ثقافة وفن عدد الوطن

أحنّ إلى الإحساس بالانتماء

هل المكان الذي نشأنا فيه هو وطننا؟

.To read in English click here

بقلم هبة هوك

” من أين أنتِ؟ “

 ” لندن. “

 ” كلا، من أين أنتِ فعلاً؟ “

” غرب لندن. “

” كلا. أقصد، من أين ينحدر أبواكِ؟ “

” ليدز وويلز. “

 ” كلا! كلا، أقصد ما هي خلفيتِك؟ ” 

” تقصدين تراثي؟ “

” من أين أنت؟ ” : سؤال يجد العديد منَّا صعوبةً بالغةً في الإجابة عنه في مجتمعنا اليوم. نحن، جيل الأطفال الذين نشأوا والعالم على شاشاتهم. نحن، جيل الأطفال الذين أخذهم آبائهم بعيدًا عن تراثهم بشكله التقليدي، وغمروهم في أماكن يمكن لسؤال ” من أين أنت؟ ” أن يدفعهم فيها إلى التساؤل عمَّا إذا كان المكان الذين نشأوا فيه هو وطنهم فعلاً.

لطالما كانت لندن، المدينة الصناعية بسمائها الرمادية الممطرة، واحدةً من الأماكن التي اعتبرتها دائمًا ” وطني ” ؛ فقد عشت هناك إلى أن بلغت العاشرة من العمر. وعلى حد علمي، كان تراثي ينبع من المملكة المتحدة. عرفت أنَّ شكلي مختلف عن الأطفال الآخرين في المدرسة الابتدائية: شعري لونه أغمق، وعيناي شكلهما مختلف، وديني يبرز جليًا دائمًا في نوعية الأطعمة التي يمكنني أو لا يمكنني أكلها من مقصف المدرسة. كان تعرضي لمضايقات بسبب كوني لا أستطيع تناول أصابع الببروني لأنَّها ليست حلالاً أمرًا يوميًا. لكن بصراحة، لم يكن ذلك يضايقني، حتى أخذتنا أمي ونقلتنا إلى مدينة كراتشي في باكستان لكي ” نحتكّ بثقافتنا ” .

كنت أبكي كل ليلة طوال الأشهر الثلاثة الأولى من العيش في كراتشي؛ كنت أتوق إلى مذاق لفائف الفواكه وال ” تشيز سترينغز “Cheestrings التي اعتدت وجودها في علبة غذائي كل يوم، ولأصوات شوارع لندن الهادئة ليلاً. تمنيت أن أعود إلى الحياة التي كنت أعرفها جيدًا. ولكن رويدًا رويدًا، باتت الشوارع ذات اللون البني الداكن أمرًا روتينيًا، وصار الهواء الرطب صالحًا للتنفس، وبدأت أجد نفسي مفتونة بهذا ” التراث ” الذي كان الجميع يسألونني عنه طيلة الوقت. وجدت نفسي محاطةً بأناس يشبهونني، فصرت مهتمة بمعرفة المزيد عن ثقافتي، واستمتعت بسماع لغتي الأم بصفة يومية.. لقد كان إحساسًا بالانتماء لم يسبق لي أن شعرت به قط.

أمَّا الآن، وبالنظر إلى الماضي، فإنَّ العامين القصيرين اللذين عشتهما في كراتشي هي أيام أتوق إليها، وذكريات تلك الفترة حيّة جدًا لديّ. كان ذلك مكانًا انتابني فيه إحساسًا بالارتياح، لم يفرّقني فيه مظهري عن بقية زملائي بالصف، ولم أكن مضطرة إلى تبرير عدم اختياري للبيتزا المغطاة باللحم. لقد عشت تجربة فريدةً من نوعها، إذ عثرت على أناس هم كعائلتي حتى يومنا هذا، حيثما التقينا في العالم.

بعدها بمدة قصيرة، انتقلت للعيش في دبي لكي أبدأ دراستي الثانوية، وأنا أعيش ما بين لندن ودبي منذ عام ٢٠٠٧. ها أنا ذا أجد نفسي مرة أخرى أتوق إلى ألا يسألني الناس ” من أين أنتِ؟ ” فأضطر إلى شرح قصة حياتي لكل شخص جديد ألتقي به؛ إنَّني أحنّ إلى ذلك الإحساس بالانتماء الذي شعرت به ذات يوم.

هذه المقالة مترجمة من اللغة الإنجليزية. 

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

هبة هوك مصممة جرافيكية درست الرسم التوضيحي والوسائط المرئية في كلية لندن للتواصل، بالإضافة إلى التصميم المطبعي في سنترال سانت مارتينز في لندن. يعكس عملها غالبًا الثقافات المختلفة التي عايشتها والتجارب التي مرت بها.