ثقافة وفن عدد الشباب

كيف يرى أبناء الثمانينيات العالم اليوم

وجهة نظر شابة كويتية

بقلم دانة الراشد

عمل فني لدانة الراشد.

إن كنت من جيل الثمانينيات فما قبل، فإنك على الأغلب قد قضيت طفولتك في اللعب خارج المنزل ومشاهدة أشرطة الفيديو، وربما القليل من قراءة القصص المصورة أو الرسم، فأنت قد شهدت العالم بلا إنترنت. ولربما تعرفت على الشبكة العنكبوتية في مراهقتك ودخلت غرف الدردشة من باب الفضول ، وهي إحدى أول صور التواصل الاجتماعي، والتي تم استبدالها بالـ ” مسنجرMSN ” في فترة لاحقة. وقد تذكر أيضًا كيف أصبحت دردشات ” المسنجر ” خاوية مهجورة عند انتقال الناس لاستخدام الـ ” بلاك بيري مسنجر ” على هواتفهم التي بدأت تتزايد ذكاءً. ولا يمكننا أن نسترجع شريط الذكريات دون ذكر الألفية الجديدة (عام ٢٠٠٠) الذي خالها البعض نهاية العالم، وانتشار فيروس ” Y2K ” على أجهزة الحاسب والشبكات في العالم كله، والتي أتوقع أنها لا تشكل سوى جزءٍ يسيرٍ من عدد الأجهزة المنتشرة في العالم اليوم. 

أما الآن، فإن الأمور مختلفة، فقد أصبح الإنترنت متاحًا للجميع. نرى الجدات يعبثن في هواتفهن الذكية بحثًا عن وصفة لغداء يوم الجمعة، بينما يلعب الأطفال معًا عن بعد على أجهزة ” الآيباد “، ويتواصل العامل مع عائلته خلال تطبيقات ال ” video call “. إذًا لا يمكننا إنكار المتعة والفائدة التي أتت بها التكنولوجيا إلينا.

تغيرت الكويت كثيرًا وبسرعة هائلة خلال السنوات الأخيرة، وأرى أن من أهم أسباب هذا التحول هو انتشار وسائل التواصل الاجتماعي بصورة كبيرة. فالكويت تحتل المركز التاسع عالميًّا في انتشار الإنترنت بالنسبة لعدد السكان بمعدل ٩٨%، والرابعة عالميًّا في انتشار وسائل التواصل الاجتماعي بنسبة ٩٢%، وذلك وفقًا لتقرير الحالة الرقمية في العالم ٢٠١٩ الذي تصدره مؤسسة “Hootsuite”  ووكالة التسويق الرقمي “We Are Social”   سنويًّا. وأتى ذلك بموجة كبيرة من المشاريع الشبابية التي استخدمت وسائل التواصل كمنصة رئيسية لعرض خدماتها ومنتجاتها. وأصبحت الحكومة الكويتية تمول هذه المشاريع وتوفر لها الدعم اللازم، وذلك عن طريق إنشاء الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة عام ٢٠١٣.

كذلك فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في خلق مجتمعات إبداعية وتسهيل تواصل الشباب المبدعين، من فنانين وموسيقيين وكُتّاب، ببعضهم البعض مما أعاد إحياء المشهد الفني والإبداعي في الكويت، وهو ما كنا بحاجة كبيرة له بعد ركود دام لمدة طويلة. لم يتغير الوضع إلا خلال السنوات الأخيرة ، والمتزامنة مع توسع استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. فأصبح المجتمع أكثر تقبلًا لمختلف الأفكار وأكثر استعدادًا لاحتضان الإبداع ، وإن كان ذلك بشكل تدريجي، بسبب انفتاحه على العالم. 

وعلى الرغم من الفوائد التي يقدمها الهاتف الذكي ووسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنها كانت سببًا في انتشار العديد من الظواهر السلبية الناتجة عن سوء الاستخدام. فللأسف، أرى العديد من العائلات التي تسمح لأطفالها الصغار باستخدام ” الآيباد ” طوال اليوم وفي سن مبكرة للغاية دون أي رقابة على المحتوى الذي قد يكون غير مناسب للأطفال، فيأخذ الجهاز دور الحاضنة! هذا ناهيك عن المخاطر الصحية العديدة لا سيما على دماغ الطفل الذي ما زال في طور النمو. وهذه المخاطر الصحية لا تقتصر على الأطفال فقط، فكثرة استخدام الهاتف قد تؤثر سلبيًّا على صحة المفاصل والرقبة والسمع، وتسبب قلة النوم أيضًا. أتساءل عن مدى تأثيره على عقلنا الباطن، فالعقل البشري لم يسبق له قط أن يتعرض لهذا الكم الهائل من الصور والمعلومات بشكل يومي.

كذلك فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي في الكويت وسيلة لنشر الشائعات وتأجيج الرأي العام بصورة غالبًا ما تكون سلبية، حيث يعتمد أغلب الكويتيين على حسابات السوشيال ميديا للحصول على الأخبار والمعلومات، والتي قد تكون غير رسمية. وللأسف، فإن أغلب المشاريع الصغيرة هنا ذات طابع استهلاكي، أي لها علاقة بالطعام أو الكماليات، وذلك للحصول على الربح السريع دون التفكير بمشروع إنتاجي يفيد الآخرين إلا في أمثلة نادرة قليلة.

ولا يمكننا ذكر وسائل التواصل الاجتماعي في الكويت دون ذكر ” الفاشنستات ” وتأثيرهن – الذي أراه غاية في السلبية – على المجتمع. فقد ساهمن هؤلاء بشكل كبير في انغماس الشعب في الثقافة الاستهلاكية واللهاث وراء الحقائب والكماليات ذات الأسعار الخيالية. وبعد أن كانت عمليات التجميل هي الاستثناء لإصلاح العيوب الخلقية وخلافها، أصبحت أبراج عيادات التجميل ولوحات إعلاناتها الضخمة على مد النظر، وأصبح المجتمع مهووسًا بالأمور السطحية وعيش حياة البذخ التي تروج لها ” الفاشنستات “، لكن السؤال هو: هل يضمن أسلوب الحياة الزائف ذاك السعادة الحقيقية؟ 

نعم، شهدنا نحن –أبناء الثمانينيات فما قبل- عالمًا بلا إنترنت، بينما أصبح إنستغرام وأخواته جزءًا متأصلًا في ذاكرة الأجيال الحديثة. لا أحد يمكنه التكهن بماهية التأثير الفعلي لهذه التكنولوجيا على حياتنا. سنعرف ذلك بعد بضعة سنوات!

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

دانة الراشد كاتبة وفنانة من الكويت لها مقال أسبوعي في جريدة الجريدة الكويتية. بالإضافة إلى ذلك، تقوم بكتابة الأشعار باللغة الإنجليزية لعدة مجلات ثقافية مستقلة. صدر لها كتاب شعري تحت إسم Reflecting Moon. لديها شغف بكل ما يخص الثقافة والفنون المرئية والمسموعة والمشهد الثقافي الخليجي والعربي. انقر هنا لرؤية أعمالها الفنية.