ناس عدد الشباب

العُماني الذي يشجع الناس على مشاطرة أسرارهم

تعرفوا على الشاب خلف مبادرة " ترو ستوري تنت "

.To read in English, click here

بقلم جورجي برادلي

عبدالله المعولي، مؤسس ” ترو ستوري تنت ” ، يتوسط إحدى فعاليات مشروعه . الصورة: عبدالله المعولي.

كانت البداية في أحد المقاهي بالعاصمة العُمانية مسقط. لو نظر الرائي من خارج المقهى، لبدا له تجمعًا عاديًا لأصدقاء يعرفون بعضهم منذ زمن طويل. ومن حيث المبدأ، كان الأمر كذلك بالضبط: أصدقاء جالسون يتجاذبون أطراف الحديث.

عدا أنَّه في داخل ذلك النطاق الضيق من الأصدقاء، كان يدور أداء إلهامي يحكي قصة لم يحكها أحد من قبل، يترأسه ويستضيفه العُماني البالغ من العمر ٢٩ عامًا، عبد الله المعولي، الذي يصف نفسه بأنَّه مستمع متسلسل للقصص وراوي لها.

يقول عبد الله معلّقًا: ” أعشق عملية التنوير التي تحدث نتيجة استماعي لقصص الآخرين؛ فقد نشأت انطوائيًا: لم أكن أترك غرفتي قط، وكنت أقضي اليوم بطوله في رسم الكاريكاتير وصياغة المشاهد حولها “.

أمَّا الآن، فإنَّ البودكاست جعل عبد الله يضع قلمه جانبًا، حرفيًا على الأقل؛ إذ تولّد لديه شغف بهذه الوسيلة الإعلامية ما إن اكتشف ” ذس أمريكان لايف ” This American Life و ” ذا موث ”  The Moth، وهما سلسلتا مدونات صوتية تربطان بين قصص قائمة بذاتها أو روايات تدور حول موضوع محدد . يقول عبد الله موضحًا: ” أستمع إلى القصص طوال اليوم، وفي كل يوم، بلا مبالغة. أنا مهووس بالقصص منذ خمسة أعوام الآن، وقد تعلمت الكثير عن العالم والناس منها “.

لكنَّ أكثر نوع من القصص يلمس وتره الحسّاس هي قصة من صوت مألوف: صوت العرب. يقول عبد الله: ” بين الفينة والأخرى، أستمع إلى قصة من الشرق الأوسط، لأشعر فورًا بأنَّ هناك صلة فريدة من نوعها تربطني بها، فأعيرها انتباهي أكثر لأنَّها لا تصادفني كثيرًا ” .

كان هذا هو الباعث الذي دفع عبد الله إلى اكتشاف الحقائق المحيطة به التي لا حصر لها؛ بدءًا بالأناس الذين يُفترض أنَّه يعرف عنهم القدر الأكبر (بحكم كونهم أصدقائه).

يقول عبد الله ضاحكًا: ” ابتززتهم عاطفيًا إلى حد ما. كنَّا نجتمع في أحد المقاهي، ونتناوب، واحدًا تلو الآخر، الحديث عن أمور لم يسبق لنا أن أفصحنا عنها من قبل قط. وعندما بلغنا اجتماعنا الثالث [كان لا يزال يُقام في المقاهي آنذاك]، بدأ الغرباء في الحضور ” .  

بعد ذلك، اتُخذت خطوات ثابتة لتحويل مبادرة سرد القصص الواقعية ” ترو ستوري تنت ” True Story Tent إلى واقع، والارتقاء بها إلى ما ترمز إليه الآن: فهي مساحة آمنة خالية من الانتقاد والأحكام المسبقة للتنفيس عمَّا يحتفظ به المرء بداخله. ومع ذيوع خبر هذا المتنفس الجديد، الذي يسعى إلى ريادة موجة جديدة من حكايات الشرق الأوسط، صار هناك ضغط على عبد الله كي يتولى تنظيم الفعاليات بالكامل.

