أدبيات عدد الوطن

” هل سيبدأون بي أم بأبي؟ أم لعلهم سيقتلون أمي أولاً؟ “

قصة خيالية قصيرة بعنوان " جذور تطلب الرحمة ".

بقلم منيرة درع

الصورة: Shutterstock.

برؤية أمي جبين أخي المبتل بعرقه الكثيف، تزيح خصال شعره الأسود بعيدًا عن جبينه، وتمسح وجهه الصغير، تَسْرَحُ قليلاً، فأسألها ” هل عاد أبي؟ ” تهز رأسها بالنفي، ثم تمسح جبين أخي، تعيد شعره للوراء، تمسح وجهه، تهزه، ترفع غطاء شعرها المسترخي على كتفيها، تَسْرحُ قليلاً ثم تعيد الكرة. كنت أراقبها بعينين مثقلتين بالنعاس حتى مل النعاس من مراقبتها وسمح للنوم بأن يستحوذ عليّ. لم أنم جيدًا تلك الليلة، فقد حلمت بجذور بنية قديمة عمرها آلاف السنين، تتسلق خارجة من عظام ظهري، تتحدث بلهجة غريبة لكنها تبدو مألوفة، ينغرس بعضها في الأرض ويدخل بعضها الآخر في أحشائي، تفك حمضي النووي وتعيد ترتيبه، تتفرس في جسدي ثم تنقض عليه، تشد وثاقها على رقبتي، تنحشر داخل أنفي وتضغط بأطرافها على عينيَ، تتجمع في آخر حلقي وتخنقني، تبكي بداخلي كعجوز يائسة، وأنا أغرق في دموعها، تنادي أحدهم، تبكي وتنادي، وأنا أغرق وأغرق في دموعها حتى لم يعد بالإمكان الغرق أكثر. صحوت وكان أخي قد مات.

في الصباح علقت أمي أخي على ظهري بقطعة قماش كما كانت تفعل عندما تضطر لتركه معي، أخبرتني بأن أبي قد عاد لكنه مريض جدًا، يبدو أنه لم يتمكن من إنقاذ أخيه، لقد قتلته سنينه الواحد والعشرين، أم لعلها أحرقته بما بقي من النار التي أضرمها الرهبان في أرضنا ومنزلنا القديم، فعلى هذه الأرض أبناء جلدتي يُقتلون عندما يبلغون الواحد والعشرين، وحتى لا يبقى منهم شيء تحتفظ به هذه الأرض وتتذكرهم به يُحرَقُون أو يُعلقون على جذوع الأشجار لتأكلهم الغربان. طلبت مني أمي أن أسلم أخي لخالي وهو سيبقيه عنده حتى الليل، ثم سيتسلل به إلى قريتنا القديمة- أو ما بقي منها- وسيحرص على أن يدفنه في مقبرتنا الطاهرة حيث سيرقد في سلام. أكدت عليّ أن لا أخبر أحدًا بأنه مات. سيحومون حول أمي لو علموا بأنه مات وبأنها قد تسعى للإنجاب مجددًا ليحرموها من التفكير في إنجاب طفل جديد، وهذا القانون هنا، ورغم أن أمي كادت لتفعلها إلا أنها ما كانت لتفعلها الآن ونحن على وشك الهجرة.

” فعلى هذه الأرض أبناء جلدتي يُقتلون عندما يبلغون الواحد والعشرين، وحتى لا يبقى منهم شيء تحتفظ به هذه الأرض وتتذكرهم به، يُحرَقُون أو يُعلقون على جذوع الأشجار لتأكلهم الغربان “

حملتُ أخي ومضيت به حيث يمكث خالي. لم يلحظ أحد أنني أحمل جثة، لكني كنت أشعر بثقلها يتضاعف مع كل خطوة. لم يكن وزن أخي يتضاعف حقًا، لكن الحزن كان يتكدس فوقه، كل تلك المرات التي حملته فيها على ظهري وهو يلعب ويتنفس ويتحرك، ينام ويسيل على كتفي لعابه اللزج، أو يتبول وتفاجئني حرارة بوله على ظهري، كل تلك المرات التي شد فيها شعري أو زاد حجم الثقب في قميصي، كل تلك المرات التي تنفس فيها قريبًا من رقبتي، وكل تلك المرات التي كان فيها حيًا، تطرق رأسي كمطرقة من مطارق الرهبان وتنخره كمساميرهم الحادة، ثم تشد ما بقي مني للأسفل وتثقل خطواتي. بالكاد أوصلت أخي لخالي وسلمته إياه وتسلمت منه نصيحة وحيدة، عمياء وعرجاء لكنها كل ما يملك، لم يكن يعرف على وجه التحديد إلى أين سنهاجر ولا أي مخيم دولي على طرف حدود ما يفترض به أن يؤوينا، لكنه كان قد سمع أنها خدعة، إننا نساق للموت، ” المخيمات معدة للموت ” كما قال، يتجمع اللاجئون فيها ويتركون في انتظار الأعاصير والفيضان ليبتلعهم، إنها خطة لتقليص عددنا، إنها كذبة لإسكاتنا، للتخلص من عبئنا وللتخلص منا. ” لا تذهبوا ” هذه نصيحته، لكني نسيتها في الطريق.

