آراء عدد الوطن

ماذا يعني أن تكون نصف لبنانيًا ونصف إماراتيًا؟

" مرّت عليّ أوقات شعرت فيها أنَّني غريب عن بلديّ "

.To read in English click here

بقلم غانم رافع

صور غانم رافع في الإمارات العربية المتحدة ولبنان عبر الزمن. انقروا على كل صورة لتكبيرها وقراءة نبذة عنها. الصور: غانم رافع.

أبي لبناني، وأمي إماراتية. صحيح أنَّ هاتين الجنسيتين يمكن أن تجتمعان في سلة واحدة تحت مسمى ” عربي ” بالنسبة لمعظم الناس خارج العالم العربي، إلا إنَّ الحال ليس هكذا هنا في المنطقة. فحتى مع وجود بعض أوجه التشابه بين هاتين الجنسيتين، فهما جنسيتان مختلفتان تمام الاختلاف عن بعضهما البعض.

لا يخفى على أي مختبر للمنطقة أنَّ لبنان والإمارات تُعدان موطنًا لثقافتين وهويتين بينهما اختلافات شاسعة. تلك الاختلافات كان لها الفضل في تشكيل شخصيتي؛ حيث حالفني الحظ بأن قضيت فترات من طفولتي ومراهقتي ورشدي في كلتا البلدين: نشأت في العين، وأنهيت دراستي الجامعية في بيروت، وأقيم حاليًا في أبو ظبي. مع ذلك، لطالما كان صراعي مع هويتي وإحساسي بالانتماء كليًا لإحدى ثقافتيّ والديّ عمادًا رئيسيًا لحياتي اليومية؛ إذ كثيرًا ما أجد نفسي مثقلاً بعبء تفسير أمور عادية للآخرين، أمور لم يضطر أي من أقراني تفسيرها . على سبيل المثال: حين سألني رجل كبير في السن في مناسبة عائلية حضرتها مؤخرًا: ” أنت ولد منو؟ ” ، وهي طريقة تقليدية في منطقة الخليج لمعرفة إلى أي جانب من العائلة انتسب، خصوصًا في العائلات الكبيرة، وضعني ذلك السؤال في موقف حرج نظرًا لقلة عدد الأشخاص خارج نطاق عائلتنا الذين يعرفون اسم والدي، وبالتالي كان عليّ العثور على طريقة أخرى لأحدد بها هويتي، مثل استخدام اسم أمي، وهو أمر غير تقليدي في المنطقة.

علاوةً على كل ذلك، يبدو أنَّ اسمي يثير اهتمام الإماراتيين دائمًا، وذلك لأن اسم عائلتي ليس شائعًا بين الإماراتيين، لذا أجد نفسي واقعًا وسط لعبة تخمين بين مجموعة من الأشخاص المنشغلين بتحليل اسم عائلتي. غير أنَّني تعرضت لمواقف مماثلة خلال الوقت الذي قضيته في لبنان أيضًا؛ حيث سمعت تعليقات على غرار: ” لكنَّ اسم ” غانم ” لا يبدو لبنانيًا ” أو ” أنت لا تبدو لبنانيًا ” .

كل تلك التجارب تحولت لنوع من الحيرة التي زعزعت إحساسي بهويتي، ودفعتني للتساؤل عن الوطن الذي أنتمي له فعليًا. فمع أنَّ لدي إحساسًا بالانتماء لكلتا الهويتين، أجد نفسي عاجزًا عن أن أتفهّم تمامًا بعض التجارب التي عايشها بعض أصدقائي اللبنانيين والإماراتيين. على سبيل المثال، عندما كنت صغيرًا وغير مرتاح لهويتي المزدوجة، كان التبديل بين اللهجتين اللبنانية والإماراتية أثناء التحدث مع والديّ أمام أصدقائي يشعرني بالحرج، وتجلّت عدم قدرتي على تعريف نفسي في صورة خوف من أنَّ يعتبر أقراني التغييرات بين لهجتيّ أمرًا مربكًا لا يمكنهم تفهمه. مرّت عليّ أوقات شعرت فيها أنَّني غريب عن بلديّ، حتى إنَّني في صغري كنت أتساءل أحيانًا عمَّا إنَّ كان من الأسهل لو كنت أنحدر من خلفية أكثر تجانسًا، ذات مؤشر هوية وقواعد ثقافية أكثر وضوحًا.

لكن في الآونة الأخيرة، مع تقدمي في السن، وبعد أن تسنت لي فرصة تجربة مواطن الجاذبية التي تقدّمها الثقافتين بنفسي، بدأ يتكوّن لدي إدراك بأنَّ ازدواجية خلفيتي ينبغي أن يكون ميزةً وليس نقصًا. والآن، صرت أعي عدم حاجتي للانتماء لخلفية موحدّة. عوضًا عن ذلك، صرت أعترف بتفرّد وضعي نظرًا لأنَّني لست مضطرًا للامتثال كليًا لهويتي الإماراتية أو اللبنانية بمعناها التقليدي لكي أقدّرها كليًا وأنتمي إليها ، بل إنَّني أستفيد إلى أقصى حد من كلا العالمين. لقد حظيت بشرف تجربة كلتا الثقافتين، لا بصفتي غريبًا، بل بصفتي من أهلهما.

بإمكاني الانتقال بكل سهولة ما بين هويتيّ بما يتناسب مع احتياجات أي موقف معين. بإمكاني التحدث باللهجتين الإمارتية واللبنانية وفهمهما دون أي جهد. أشعر بالراحة عند ارتداء الكندورة والحمدانية، وأشعر بالقدر نفسه من الراحة عند مشاركتي في أداء الدبكة في الأفراح اللبنانية. أشعر بقدر متساو من الوطنية والاعتزاز تجاه كلتا هويتيّ: فاحتفل بيومين وطنيين، الثاني والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر والثاني من ديسمبر، ويمكنني أن أنشد النشيدين الوطنيين عن ظهر قلب، وملئني الفخر عندما بعثت الإمارات بأول رائد فضاء لها في سبتمبر الماضي. فضلاً عن انَّني أعتز بالصمود والتنوع والتكيف الذي تمتاز به الشخصية اللبنانية، وسأهرع للدفاع بحماسة عن أي من بلديّ، شاعرًا أنَّني في وطني، سواءً كنت في أبو ظبي أم بيروت.

حتى مع الاختلافات بين الثقافتين، أشعر أنَّني محظوظ لكوني أنحدر من ثقافتين تحتفيان بقيمة يتردد صداها بداخلي، ألا وهي قيمة التسامح. وقد حالفني الحظ بأنَّ لديّ أصدقاء وعائلة من الجانبين يقدّمون لي الدعم والتقدير، ويسهمون في إحساسي بالانتماء لكلتا الثقافتين.

هذه المقالة مترجمة من اللغة الإنجليزية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

غانم رافع باحث سياسي لبناني-إماراتي يسكن في أبو ظبي، وهو خريج العلوم السياسية من بيروت. غانم شغوف بمجالات العلاقات الدولية والسياسة والتاريخ.