أدبيات عدد الزواج

قصة قصيرة: حسام ووداد

"إلى التي كل يومٍ أُحدّثها وإن لم توجد في إطار عالمي".

بقلم نوف أحمد

الصورة: Shutterstock

إلى من زادت الحُسنَ حُسنًا والبريقَ لونًا والسماءَ زرقةً والأرضَ زهرًا، من جعلت الشمسَ وِجهةً وصارت هي الشمسَ والوجهة، من القمرُ يُضيءُ بفضلٍ منها، تلك التي قلبي لأبدٍ معها، إلى التي كل يومٍ أُحدّثها وإن لم توجد في إطار عالمي، إلى التي أُقبّلها كل ليلة، وأفكر بعينيها كل ليلة، وأخبرها بأن قلبي معها منذُ رحلت كل ليلة، ثم أخبرها بأنني لا أريده أن يعودَ لي أي ليلة، وأنه بحِفظِ المُقدّسة وِداد:

مضت أربع سنين منذ افتراقنا، مضت سنتان على آخر لقاء لنا، سنتان على تعرّفي على أصول الندم.

تخليتِ كما طُلبَ منك، وأنا مضيت كما طُلب مني.

مضيتُ من العِشق، ولم أمضِ من حُب رِفقتك مع كل الأسف.

على كُل حال، أنا متزوج يا وداد! تزوجت فتاة أحبها حقًّا! 

قد تتساءلين لماذا لا زلت غير قادر على أن أمضي من هنا؟

وِداد كيف سأمضي؟  لأكون صريحًا أشعر بأنني مليء بالعار، إن افترقنا لأسبابٍ بيّنة من الطرفين لكنت حاولت أن أتناسى، لكنني أنا العاصي وأنا الكافر هُنا، أنا الذي لم أُحاول بما فيه الكفاية لنيل فصل الختام، أنا الذي أخذت وقتًا طويلًا حتى أرد على آخر كلماتك “امضِ” ولم أُحاول بجدٍ حتى.

أنا المتأخر دائمًا.

مضيت من العشق، مضيت من حُب العشّاق الذي كان بيننا، فلدي محبوبتي وزوجتي سناء وهي ما أعشق. لكنني لست بقادرٍ على أن أمضي من حُب صداقتنا، وإن تنحى العشق، وإن أصبحت قادرًاعلى محبة سواك. أنتِ لا زلتِ رفيقتي، أنتِ لا زلتِ الصديقة الوحيدة القادرة على أن تفهم غرابة مُفرداتي، غرابة ذاتي، أنتِ الملجأ الدافئ الذي سأحادثه كل ليلة مهما ابتعد.

أفكر مليًّا يا وِداد وأشعر بأن الندم رفيقي الطويل، وأن ضميري سيؤنبني حتى الموت.

أتذكرين ذلك اليوم، حينما سألتني عن حالي ولم أُجبك وتحاشيتك؟ أتذكرين كيف ابتسمتِ وقلتِ:” كيف حال عيني حُسام؟ “.

في عقلي كنتُ أردد:

” كم كان حُسام سيئًا! وكم كانت عيناه سيئتين! ما للودِّ بعد وِداد وِدًّا، وما لِحالي بسكونٍ بعد هذا الحضور. ما للنورِ بعد سيدةِ النورِ عشقًا، وما للكونِ بعد ابتسامتها سوى كل فرحةٍ وسرور. وبعد أن أضاءت الفضاء بوهجٍ شديدٍ جدًّا، كيفَ لكَ يا قمرُ أن تستمرّ وتدور؟! “.

ماذا تقترحين أن أقول للقمر عنكِ يا وداد؟

” حلّت مقامكَ فانزل ” بل ” كُنتَ يا قمرُ هنا تنوب “؟!

و ” بشّر جاراتك النجمات وأرسل، عادت كم من كانت حولكم بكل طيبٍ تجوب “؟!

سمعت أم كلثوم وهي تغني اليوم ” وفين حلاوة قربك فين، فين الوداد والحنيّة؟! “.

بكيت كما لم أَبْكِ من قبل.

ما فائدة السؤال هُنا فأنتِ لن تجيبيه؟!أم كلثوم لا تعلم أنكِّ قد متِّ يا وِداد!

حينما سمعت خبر وفاتك بعد شهرين من لقائنا ذاك؛بكيت كثيرًا ودَعَوْتُ أن يكون هذا حُلمًا. بكيت كثيرًا ولعنتُ نفسي، بل تمنيت أن أقتُلها.

حُزني على موتك كانَ دافعي الأكبر للموت، ولكن ابتسامتك ومحاولاتك السابقة لترميمي وكلمتك المُعتادة:”إن ترك جسدي هذا العالم يومًا، روحي باقية وساكنة في كُل جميلٍ فيه” كانت الدافع الأكبر للحياة. سأعيش كي أرى وِداد في كل جميل.

قابلت سناء بعد سنة من وفاتك وساعدتني كثيرًا وأحببتها بشدة وعاملتها بكل لُطف لأنني أعرف الآن كم بائسٍ هو الندم! وكم سيئٍ هو التحسّر!

مشيت على مناهج حُبك لي، وكم كانت مناهجك مثمرة!

أحبك جدًّا وأعلم بأنك لو كنتِ هنا لطِرتِ من الفرحِ لي. رأيتُ نجمةً تلمع في السماء البارحة ببريقٍ واضح. كان منظرًا جميلًا، وأنتِ موجودةٌ في كل جميل. أكانت تِلك النجمة أنتِ؟! أعتقد ذلك.

أنا جالسٌ أمام قبرك الآن يا وِداد، أكتب لك هذه الرسالة.

لطالما قُلتِ لي: ” حينما تشعر باكتظاظ مشاعرك، لا تنطِقها، اكتبها، اكتبها وأنتَ تبتسم “.

مشكلتي هي أن اكتظاظ مشاعري لم يتوقف يومًا منذ موتك، ولستُ بقادرٍ على أن أُخالط هذا الاكتظاظ بالتبسّم دائمًا، لكن أعدك أني سأستمر محاولًا.

اشتقت لكِ كثيرًا.

قلمي تخالطه الدموع الآن بينما أكتب.

لن تعيدك الدموع ولن تعيدك رسالتي ولن يعيدك اكتظاظ كلماتي. 

لكن لن أحبسهم.

أترك دموعي تنساب وأسمح لكلماتي أن تتدفّق معهم، أملًا في أن تطفو روحك وتعبرهم وتستشعرهم.

اشتقت لكِ كثيرًا،اشتقت لكِ كثيرًا، وأحبك كثيرًا.

احضني القلب الهارب أيتها المُقدّسة.

وعانقي روحي إن مررتِ بها يومًا.

مجبرٌ ألّا أقول:” إلى اللقاء ” لكن:” إلى رسالةٍ أُخرى يا وِداد “.

من عيني حُسام.

نوف أحمد كاتبة ومؤلفة ذات ١٨ ربيعًا. لها كتاب بعنوان “انجذّ فانكثم”.