” ترو ستوري تنت ” مكان آمن للناس في الشرق الأوسط لمشاركة قصصهم. الفيديو: عبدالله المعولي.

يصّرح عبد الله بأنَّ: ” ” تنظيم” الفعاليات كان يصيبني بالتوتر الشديد في البداية؛ إذ إنَّ هناك الكثير من التجهيزات التي لابد من أن تتم بطريقة صحيحة وفي الوقت المحدد. ولكن مع تنامي الفعاليات، صرت أحب ذلك الآن في الحقيقة. كان التجمّع الأخير [وهو يحدث كل شهرين تقريبًا] برعاية موقع طلبات، لذا في غضون سبع دقائق تقريبًا من إعلان التجمّع، كانت الأماكن قد حُجزت بالكامل ” ، وأي تجمّع صار يرتاده الآن ما يقرب من ٥٠ شخصًا.

إذن، كيف يسير التجمّع المعتاد لمبادرة ” ترو ستوري تنت ” ؟ وفقًا لعبد الله: ” على كل من يريد مشاركة قصته أن يكتب اسمه على قصاصة ورق، يضعها بعد ذلك في وعاء، ثم أختار أنا إحداها عشوائيًا ” .

كل من يتشجعون ويواجهون الميكروفون يحكون قصصًا قد تبدو ضيقة الأفق للوهلة الأولى، ثم تكشف بعد ذلك عن حقيقة كونية، أو حتى إقليمية. إنَّ التركيز هنا يكون على التواصل مع الجمهور، وعلى مشاركة تجربة أو ذكرى أو لحظة.

لا  يتقن الكل سرد القصص. ولكن لا حاجة لهم إلى ذلك، فالقصص تملك عمقًا عاطفيًا مذهلاً وصدقًا يغفر لساردها تعثره أو فقدانه رباطة جأشه من حين لآخر. أمَّا المدونة الصوتية، فجاءت ” نتاجًا ثانويًا للتجمّعات ” ، ويتولى عبد الله تحريرها بنفسه؛ فهو يعمل مديرًا فنيًا للعروض الحية لدى تلفزيون عُمان نهارًا.

عبدالله المعولي (٢٩ عامًا) في حفل إطلاق ” ترو ستوري تنت ” في ديسمبر ٢٠١٨. الصورة: عبدالله المعولي.

إذا توجهت إلى قائمة حلقات المدونة الصوتية، ستجد أنَّها ليست تأملات عشوائية؛ بل روايات مركزة بشدة ومُنقحة بدقة، تتمتع بالقوة الإقناعية للحظات التجلّي، وفي الوقت نفسه تكشف عن المشاهد البانورامية في حياة أحدهم، أو العوالم المتنوعة التي عاش وشق طريقه فيها.

تحمل الحلقة السابعة عنوان ” أخفيت دورتي ” ، وهي بصوت دانة القصيبي من جدة بالمملكة العربية السعودية (في أول تجمَّع لمبادرة ” ترو ستوري تنت ” يُقام خارج عُمان). تمتاز قصة دانة بأنَّها صريحة وظريفة وحزينة وهزلية وتُفصح عن مسائل شخصية بنبرة تنطوي على فلتات من السخرية. إنَّها مذهلة، حتى ولو كانت تتناول موضوعًا محظورًا بشكل عام على مستوى المجتمع، وتختلف عن المرحلة التي وصلت إليها الرواية في هذا الموضوع في المنطقة. 

راوية قصص تشارك قصتها بحماس أمام جمهور منتبه. الصورة: عبدالله المعولي.

لكن هذا بالضبط هو المقصد من وراء مبادرة ” ترو ستوري تنت ”  True Story Tent، التي تضم قصة مضحكة، على غير المتوقع، لمعلم تايكواندو عُماني مرّ بتجربة اقتراب من الموت روحانية قلبت نظرته لأعباء الحياة اليومية رأسًا على عقب، فالمبادرة تدور حول إفساح المجال لجميع الأصوات .

