجليزية. لذا كنت قلقة من ألا أفهم معلميني عندما يتحدثون معي. ولكن من باب الإنصاف، فإن البرامج التي شككتني في قدرتي على فهم تلك اللهجة كانت برامج درامية تاريخية يتحدث أبطالها بلهجات وكلمات قديمة لا تُستخدم حاليًا في الواقع. وبالرغم من ذلك، فقد كنت مدركة أن ما يقلقني هو نفسه ما يثير حماسي، فقد كنت أتطلع لأي شيء جديد مهما كان. لذا حزمت حقائبي وانطلقت.

أثار وجودي في لندن حماسي وطرت فرحًا بإقامتي في شقة تخصني وبكوني مسؤولة عن حياتي، فأنا أعشق أن أفعل ما أحب دون أن أضطر لسماع آراء ستدخلني في شجارات مع أي فرد من أفراد أسرتي. فقد اعتدت أن أصرح بآرائي بطريقة واضحة تنتهي بإثارة غضبي لأن النقاش دومًا ما يقود لخلاف ينتهي على نحو سيء يشعرني بالذنب، فأحبس نفسي في غرفتي وأتظاهر أنني لا أهتم بوجبة العشاء، وهو الأمر الذي لا استمتع به (خاصة إذا كنت قد خططت وجبة عشائي منذ الإفطار). ولا أستطيع أن أتحكم في غضبي إلا إذا سمعت الأمر الصحيح -أو الأمر الذي ظننته صحيح على أي حال – ومهما حاولت أن أمنع لساني من الانزلاق ينتهي بي الحال دومًا بالتصريح بكل آرائي التي كافحت طويلًا لكتمها.

استمتع بحقيقة أن شقتي دافئة، وبالالتفاف ببطانيتي التي طلبت من أختي أن ترسلها لي خصيصًا من أبوظبي. قبل أن أستكمل حكايتي، أود أن أشير بأنني أعرف ما تفكرون به، وهو أن كل شيء يباع في لندن،  فلماذا طلبتي من أختك أن ترسل لك ببطانية عبر القارات والبحار؟  ولكن دفاعًا عني، أود أن أقول إن هذه البطانية على وجه الخصوص تمنحني دفئًا لا تستطيع أي بطانية أخرى منحه لي، فما الحكمة إذًا من شراء بطانية جديدة لن تؤدي وظيفتها، صحيح؟ والآن سأعود لمدح شقتي التي تتمتع بكل ما أتمناه. كذلك يجب أن أذكر عادتي في ترك التلفاز مشغل لأكبر وقت ممكن حتى وإن لم أكن أشاهده،  ويجب أن أشغله على قناة معينة ولا قناة سواها. وأظن أنني أقوم بهذا لأنني أشعر برابط يربطني بالأشخاص المعروضين على الشاشة. فالتقط جهاز التحكم عن بعد وأرفع صوت التلفاز وأصواتهم وكأنني أقول لهم ”تحدثوا بصوت عالي يمكنني أن أسمعكم به “. فأسمعهم وأنا أغسل الفاكهة، وأسمعهم وأنا أعمل على حاسبي الشخصي، وأسمعهم وأنا ذاهبة لغرفتي لأستمتع بقيلولة، حتى أنني أسمعهم وأنا أمارس التمارين الرياضية. فكل ما أقوم به يصبح أسهل طالما أسمعهم يتكلمون. وعندما تدق ساعة شقتي الساعة 13:45 ، يشير التلفاز بأن الساعة 17:45، وبهذا أعلم أن الشمس تغرب هناك. وأدرك أن الممثلين الذين يلعبون دور تلك الشخصيات التي تظهر على شاشة التلفاز غالبًا يستيقظون حينها من قيلولتهم ويستعدون لأداء الصلاة الرابعة لهذا اليوم، ويدوي في أذني نداء ” الله أكبر ” المميز لأذان الصلاة من المسجد المجاور لمنزلي.

لا يتوقف الأمر عند معرفتي لما يحدث وقتها بل أستطيع أيضا أن أشم ما يُطهي، وأن أشم رائحة إعداد القهوة العربية، وشاي الكرك بالزنجبيل. أستطيع أيضًا أن أسمع صوت خطوات مربيتي وهي تصعد درجات السلم حاملة صينية عليها تلك المشروبات وبجانبها بعض البسكويت، وأسمع دقات جرس الباب فأعلم أنه مندوب المتجر المجاور لنا يوصل لنا جبنة كرافت وخبز. فنحن نستغل هذا المتجر أسوأ استغلال، لا لشيء سوى أنه مجاور لمنزلنا، فلا نتردد في الاتصال به لطلب أقل شيء نحتاجه، حتى أنني أؤمن بأن صاحب هذه البقالة يمكنه أن يربح ويزدهر من مشتريات عائلتي فحسب. وأعرف أن في هذا الوقت على وجه التحديد ربما تكون والدتي جائعة، لذا تطلب أختي من المتجر خبز وجبن أو تصبيرة لأن مربيتي تخبرها أن التصبيرات نفذت من عندهم. كما أستطيع أن أسمع أختي وهي تركض لدرجها لتحضر بعض الدراهم لتدفع ثمنهم. وأستطيع أن اسمع مربيتي وهي تستعجلها لتأتي بالنقود سريعًا لأن رجل التوصيل يشتكي من انتظاره في حرارة الجو بالخارج. بل وأستطيع أيضًا أن أسمع نفسي وأنا أصيح عليهم من داخل غرفتي ليخفضوا أصواتهم.

 أستطيع رؤية نفسي -خلف الشخصيات التي تظهر على شاشة التلفاز – جالسة في غرفتي الصغيرة في منزلي. وأسمع نفسي صارخة على أي شخص خارجها ليخفض صوته. فأمسك جهاز التحكم عن بعد وأضغط على الزر لأرفع الصوت ولكنه لا يعمل، فأضغط أقوى وأقوى لكي أسمع أصواتهم ولكنه يصر على ألا يرتفع أكثر. فقبل عام من الآن وجدت نفسي أشتاق لتجربة شيء جديد، ورغم جمالك يا لندن إلا أن جمال الوطن لا ينازعه أي جمال!

هذه المقالة مترجمة من اللغة الانجليزية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

نور الصايغ كاتبة إماراتية حاصلة على درجة البكالوريوس في علم النفس والخدمات الإنسانية. لقد وجدت شغفها من خلال الكتابة وكتبت مجموعة من الأفكار بينما عاشت لفترة قصيرة في لندن. نور شغوفة بالعمل الخيري وبدأت مشروعها الخاص بعنوان “رسائل من نور” حيث تكتب كلمات مشجعة للناس ، مؤمنة بالحديث النبوي: ” الكلمة الطيبة صدقة ” .