آراء عدد الشباب

هل قضينا على حياتنا الاجتماعية؟

التكنولوجيا جعلتنا أكثر انعزالاً

.To read in English, click here

بقلم خالد مبارك

عمل فني للسعودية نوف الإسماعيل.

تتصلون بصديق، ولكنَّه لا يرد، ثم تجدونه يُرسل رسالة نصية يعتذر فيها لاحقًا  ويسأل ما الأمر الذي كنتم تريدونه فيه. أيبدو ذلك مألوفًا؟ لابد أنَّكم جميعًا مررتم بمواقف مشابهة. كم مرة رأيتم ” ميمات ” أو تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي يشكو فيها الناس من أشخاص يتصلون بهم هاتفيًا بدلاً من أن يُرسلوا لهم رسالة نصية؟

منذ بضعة أيام، قرأت منشورًا صادمًا ذكر أنَّنا، نحن الشباب، الجيل الذي أوقف عمل جرس الباب على الأرجح. ولكن هذا صحيح؛ فأصدقائنا صاروا يرسلون لنا رسالة نصية بأنَّهم ينتظروننا خارج المنزل، بل وحتى عامل توصيل المطعم صار يرسل لي رسالة نصية بدلاً من أن يرن جرس الباب !

سلوكنا ذلك صار يُخيف أفراد عائلتي الأكبر سنًا، فجدتي تسألني باستمرار عن سبب كوني منحنيًا على هاتفي لساعات، وحين أخبرها أنَّني أكتب إلى صديق، تشعر بالصدمة وتسألني لمَ لا أتصل به هاتفيًا ببساطة بدلاً من ذلك. في البداية، كنت أرى أنَّ طريقة تفكيرها قديمة وحسب، ولكنَّني بعدها تنبهت فجأةً إلى أنَّ هاتفي نادرًا ما يرن، فأنا وزوجتي نُرسل لبعضنا رسائل نصية بدلاً من أن نتصل ببعضنا إذا كنَّا نريد شيئًا؛ وعلى أكثر تقدير، نُرسل لبعضنا رسائل صوتية. ثم ما لبثت أن أدركت أنَّني كنت أتصرف هكذا مع أصدقائي كلهم، حتى إنَّ سجل مكالماتي ليس به سوى رقم المصرف الذي أتعامل معه، أو رقم شركة خدمات تحاول بيع شيء ما لي. حتى أمي تُرسل لي الرسائل على تطبيق واتساب! 

صحيح أنَّ التكنولوجيا جعلت حياتنا أسهل، ولكن هل قضينا على حياتنا الاجتماعية؟ صار الناس يصورون حفلات زفافهم ومناسباتهم بالبث المباشر لمن لا يستطيعون حضورها، وصار بالإمكان الالتحاق بالدورات التدريبية وحضور الحلقات الدراسية على شبكة الإنترنت دون الحاجة إلى الالتقاء بالمُحاضر فعليًا، حتى إنَّ بإمكاني زيارة بلد ما والتجوّل في شوارعها وأنا مستريح على أريكة منزلي، بفضل خدمة عرض الشوارع من غوغل Google Street View. ولكنَّ، هل هذا أفضل لنا بالضرورة؟ هناك مقال نشرته مجلة هارفارد بيزنس ريفيو ذكر أنَّ معدل الشعور بالوحدة قد تضاعف في الولايات المتحدة على مدار الأعوام الخمسين الأخيرة، وأنَّ من يقضون أوقاتًا أطول على وسائل التواصل الاجتماعي يشعرون بالوحدة أكثر ممن يقضون أوقاتًا أقل عليها.

أنا أشهد هذا الفرق في التفاعلات الاجتماعية في عائلتي نفسها : ففي حين أنَّني أنا وزوجتي نفضّل إرسال رسالة نصية إلى صديق مريض نتمنى له فيها الشفاء العاجل، تفضّل جدتي قطع الرحلة للمرضى بالسيارة، آخذة معها بعض الحساء، للاطمئنان على أنهم بخير؛ وبحسب شدة مرضهم، تكرر جدتي زياراتها، أو على الأقل تتصل بهم لتطمئن عليهم. وإذا أقيم عزاء، أينما كانت، سوف تكون جدتي موجودة طوال الأيام الثلاثة التي تستغرقها المناسبة، وستكون موجودة فعليًا من أجل العائلة.

عندما مرضت بشدة السنة الماضية، أرسل لي معظم أصدقائي رسائل على تطبيق واتساب يسألونني فيها إذا كنت بخير، وتلقيت هدايا طُلبت عبر الإنترنت أو أُرسلت بواسطة شركة شحن. فقط قلة قليلة وقفت بجانبي حقًا، وكلفت نفسها عناء المجيء لرؤيتي في منزلي.

دفعني ذلك إلى أن أفكر: كيف سيكون جيلنا القادم؟ ففي يومنا هذا، صار الناس يعرضون الزواج بالرسائل النصية، وصرت أقرأ حكايات عن أناس يتطلقون من خلالها أيضًا.

لا أريد أن أكون هذه القدوة التي يكبر أبنائي وهم يرونها، بل أريد أن أكون القدوة التي كانها والداي لي، ووالداهما من قبلهما، والتي انحرفت عنها بشكل ما خلال السنوات القليلة الماضية، بعدما ابتلعني الثقب الأسود المتمثل في وسائل التواصل الاجتماعي.

أريد أن أكون موجودًا فعليًا من أجل أصدقائي وعائلتي. أريد أن أقف بجانب المرضى منهم. أريد أن أقلل من إرسال الرسائل النصية وأكثِر من الحضور الفعلي من أجلهم. فهل ستجعل خطوتي هذه، والتزامي باتباع الطرق القديمة في فعل الأمور، واقعنا مختلفًا؟ ربما ليس بالنسبة للجميع، ولكنَّه سيكون كذلك على الأقل بالنسبة لأسرتي الصغيرة، وآمل أن يكون كذلك لمستقبل أطفالي أيضًا. ففي النهاية، المويجات الصغيرة هي التي تصنع الأمواج.

هذه المقالة مترجمة من اللغة الإنجليزية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

خالد مبارك كاتب رأي من الكويت.