ما من حكاية محظورة، طالما أنَّ الراوي لديه الرغبة في أن يكشف عن ضعفه، والاستعداد لمواجهة مهما كان على الجانب الآخر من نشر القصة أمام الجمهور. صحيح أنَّ عبد الله يُحذّر الرواة من العواقب المحتملة التي عليهم وضعها في الحسبان، ولكنَّه أيضًا يشجعهم على خوض تجربة مشاركة قصتهم في سبيل الصالح العام المتمثل في إضفاء الطابع الإنساني على المنطقة وأهلها. قال عبد الله: ” استمعنا لجميع أنواع القصص، من محاولات الانتحار إلى التعرّض للسطو في تيخوانا خلال موعد غرامي عبر تطبيق ” تندر”  Tinder.

تتخذ حلقات المدونة الصوتية نُسقًا به تشابك بين السرد القصصي الحي والمحادثات التي يُجريها عبد الله مع المشاركين في مبادرته عبر تطبيق ” سكايب ” Skype. يقول عبد الله موضحًا: ” أنا المسؤول عن إعداد كل شيء، وهذا في الواقع هو جزئي المفضل “. تمتاز التجربة السمعية لمدونة ” ترو ستوري تنت ” بأنَّها مهيّجة للمشاعر ومثيرة للصورة الذهنية بشدة؛ كما أنَّ حلقاتها بها تعديلات مقتطعة في الأماكن الصحيحة، وفترات صمت مطوّلة من أجل التوقف والتفكر.

فعالية ل ” ترو ستوري تنت ” في عيادة همسات السكون في مسقط، عُمان. الصورة: عبدالله المعولي.

مع ذلك، يذكر عبد الله بأنَّه: ” لا يوجد نُسق محدد لمدونة ” ترو ستوري تنت ” ؛ إذ إنَّ المدونة الصوتية تتطور باستمرار. وكما لو كان المثل القائل بأنَّ ” الناس يحكمون عليك من عرضك الأخير فقط ” يتوافق مع طريقة تفكير عبد الله، فهو بالفعل يخطو خطى حثيثة نحو قمم جديدة.

ينوي عبد الله مستقبلاً دمج ” ترو ستوري تنت ” بالتأمل؛ شريان الحياة الآخر بالنسبة له. يقول عبد الله: ” أريد أن أرى ما يمكن لهذين العالمين فعله مجتمعين: فكلاهما جزء مؤثر للغاية في حياتي ” مضيفًا أنَّ كلا العالمين لديه القدرة على تجريد الروح، والسماح للحقيقة بالظهور جليةً، وهذا مطلوب بشدة بين العرب، وفقًا لعبد الله، الذي أضاف معترفًا بأنَّه ” حتى العرب صاروا ضد بعضهم. علينا أن نتشارك أكثر، لنتعلم أكثر، ونعرف أكثر ” . 

مجرد الإنصات إلى مدونة ” ترو ستوري تنت ” لديه القدرة على تحريك الأقطاب لسد بعض الفراغات في الضمير الثقافي للمنطقة. لو كان بمقدور عبد الله أن يغير شيئًا في المنطقة، لمارس ضغطًا من أجل نشر التعاطف بين الناس أكثر؛ لأنَّ ” هناك تعطش شديد له ” في الوقت الراهن وفقًا لعبد الله، الذي يبرر ذلك قائلاً: ” نحن شديدو الانتقاد فيما بيننا. علينا أن نكتسب مقدرة التعاطف؛ بحيث نقرّ بوجود الاختلافات ونتقبلها. لا داعي لأنَّ نتبع نهج ” نحن ضد الآخرين ” بعد الآن. يجب أن يرانا العالم بمنظور جديد ” . 

هذه المقالة مترجمة من اللغة الانجليزية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

جورجي برادلي محررة وصحفية بريطانية – يونانية تقيم في دبي بعد قضاء فترة في البحرين (وهي لا تزال تتردد عليها شهريًا). رفع أصوات صناع التغيير في المنطقة هو ما يحفزها.