” لم يلحظ أحد أنني أحمل جثة، لكني كنت أشعر بثقلها يتضاعف مع كل خطوة “

يفترض بنا أن نتحرك ليلاً ونتسلل إلى مراكب معدة لتخليص هذا الشعب الذي يكرهنا من همنا، هذه المراكب نفسها ستلقي بنا همًا على شعب آخر سيكرهنا حتمًا، وكأن أرضنا التي عشنا عليها قرونًا وقرونًا ليس لها رأي في تهجيرنا. أراهن على أنها لو تحدثت لصرخت في وجه العالم، لقالت ” اتركوا أولادي أيها القتلة “، لنبذتهم وأيديهم الحمراء من حمرة دمائنا، وأنفاسهم المشبعة برائحة لحومنا، للعنتهم ولعاقبتهم أشد العقاب. لكننا لا نرجو منها العقاب ولا الصراخ، نحن لا نرجو شيئًا من مخلوق، ونعلم أن العالم غارق في كل شيء، مشغول بما يُملَى عليه، لا وقت لديه ليتذكر بضع مئات من الألوف الفقيرة، الجائعة، المعدمة والمهجرة من أرضها. ونحن نتفهم انشغال العالم عنا.. نحن أيضًا مشغولون بالآلام، مشغولون جدًا بالهرب من أرضنا لأننا فقط مختلفون عن أصحاب الصوت الأعلى على هذا الجزء الصغير من العالم، ومن شدة انشغالنا بالألم والهرب نسينا ماذا يعني العيش الكريم ونسي العالم أننا نستحقه.

تكدسنا في المراكب التي يفترض بها أن تحفظ لنا -بعد الله- حياتنا، وانطلقتْ في الظلمة تبحث لنا عن أرض تقبلنا، أو على الأقل تتظاهر بذلك، لا يُطلق فيها علينا أسماء لا تخصنا، ولا يجتمع في شوارعها الرهبان يطالبون بنفينا وحرماننا من حقوقنا، وتسمح لنا بالعمل والتجارة والبحث عن الرزق. رغم كثرتنا إلا أننا جميعًا وجدنا مكانًا كافيًا لهذا الحلم بيننا، حتى صادفنا سفينة لا تشبه مراكبنا، تحمل علمًا مختلفًا فيه من زرقة البحر وحرارة النار وبياض الغيم. سحبت السفينة كل المراكب، وأُجبِرنا على الصعود على متنها. تحت أنوف بنادقهم أُجبِرنا على الركوع. فكرة وحيدة كانت تدوي في رأسي، هل سيبدأون بي أم بأبي؟ أم لعلهم سيقتلون أمي أولاً؟ لكن أيًا منا لم يُقتل، جُردنا من ثيابنا، وأُعِدت لنا سلاسل وسياط جُوِعت طويلاً، تشتهي قطعة من كل واحد، ونالت ما اشتهت، أشبعنا الجيش ضربًا حتى صرنا نقف في بركة من دمائنا، كل منا أكل نصيب الأسد من الضرب وليس فينا أسد، لم نكن غير جثث تتنفس.

” سمعتُ أحدهم يدعو ” يا لله! الرحمة! يا لله! الرحمة! ” ويبكي هو الآخر، يبكي ويشهق، ويشهق حتى ظننته سيبتلع الكون كله بشهقة واحدة “

بعد أن قضى الجيش منا وطره، أعادوا تكديسنا في المراكب القديمة، لكن المراكب لم تعد إلا ألعابًا للريح تفرقها كيف قُدر لها، نزعوا منها المحركات ثم سحبوها ونحن على متنها لعرض المحيط، وتركونا هناك للمطر والعواصف تجأر بنا، ورحلوا. لم يتركوا لنا طعامًا ولا شرابًا غير ماء المحيط المالح. ولعل أمي أيقنت أنها ستفقد ولدها الأخير، وأنا أيقنت أن أبي لم يعد كما كان، لم يعد قويًا ولا بصحة جيدة. الظلم أقسى ما يمكن أن يقع على الرجل، يمكنه أن يسيل دموعه ويريق دمه، يسرق من عمره وينهب صحته، وأبي عاش كثيرًا من الظلم، لقد ألفه الظلم جيدًا وها هو يغرس مخالبه في جسده المتعب، تمامًا حيث حفرت السياط والسلاسل آثارها، سيتعلق به كمرساة ويغرقه في لجة هذا المحيط.

