ثقافة وفن عدد الوطن

عندما رأيت الكويت بعيون عمّاتي

" كل هذا لم يخطر ببالي من قبل قط "

.To read in English, click here

بقلم زينب ميرزا

عمل فني لعلياء الحمادي.

” انظري، هذه أبراجي! ” هكذا صاحت عمّتي مشيرةً إلى أبراج الكويت، مجموعة الأبراج الأيقونية ذات الكرات الزرقاء التي تقف شامخةً على الجانب الآخر من الخليج، بينما كنَّا نسير بالسيارة على جسر الشيخ جابر الذي كان قد افتُتح مؤخرًا آنذاك. عمّتي لديها نزعةً محببة إلى النفس تجعلها تنسب لنفسها أي شيء يسّر نظرها، وهو ما قد يكون أي شيء، بدءًا من بحيرة تاهو وحتى أضواء الشمال.                                حدّقت بها، ثم حدّقت بالأبراج.

تابعت عمّتي قائلةً بصوت مفعم بالاندهاش: ” إنَّها جميلة جدًا، أليست كذلك؟! “

فرددت قائلةً: ” أظن ذلك.. “

حين يقضي المرء معظم عمره في بلد واحدة، يميل إلى الاعتياد على وسائل الراحة والرفاهية بها، وعلى معالمها البارزة ومرافقها السياحية. قد يبدأ الشخص العادي نهاره بسبّ حقير قطع عليه الطريق في الطريق السريع، ليصل إلى عمله مستاءً. وفي نهاية يومه، قد يقود سيارته إلى منزله مباشرةً، مرهقًا بشدة ولا يستطيع فعل أي شيء آخر، أو يتذمر من رتابة الحياة أثناء احتساء القهوة وتدخين السجائر برفقة صديق، ليشطب بذلك يومًا آخر من قائمة أيام حياته الروتينية.

ربما بإمكان العديد منَّا تفهّم ذلك، وما من شيء مخجل في ذلك؛ إذ إنَّ الاستمتاع بالحاضر واتباع شعارات الإيجابية الزائفة الرنَّانة من قبيل ” افعل شيئًا يخيفك فعله كل يوم! ” يمكن أن يصبح منهكًا.

لقد قضيت معظم حياتي في الكويت، وأنا أعشقها. مع ذلك، أنا أيضًا أميل إلى الوقوع في فخ أخذ المكان الذي اعتبره وطني على أنَّه أمر مسلّم به.

على مدار الأعوام القليلة الماضية، زارتنا أنا ووالديّ عمّتان وقريبةّ لنا من الهند، وعمّة أخرى من شيكاغو. ولأنَّنا كنَّا متحمسين لأخذهن في جولة في أفضل الأماكن بالكويت، كتبت أنا وأختي قائمةً بالأشياء التي يمكننا فعلها والأماكن التي يمكننا اصطحابهن إليها، بعضها كان سوق المباركية التاريخي ومنتزه الخيران وأبراج الكويت وحديقة الشهيد ومتاحفها ومتحف طارق رجب والمزارع والنوافير الموسيقية بمركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي والمركز العلمي وعدة مطاعم، إلى جانب الأمور المفضّلة لي شخصيًا: الإصغاء إلى صوت الأمواج أثناء السير على ممشى المارينا، واستكشاف مدينة الكويت مع الانغماس في عراقة تاريخ مبانيها.

الغريب أنَّه، حتى بعد كل زيارة كل هذه المعالم السياحية، كانت الأمور التي أبهرت عمَّاتي بشدة مخالفةً لتوقعاتي: بادئ ذي بدء، أعجبتهنّ أبراج الكويت بشدة، في حين أنَّها معلم سياحي نادرًا ما يعيره المقيمين اهتمامًا سوى لالتقاط صورة له على خلفية سماء شديدة الزرقة إلى حد استثنائي، أو لالتقاط صورة لأضوائه المتلألئة ونشرها على موقع إنستقرام. طوال مدة زياراتهنّ، كنت أسمع منهن عبارة  ” يا للعجب! كم هي جميلة! “ مرارًا وتكرارًا، فكانت ترتسم على وجهي ابتسامة عريضة، سواءً كان ذلك خلال رحلة بالسيارة عبر الصحراء الممتدة إلى ما لا نهاية، أو في رحلاتنا القصيرة للتسوّق بمركز التسوّق (وهي أيضًا ممتدة إلى ما لا نهاية، بطريقتها الخاصة). بل إنَّ إحدى عمّاتي تأثرت بشدة بالنوافير الراقصة إلى حد أن ترقرقت الدموع في عيناها. وأُعجبت بشدة أيضًا بأنَّه، إذا كنَّا خارج المنزل وسمعنا صوت الآذان، كنَّا دائمًا نجد مصلى قريبًا منَّا، وهي رفاهية ليست شائعة إلى هذا الحد حيثما تعيش. بينما كانت عمَّة أخرى تلفت انتباهي دائمًا إلى الألوان المتناثرة على الأرصفة خلال موسم الزهور البرّية، أو إلى النباتات البرية التي تنبت على طول الطرق السريعة وتقاطعات الطرق. وقالت لي عمَّتي الأصغر سنًا، بينما كانت تشتم رائحة عطر ظلت تحيط بنا بعد أن مرّت بنا سيدة ما: ” كل شيء عطِر الرائحة هنا ” ؛ وهو ما ظننته غريبًا قليلاً فعلاً، لكنَّ لكلٍ رأيه. غير أنَّ الذكرى التي ظلت معها حقًا كانت مدى شعورها بالسكينة والأمان في الكويت.

كل هذا لم يخطر ببالي من قبل قط. لقد جعلني ذلك أُدرك أهمية السفر إلى البلاد الأخرى، وتجربة الثقافات المختلفة، واستكشاف ما يجعل تلك الأماكن فريدةً من نوعها. ومن المهم بالقدر نفسه أيضًا، بل والمُثري أيضًا، أن يدعو المرء عائلته وأصدقائه لزيارته، لا كي يريهم مدى تميّز مكان معيشته فحسب، بل أيضًا كي يعيش تجربة ذلك المكان بعيونهم، فيزيده ذلك تقدّيرًا له أكثر وأكثر.

بعد رحيل عمَّاتي ببضعة أشهر، ذهبت أنا وعائلتي لمنصة المراقبة الدوّارة بأبراج الكويت. وعندما أرسلنا بصرنا إلى المناظر البانورامية، أمعنت النظر في الكرة التي تعلو البرج المجاور. بدت لي الأقراص التي تعلو سطحها وكأنها خرزًا لمّاعًا باهتًا مطرّزًا على البرج، مع آثار للخيط الذي يثبتها في مكانها، وذكرّني لوناها الأزرق والأخضر بالبحر بحالاته المختلفة.

كم كان المنظر جميلاً!

هذه المقالة مترجمة من اللغة الإنجليزية. 

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

زينب كاتبة هندية مقيمة في الكويت منذ ٢٦ عامًا. تستمد زينب الإلهام من المحادثات الشخصية وملاحظاتها على المجتمع . وهي أيضًا من مؤسسي The Divan ، وهي عبارة عن منصة ثقافية تركز على المجتمع تقدم للأفراد مساحة آمنة لمناقشة الأفكار والأسئلة ، ومؤسسة Typelings، وهي مجموعة كتابية.