آراء عدد الشباب

نحن الجيل الذي لا يرتاح أبدًا

" نميل إلى الاعتقاد المغلوط أنَّ عدم فعل شيء يساوي الفشل "

.To read in English, click here

بقلم لطيفة س.

الصورة: Shutterstock.

متى كانت آخر مرة جلست فيها في حديقتك دون أن تفعل أي شيء آخر، وألقيت السمع لأصوات العصافير وهي تغرّد، ولاحظت أشكال الغيوم، واستمتعت بالنسيم وهو يلامس بشرتك، بلا هواتف ولا أي إلهاءات أخرى؟ آخر مرة انتابني فيها هذا الشعور، شعور السعادة وراحة البال، كانت خلال رحلة قمت بها مؤخرًا إلى إحدى الجزر الاستوائية. كان هذا لأنَّ المنتجع السياحي الذي كنت فيه يتعمد أن يكون الإرسال الشبكي فيه رديئًا، وألا تكون هناك قنوات فضائية على التلفاز. فوجدت نفسي مرة أخرى اندمج مع الطبيعة، كما كان الحال في أيام طفولتي.

لدي فناء خلفي غاية في الجمال في منزلي، ولكن لا يتسنى لي أبدًا الاستمتاع به؛ فعندما لا أكون مشغولةً بالكتابة أو العمل، أجد دائمًا شيئًا آخر أشغل به وقتي: كأن أجد مهمة عليّ القيام بها أو صديقة لأتصل بها، أو بمجرد تصفح شاشة هاتفي لساعات وساعات. أنا دائمة الحركة، لا أخلو بنفسي أبدًا، ولا أمهل نفسي الفرصة لذلك حتى. لقد دفعني ذلك إلى التساؤل عمَّا إذا كنت أخشى البقاء وحدي: ألا أستمتع بصحبتي؟ أمَّ لعلنا، نحن جيل الألفية، نميل إلى الاعتقاد المغلوط أنَّ عدم فعل شيء يساوي الفشل؟ أعتقد أنَّ الرأي الأخير هو الصائب.

” لا شك أنَّ مطاردة أحلامنا مسعى نبيل، ولكن لا يجب أن تفوتنا اللحظة الراهنة وحياتنا الجميلة لأنَّنا نريد أن نعيش مستقبلنا في الوقت الحاضر “

إحدى صديقاتي بلغت من العمر ٢٤ عامًا لتوها، فصارت تشعر بالفشل التام لأنَّها لم تجد الوظيفة التي تحلم بها بعد، ولم تلتقِ بحب حياتها حتى الآن، وليس لديها طفلين ترعاهما. منذ بضعة أيام، جلست صديقتي على فراشها تبكي حتى احمرّت عيناها؛ فما كان مني إلا أنَّ أعدَّتها إلى صوابها بأن قلت لها انَّه لو رآها أحد على هذا الحال، لظنَّها عجوزًا تسعينية على فراش الموت أضاعت عمرها هدرًا!  لكنَّ صديقتي ليست الوحيدة، فكان من الصعب عليَّ التحدث معها وإقناعها بأن تخرج من الحالة التي تمرّ بها. تلك هي لعنة جيلنا: نريد كل شيء فورًا، ولا نتحلى بالصبر أبدًا؛ استقطاع وقت للراحة هي خطوة ينتقدها الآخرون في كثير من الأحيان، فهم يتوقعون منَّا أن تكون لدينا دائمًا أهداف نسعى لتحقيقها.

إنَّنا نعيش في عالم يتسم بالفورية، إلى حد أنَّنا نريد أن نكون قد فعلنا كل شيء الأمس! كلما تصفحنا الصفحات الشخصية لمختلف الأشخاص عبر شبكات التواصل الاجتماعي، واستعرضنا حياتهم وكم هي منظّمة، نشعر بأنَّنا منسيون؛ لكنَّنا ننسى أنَّه مجرد محتوى منظَّم، مجرد عرض منقّح، وأنَّ بين كل صورة والصورة التي تليها يوجد صراع وتحدي خاضه أولئك المستخدمين كي ينتقلوا من النقطة ” أ ” إلى النقطة ” ب “.   

” تلك هي لعنة جيلنا: نريد كل شيء فورًا، ولا نتحلى بالصبر أبدًا؛ استقطاع وقت للراحة هي خطوة ينتقدها الآخرون في كثير من الأحيان، فهم يتوقعون منَّا أن تكون لدينا دائمًا أهداف نسعى لتحقيقها “

على الرغم من أننا قد نتمتع بامتيازات أكثر من التي كان يتمتع بها آبائنا وأجدادنا ، وهو ما قد يقول البعض بأنه أمر يجب أن يجعلنا نشعر بالرضا ، إلا أن الأمر لا يبدو كذلك بالنسبة لنا. هناك  دراسة أجرتها جامعة ليفربول وكلية لندن الجامعية عام ٢٠١٩ كشفت عن أنَّ الشباب صاروا أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب وإيذاء أنفسهم في يومنا هذا أكثر مما كانوا منذ ١٠ سنوات. 

لا شك أنَّ مطاردة أحلامنا مسعى نبيل، ولكن لا يجب أن تفوتنا اللحظة الراهنة وحياتنا الجميلة لأنَّنا نريد أن نعيش مستقبلنا في الوقت الحاضر. وبما أنَّني مررت بذلك شخصيًا، فأنا أعلم يقينًا أنَّ لحظات الراحة الباعثة على السعادة تلك التي نمنحها لأنفسنا بين الفينة والأخرى، فقط بالجلوس في الحديقة ببساطة أو بترك هواتفنا والذهاب في إجازات، هي ما يساعدنا على بلوغ أحلامنا بسرعة أكبر؛ فهي ستساعدنا على الإبداع وتحسين تركيزنا، وهذا بدوره سيؤدي إلى الشعور بالرضا عن حياتنا بوجه عام. 

هذه المقالة مترجمة من اللغة الإنجليزية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

لطيفة س. كاتبة خليجية تسكن في الولايات المتحدة الامريكية.