أدبيات عدد الوطن

متى شعرنا بالحنين للمرة الأولى؟

" إلى ماذا كان ذلك الشعور؟ أو إلى من؟ "

بقلم سناء المرزوقي

عمل فني لهناء كاظم من البحرين.

الساعة الرابعة عصرًا..

موعد بدء المسلسلات الكرتونية..

في صالة صغيرة كانت لي بوسع الكرة الأرضية..

كنا أنا وإخوتي الثمانية نجتمع حول صينيتين فضيتين،

وتتكوّم في كل صينية عشرات من فاكهة المانجو، وسكاكين بمقابض خشبية.

كنا نجلس ويقطع كل واحد منا المانجو بطريقته الخاصة،

فمنا من يقطع رأس الفاكهة فقط، ويذوب البقية تحت القشرة بين يديه ليشربها كعصير،

ومنا من كان يقشر المانجو تمامًا ويأكلها من على لبها.

أما أنا، فكنت أفضلها كما أفضلها الآن،

أقطع كل جانب منها بقشرها، ثم أرسم في كل جانب مقطوع مربعات، لتصبح عند ثنيها تشابه شمسًا أو وردة.

كان ذلك منذ زمن بعيد..

أشكّ أحيانًا أنني عشت تلك المرحلة فعلاً..

لم يكن عمري قد تعدى الخامسة..

كان العالم لطيفًا جدًا..

أكثر ما كان يزعجني هو أختي الصغرى واتهاماتها الباطلة لي بشد شعرها وبكاؤها الدائم..

فقط، بذلك كانت تنتهي قائمة الأشياء المزعجة لي.

لا أتذكر أنني كنت حزينة يومًا.

أتذكر الخوف، كنت خائفة من أبي دائمًا،

حتى كنت أشعر بالبكاء يخنق حنجرتي في كل مرة كنت أتحدث بها معه، إن تحدثت معه،

حتى تغلبت على ذلك الخوف يومًا ما.. لا أتذكر متى ولماذا.

كان العالم لطيفًا جدًا..

كان كبيرًا جدًا..

مليئًا بالمجهول الذي كنت أتطلع لاكتشافه..

كنت صغيرة، وكان حلمي أن أكبر بسرعة، وأن يطول شعري بسرعة..

كنت أريد أن أصبح كمريم، بنت ” ماما عايشة ” جارتنا آنذاك.

ماذا حدث لمريم؟ وماما عايشة؟ لماذا لا أتذكر حتى اسم العائلة؟

بيت ماما عايشة السحري، ذي الطابقين، والباحة الصغيرة بشجيرة الجهنمية..

أتذكر أنني اقتطفت يومًا حبة عنب أسود من على طاولة المطبخ العلوي.

كان شيئًا غريبًا لي، حيث إنني لم أرَ في بيتنا سوى العنب الأخضر أو البنفسجي الصغير.

لماذا أتحدث عن ماما عايشة الآن؟

كان العالم أكثرَ أمنًا..

مليئا بالاحتمالات الجميلة..

أسوأ ما حدث في الفترة تلك، موت الأميرة ديانا.

لم أعلم من هي قبل أن تموت،

ولكنني تأثرت بما كان يقال عنها في التلفاز عن طيبتها،

وأنها كانت تدفن حيواناتها الأليفة بعد أن تموت.

كانت فكرة رائعة،

ووجدت نفسي أنتظر أن أدفن الصوص القادم الذي سيموت.

كنت أعلم أن الصيصان بطبيعتها لا تعيش طويلاً.

جميل هو الرضا بالمسلّمات دون ربطها بالكثير من المشاعر والتساؤلات.

لا أدري لماذا تشتتُّ في ألف اتجاه وألف ذاكرة.

لا أعتقد أنني كنت هكذا عندما كنت طفلة.

متى أدركنا أن الحزن حزن؟

لا بد أن هذه أهم نقطة في حياة الإنسان، تؤكد انتقاله من الطفولة إلى مرحلة أخرى.. ليست بالروعة التي يتوقعها.

متى شعرنا بالحنين للمرة الأولى؟ إلى ماذا كان ذلك الشعور؟ أو إلى من؟

متى أدركنا بأن الجحيم يوجد في الأرض، عندما نفتقد مالكي القلب وأصحابه؟

متى كانت أول مرة شعرنا بذلك؟

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

سناء المرزوقي كاتبة إماراتية  صدر لها كتاب ” رسائل سين ” في عام ٢٠١٤، حيث كتبت فيه  مجموعة من الخواطر والمقالات عن الحياة. تنشر حالياً كتاباتها بصورة دورية  على مدونتها ، وتعمل على كتابها القادم.