أدبيات عدد الوطن

" تُرى ألهذه الدرجة الانتماء مؤلم ؟ "

قصة خيالية قصيرة بعنوان " وبدأ الصقيع "

بقلم فاتن مسلم العبدالرزاق

عمل فني لهناء كاظم من البحرين.

مع ارتفاع كل موجة بحر هي تنهيدة ثقيلة من امرأة محزونة تجلس على سطح قارب وبداخلها عرمرم من المشاعر المختلطة. كل هذه التنهيدات التي تتناسق باتجاه السماء، تتجمع بالغيوم وتتزاحم قبل هبوب العاصفة الهوجاء. يا إلهي ويا لغضب الطبيعة الذي ينصب على هذه الأرواح البشرية! القارب يميل يمينًا وشمالاً ومع كل ميلة يبدأ الصراخ، بينما الأم تتشبث بولدها، والابن بأمه، والأب يحيط بالأسرة، عل وعسى أن يشعرون بالطمأنينة وهم معلقون بين السماء والماء. ما كان لهم حلٌ غير مناجاة رب العباد، وبلمح البصر تداخلت الأصوات ببعضها وتبعثرنا فوق المياه.

من جهة دفعتني الأمواج، فأتى الحنين وشدني إلى جذوري وذكرني بليالي الصيف الممتعة بين الأهل والخلان، والركض بين شجيرات اللوز والتفاح، فتلاشى كل شيء حين وجدت نفسي تحت الماء غير قادرة على التقاط أنفاسي التي تسارعت مع الخوف والهلع، محاولةً بكل جهدي التخبط بين الأمواج للإمساك بطرف خشبة أو مجداف. مع أصوات الموج والعاصفة والعويل والتهليل وكأنها ساعة الحشر، بين كل هذه الأصوات سمعت أمي تنادي صغيرتها، أختي التي هي بعمر الحرب. كلما نزل رأسي بالعمق تحت الماء قلت في نفسي إنها لحظاتي الأخيرة، لكن الحياة كانت لسبب غامضٍ تعيدني إلى الأعلى. بعد عدة مرات، لمحت أختي ثم عاد الموج من فوقي. في تلك الثانية كان كل شيء من حولي يسحبني إلى قعر البحر، كأنما الحياة فقدت الأمل واستغنت عني أخيرًا. أو هكذا ظننت، حتى شعرت بأحد يمسكني من زندي، فتبسمت وأنا من تحت الماء أشد.

مشوقةٌ هي الأحداث.. صحيح؟ قد يتعاون كاتب ومخرج لينتجا بها مشهدًا أو مسرحية. ماذا لو أخبرتكم أن حكايتي أطول بكثير، أنها ” تصلح اليوم لأكثر من كتاب؟ ” جلست لأكتبها رواية، فاحترت ترى أين البداية؟ هل أبدأ من يوم الوداع؟ آه من يوم الوداع! يومها نظرت خلفي بعد أن تركت روحي في أزقتك يا مدينتي بين البيوت المتكدسة.. يومها نظرت خلفي موقنةً أني قد لا أعود لهذه الأرض الطاهرة يومًا. ترى أي الأحداث أصعب؟ وداعنا، ضياعنا، غرقنا، هروبنا، تشردنا، مرضنا، أم أخيرًا وصولنا؟

  رحلتي.. رحلتنا.. رحلتنا إلى المجهول.. نحن الذين غادرنا مرغمين، فما لي أنا بنت الأربعة عشر عامًا أواجه مخاطر العالم، فنعم أنا قد حملت همًا أكبر من عمري. كيف ألخص لكم حلمنا، حلمنا الذي ركبناه ستة ونزلناه أربعة؟  ها نحن قد وصلنا، بعدما رأينا الموت ورفَضَنا، وصلنا لبلاد تأملنا فيها الكثير، وصلنا إلى حُلمنا الكبير. اليوم قد أكملنا عامًا مُقتلعين من جذورنا، مجردين من سعادتنا، مأسورين بماضينا، مشغولين بأسئلة كثيرة ” هل نستنا حجارتك يا بيتنا؟ ما حل بياسميناتك من بعدنا؟ من يقطنك اليوم غيرنا؟ “. ما زالت تؤلمني فكرة أن الياسمينات التي في بيتنا قد ذبلت، ما زالت تجرحني. أنا ما زلت أعيش في الزمن الذي مضى، أنا أسافر يوميًا إلى أحبتي في خيالي، ويوميًا يمر أيضًا شريط عمري الجميل ليلحقه الوجع ولحظات الهلاك، حتى أصل أخيرًا إلى واقعنا المرير. ليتني أفقد الذاكرة، الذاكرة كلها، الذكريات كلها، ليتني أنسى المآسي التي مررنا بها، وأتجرد من الماضي الذي أحن له. أحاول أن أسلم نفسي للقدر، وأن أقتنع، لكن ماذا عن وطني الأم؟ لمن تركناهُ؟  ترى ألهذه الدرجة هو مؤلمٌ الانتماء؟ أحاول يوميًا إقناع نفسي بـ ” وطني الجديد ” لكنه صعب على من قد عاش في الوطن القديم.

أعدكم برواية طويلة، روايتي أنا..روايتنا نحن.. تحت عنوان ” وبدأ الصقيع ” . سأكتبها بعد أن أُنَظِّمَ نومي، وبعد أن أشفى من حمى شوقي، وبعد أن أعتاد على شوارع ” وطني الجديد ” الذي منحني شفقةً اسم ” لاجئة ” . أعدكم، لكن ليس الآن، فأنا من عام لم أنم، وأنا من عام لم أشعر بالدفء، كيف أنام ووسادتي الحنين؟ كيف أدفأ وغطائي الذكريات؟  باردة هي الغربة لو تعلمون، قاسية ليالي البعد آه لو تدركون.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

فاتن مسلم العبدالرزاق طالبة سورية في المرحلة الثانوية لها شغف للكتابة. حازت على المركز الأول في جائزة القصة القصيرة لطلبة المدارس عام ٢٠١٨ ولها مشاركات في أمسيات أدبية. تطمح فاتن للدخول في عالم الصحافة والإعلام مستقبلًا.