ثقافة وفن عدد الشباب

كيف أصبح المبدعين ضحايا العبودية المؤسسية

" يصعب على المبدع أن يُقَيَّدَ بسجن العمل المؤسسي "

بقلم حصة البنفسج

تصبح الأيام أطول والليالي أقصر ويزيد حنيني للكتب والموسيقى والألوان. أراهن الأيام على فشلي في تهذيب نفسي، وحين يأتي الصباح أحزم عزيمتي وأنطلق إلى مصدر الرزق فتراودني الكلمات، تهمس حروفًا وأجزاءً من الذكريات أو القصص أو الأرواح. لم أعد أعلم ما هي، لم يعد يهمني من أين تأتي أو من تكون، كل ما يهمني أنها هنا، أنها تهمس وتهلوس وتداعب فكري.

أنا هنا حبيسة سجنٍ يزودني بقوتٍ لا نصيب لي منه يسمى ” العمل المكتبي ” ، كلما زاد قوتي نقص، وكلما حاولت اختلاس القليل مما أكسبه لي يسرقه من فمي الوقت. 

في الحقيقة أعلم أنني لست وحيدة في هذه المعضلة، وأن هناك الكثير من العتب على قلة التخطيط من طرف الذين هم مثلي. هناك عتب أيضًا على كل من تجرؤوا على إنجابنا دون أدنى تخطيط لجاهزيتهم المالية، والمعنوية أو الأبوية.

بما أننا نعيش في مجتمع لا يرضى باتهام الوالدين بأي خطأ فلنشطب على الجزء العلوي ونكمل.

أؤمن أننا يجب أن نكف عن لوم المجتمع، والأبوين، والإخوان، والأقارب والأصدقاء على الحظ السيئ الذي نحن متورطون به، وأن نتقبل حقيقة أن قراراتنا بيدنا. ولكن عجز الوالدين عن توفير الحياة الكريمة في صغرنا جهلًا منهما، ليس علينا، وللأسف سنتحمل نحن  تبعات قراراتهما السيئة كبقعة سوداء دائمة على ثوبنا الأبيض المفضل. أضف إلى ذلك أننا ندفع الآن قيمة القرارات المالية السيئة التي اتخذناها في المراهقة أو في مقتبل العشرينيَّات من عمرنا. وهي أخطاء فادحة ستلاحقنا تبعاتها لعشرين سنة قادمة. شكرًا لنظام التعليم الذي لم يعلمنا التخطيط المالي أو الأسري ولكن علمنا عدد الغرز في ثوبنا.

بما أننا في مجتمع لا يقبل التهكم على المؤسسات التعليمية فلنشطب على الجزء العلوي ولنكمل.

لست ” الموظف الكحيان ” الوحيد في سلسلة ” العبودية المؤسسية ” ، ولا أعتبر الرأسمالية الوحش القاتل الذي تمثله لنا وثائقيات المؤامرات السرية. أنا مجرد كاتبة، تراودني الكلمات في وسط اجتماع عملٍ مهم، فأبتر حبل كلماتٍ تعاقبني فلا تعود عندما أحتاجها. أجلس على طاولة عصف ذهني ويخيل لي أن كل من معي في جلسة حول نجمة الكون المتوقدة من الأرض ويجب علينا اتخاذ قرار ضد الساحرات اللاتي سيأتين للقضاء على القرية. أقف على منصة الإلقاء للتعريف بعضو جديد ينضم إلى المؤسسة فيخيل لي أنه طِفلٌ تائه يجب عليَّ إنقاذه إما بقتله أو دفعه خارج عجلة العبودية المؤسسية قبل أن يتورط فيها كما تتورط الفريسة بخيوط العنكبوت. 

العالم في رأسي يضج بالقصص، وبأصوات الشخصيات التي ترقص بخلخالها على نغم خيالي، وأخرى تمتطي مخلوقات ليست من هذا العالم. يصعب على المبدع أن يُقَيد بسجن العمل المؤسسي، أغلبنا من الكتاب والرسامين والفنانين والممثلين والمغنين والموسيقيين والشعراء نخوض ميدان العمل للأمن والاستقرار المالي الذي يمنحانه، ويدفع فننا ضريبة الوقت الذي نستثمره في العمل على أي شيء غير تطوير الفن الذي نؤمن أننا خُلقنا لأجله.  

أستفيق من أحلام يقظتي كل يوم ألف مرة بعد أن يصفع الواقع خدي ويوكز كتفي لينتشلني من الخيال إلى الحقيقة حيث الخيول بلا أجنحة والفرسان بدروعٍ بلا سيوف. هنا حيث المكتب المخضب بكل درجات الرمادي والحليبي، هنا حيث الجمادات بلا صوت ولا شخصية، أستفيق من تهويدة ضربات الأصابع على لوحات الكتابة السوداء وأنا على علم أنني سأدخل دوامة الخيال ذاتها بعد بضعة دقائق، فالعالم في رأس الكاتب والفنان لا ينام أبدًا.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

حصة البنفسج كاتبة إماراتية.