آراء عدد الوطن

" أن يعمل المرء بعيدًا عن المنزل يعني أن يعمل في مكان لا ينتمي إليه"

خواطر مهندس شاب .

.To read in English click here

بقلم محمد المحياس

الصورة: Shutterstock .

أحيانًا، عندما أكون وحدي في سكن عملي، في المساء في غرفتي الصغيرة، أجلس على فراشي وأحدّق في انعكاس شاشة تلفازي المُطفأ، وأسأل نفسي: ” لماذا اخترت هذا المسار؟ لماذا اخترت العمل في مكان بعيد كل هذا البُعد عن أسرتي؟ ” لقد كان قرار العمل على بُعد مئات الأميال من أسرتي أحد أهم القرارات المصيرية التي اتخذتها في حياتي، وما زلت لا أدري إن كنت قد أصبت أم أخطأت باتخاذه؛ فالعمل بعيدًا عن الأسرة والأحباء قرار لابد من إعادة التفكير فيه مئات المرات قبل اتخاذه.

بعد تخرجي من الجامعة في عام ٢٠١٥، كنت متحمسًا بشدة للمساهمة في الشركة التي أعمل بها. ونظرًا لخلفيتي ومهاراتي كمهندس بترول وغاز طبيعي، ظننت أنَّ العمل في مجال النفط سيكون أنسب مكان يتيح لي أن أضيف قيمة للشركة؛ فقد كنت أراه أكثر تحديًا. لن أنسى أبدًا حين بكت زوجتي في أول يوم خرجت فيه للعمل، حيث كانت الليلة الأولى التي سوف أقضيها دونها منذ زواجنا؛ هدأت من روعها وأخبرتها أنَّ كل شيء سيكون على ما يرام.

على مدار الأعوام الأربعة التي قضيتها في حقول النفط، اكتسبت خبرة في عملي، وقابلت أشخاصًا ذوي خبرة بمجموعة متنوعة من التخصصات والخلفيات، وتعلمت الكثير منهم. وبفضل ثقة الإدارة ودعمها، توليت مسؤوليات كثيرة، وأصبح مشرفي يعتمد عليّ لإتمام المهام الصعبة والحرجة، إضافةً إلى كوني الشخص المفضَّل لتأدية العروض التقديمية أمام الإدارة التنفيذية وفي الاجتماعات. باختصار، حياتي المهنية ناجحة، وأنا أفتخر بذلك.

من الناحية الأخرى، لاحظت أنَّني كنت أفوّت العديد من الأحداث المهمة التي كنت لأحضرها لو كنت اخترت العمل بمكان أقرب إلى منزلي. بدأت تفوتني حفلات الزفاف، والتجمّعات العائلية، والمؤتمرات والاجتماعات المهمة. بالإضافة إلى ذلك، لم أقابل العديدمن أصدقائي كثيرًا كما كنت قد اعتدت من قبل، وفاتني حفل تخرّج ابني من روضة الأطفال مع أنَّه كان حدثًا أردت حضوره بشدة؛ فأنا أرى أنَّ حضور هذا النوع من الأحداث يحمل معنى لدى أطفالنا، ويجعلهم يشعرون أنَّهم حققوا إنجازًا عظيمًا، ففي النهاية، الأشياء الصغيرة لها أهمية. أتذكر أنَّني كنت على وشك الذهاب للعمل ذات يوم، فسألني ابني: ” أبي، لماذا تذهب إلى العمل؟ ” . قلت له إنَّني أريد كسب المال كي أشتري له الألعاب وألعب معه في مدينة الملاهي، فكان ردّه: ” أنا لست بحاجة إلى المال، لديّ مال بالأعلى. أرجوك لا تذهب ” . في هذه اللحظة، فكرّت بيني وبين نفسي: ” ما الذي أفعله؟ ” . وعندها، بدأت أعيد التفكير في الاختيار الذي قررته.

أتفهم أنَّ البعض يفضّل العمل في حقول نفط بعيدة عن المنزل لأنَّه مُجزي أكثر من الناحية المادية، علاوةً على وجود إجازة مدة أربعة أيام، وهذه ميزة بالنسبة للكثير. العديد من أصدقائي يحبون العمل في حقول النفط، ويعتبرونه أفضل من العمل في بيئة عمل مكتبية روتينية، وهو ما يمكن تفهمه كليًا، ففي الوظيفة الميدانية يكتسب المرء خبرة أكبر من ناحية العمليات، حيث يتولى شخصيًا الإشراف على العمليات بالغة الأهمية، ويتسنى له اكتساب المعرفة حول كيفية عمل الأدوات وصيانتها والمحافظة عليها، ويتحمل المسؤولية عن ضمان سلامة طاقم العاملين والمعدات في الموقع، وهو ما يشكّل تحديًا لكنَّه يثبت أنَّ المرء مؤهل ومؤتمن لشَغل هذا المنصب الحرج. لقد وجدت أنَّ العديد من زملائي يستمتعون بتولي هذا النوع من المهام، غير أنَّني أعتقد أنَّ كل هذا له ثمنه، وهو ثمن باهظ.

أن يعمل المرء بعيدًا عن المنزل يعني أن يعمل في مكان لا ينتمي إليه، إذ إنَّ المرء ينتمي إلى أسرته وأحبائه، وينبغي له أن يقضي معظم وقته برفقتهم. المال مهم في حياتنا بكل تأكيد، وكلنا نريد وظائف بدخل أكبر، لكنَّ المال ليس كل شيء. أنا أحترم الأشخاص من جميع أنحاء العالم الذين هم مستعدون للتضحية بالكثير وقطع آلاف الأميال لغرض واحد، ألا وهو توفير أفضل حياة لأحبائهم. مع ذلك، أؤمن حقًا كذلك أنَّ ما من شيء سيُسعد المرء أكثر من قضاء الوقت برفقة مَن يحب. ففي نهاية المطاف، الحياة قصيرة. لذلك، سأترك لكم هذا السؤال: هل أنتم مستعدون لمساومة البقاء قرب المنزل والأسرة مقابل إمكانية الترقي الوظيفي؟ 

هذه المقالة مترجمة من اللغة الإنجليزية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

محمد المحياس مهندس نفط وغاز طبيعي إماراتي يقيم في أبو ظبي. إنه مهتم بالقضايا التي تهم مجتمعنا (خاصة قضايا الشباب) ، وكيفية إيجاد حلول لها.