غفوت في حجر أمي، ورأيت تلك الجذور القديمة مجددًا، تلتف على بعض الرجال، قاوموا وقاوموا قبل أن تخطف منهم الأكسجين، وتمتص منهم الحياة، وتحولهم إلى سماد، سماد يغذيها بداخلنا، ثم أخذت تلف المركب وتشد عليه حتى ظننته سيتحطم، والمركب يئن من قبضتها، وكما بكتْ أول مرة بكتْ الآن، ثم سمعتُ أحدهم يدعو ” يا لله! الرحمة! يا لله! الرحمة! ” ويبكي هو الآخر، يبكي ويشهق، ويشهق حتى ظننته سيبتلع الكون كله بشهقة واحدة. صحوت وكان أبي وعشر رجال غيره قد ماتوا.

لا أدري كم يومًا مر علينا هنا، لكن وجه أمي يخبرني بأنه لم يعد لدينا الكثير من الأيام لنعدها، ولا أعرف أيجدر بها أن تبكي صغيرها الذي لم تنشف بعد دموعها الأولى عليه، أم زوجها الذي رسا به الألم ميتًا، أم تبكيني وتبكي يتمي ومصيري، أم لعلها تبكي حالها وفقدها، أم تبكي ترابًا عشقته وذاقت الضيم لتهرب منه؟ جففتْ الشمس الحارقة كل الدموع والعروق، ومات المزيد منا، ولا زلنا نكرر طلب الرحمة واللطف. منذ أن وعيت على هذه الحياة وأنا أسمع أمي وأبي وكل الكبار يدعون الله، يطلبون منه الرحمة والعون، والآن أفكر، كيف كان أخي ليصمد هنا؟ أكان يمكن له أن يحتمل هذا الجوع؟ أم هذا العطش؟ أم هذه الشمس؟ أكان لرأسه الصغير أن يغلب دوار البحر وغدره؟ ما أظنه إلا كان أول الموتى تحت سياط الجيش. إنها الرحمة تأتي كما لا نتوقعها، لكنها تأتي وسيأتي حتمًا المزيد منها.

” أُعِدت لنا سلاسل وسياط جُوِعت طويلاً، تشتهي قطعة من كل واحد، ونالت ما اشتهت، أشبعنا الجيش ضربًا حتى صرنا نقف في بركة من دمائنا، كل منا أكل نصيب الأسد من الضرب وليس فينا أسد، لم نكن غير جثث تتنفس “

والتقى مركبنا بسفينة أخرى لكنها هذه المرة لا تنوي بنا شراً، لا تخاف على أرضها منا، ولا تكره ديننا، كانت سفينة رحمة بنا، آوتنا وأخذت بنا لأرضها حيث عُولجنا واعتنى بنا أهل تلك الأرض الطيبة جيدًا. صلينا بلا قيود ولا ضرائب، ونمنا لا نخاف غدرًا ولا تعذيبًا.. لقد وجدنا إخوتنا أخيرًا. وهدأتْ نفوسنا قليلاً وإن لم تهدأ تلك الجذور القديمة المُعذبة بدخلنا، ولن تهدأ حتى لو نجا ألف مركب وبلغ ضفة آمنة، حتى ولو نام أهل المراكب شبعى آمنين، لن تهدأ حتى ولو صلينا ألف صلاة في جماعات مطمئنين، لن تهدأ ما لم تنَل رحمة تعيدنا بها إلى أرضنا، حيث يرقد أخي وجدي السابع، هذه الجذور تنبت عميقًا من قلب أرضنا ولن تغفل عن حقنا حتى ولو غفل العالم كله عنا، إنها جذور تعذبنا وعُذّبنا كثيراً لأجلها، وها هي تبحث عن رحمة سألناها طويلاً، وحتمًا ستأتي.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

منيرة درع كاتبة ومدونة ومترجمة مستقلة، ، صدرت لها رواية ” بغلة القبور ”  في ٢٠١٨. وعندما لا تكتب أو تترجم تحب أن تشغل نفسها بالقراءة والأعمال اليدوية، وشرب الكثير من الشاي مع الأعشاب العطرية.