آراء عدد الزواج

عن قلق الفتاة التي لا تحاول العثور على الحب

"يصوّر البعض الأمر وكأنه أسوأ ما يمكن أن يحدث للمرأة، أن تكون دون رجل" .

بقلم بخيتة عبدالله

الصورة : Shutterstock

نعتقد أن مفهوم الحب لدينا واضح وبَدَهِيّ: يختار رجل امرأة (أو العكس) لتكون الشخص الذي يرتبط معه بعلاقة حصرية يتبادلون فيها الآمال والأحلام والعواطف، ونجاح العلاقة في مفهومنا هذا مرتبط بالزواج.

نعتقد كذلك أن الحب بشكله هذا هو الصورة المثالية السائدة منذ بداية التاريخ الإنساني. ولكن في الواقع، اختلف مفهوم الحب المثالي عند البشر من زمن لآخر ومن مكان لآخر. على سبيل المثال، في أوروبا في القرن الثالث عشر كان حب فارس البلاط لزوجة الحاكم، وفي العصر الفيكتوري كان حب الأم لولدها. 

في شبه الجزيرة العربية كان الحب العذري بين اثنين تحول دونهما المعايير القبلية القاسية، وغالبًا ما كان الرجل في هذه الحالات شاعرًا كما تذكر كتب التاريخ عن قيس وليلى، وجميل وبثينة، وكثير وعزة. وحتى في الإمارات حيث ولدت ونشأت، لدينا مخزوننا من القصص الخالدة، من أشهرها قصة العقيلي وميا ( المعروفة أيضًا كالعقيلي واليازية) التي أصبحت مضرب المثل في الحدود التي ندفعها للوصول إلى الحب. 

أما في وقتنا الحالي، الحب الغيري والارتباط بعلاقة حصرية تتوج بزواج يستمر مدى الحياة هو الصورة المثالية التي يسعى إليها أغلبنا. لكن كيف يمكنني كفتاة خليجية من عائلة من الطبقة الوسطى وفي مجتمع محافظ. هدم كل مبادئ وأساطير الحب التي تلقنتها سواء كانت من الثقافة المحلية أو من الثقافة المصدّرة إليَّ من هوليوود وسيليكون فالي؟ كيف يمكنني التوصل لقناعة توازن بين مبادئي النسوية وواقعي وظروفي الاجتماعية كوني أعيش في عالم ذكوري وفي بيئة تحرّم بطريقة أو بأخرى الاعتراف بالحب؟

” للأسف، لا زالت مظاهر عدم المساواة في الحب واضحة للجميع “

لدى الكثير من الفتيات الخليجيات مصير مقرر سلفًا يربطهن بأبناء عمومتهن، ورغم تحفظي على هذا التقليد لكني اضطر للقول بأن المحظوظات منهن يكن قد عِشْنَ تجارب عاطفية معهم قبل الارتباط بهم. البعض يرضخ لهذا الزواج لعدم وجود خيار آخر، والبعض الآخر يرفض ويتحمل تبعات هذا القرار. إذا كنت قوية كفاية، سأرتبط بالشخص المناسب لي، ولكن قبل ذلك سأُزَجُّ في معركة غير متكافئة مع القبيلة والعائلة، قد يمحو آثارها الوقت أو قد تظل معي للأبد. 

ثم إذا تخطيت عالمي المحلي الصغير إلى مواجهة العالم الكبير، والذي نتشارك فيه همومنا كنساء الأدوار الجندرية مع اختلافاتها البسيطة من مكان لآخر، إلا أنها في الأغلب واحدة في كل مكان. أنا امرأة، وبالتالي عليَّ أن أنتظر زمام المبادرة من الرجل وإلا سأكون عرضة للشكوك وسوء الفهم حول سمعتي كفتاة جيدة، عليَّ ألا أختار رجلاً من جنسية مختلفة، عليَّ ألا أنجذب لرجل أصغر مني، عليَّ أن أقدم الكثير من التنازلات للرجل الذي سأرتبط به، عليَّ أن أكون أقل نجاحًا عمليًّا منه، عليَّ أن أكون مسؤولة عن رعاية وتنمية هذا الحب لأن هذا بالتأكيد ليس من مهام الرجل. 

سيأتي المثاليون ويقولون بأن العالم تغير وبأن هذه أفكار قديمة، ومع موجات النسوية التي اكتسحت العالم وحتى في الخليج، فإن التوجهات المساندة للمرأة في ازدياد. هذا صحيح ولكن للأسف، لا زالت مظاهر عدم المساواة في الحب واضحة للجميع. 

كيف يمكنني وضع هذا كله في الاعتبار والاستمرار في البحث عن الحب؟ كيف أتخطى أفخاخ الذكورية والواقع بكل تحدياته؟ هل أترك كل شعارات النضال وأعيش حياة سهلة ومسطحة مع رجل يساعدني في مواجهة عالم لم ولن يكون مصممًا لأن أكون فيه إنسانًا كاملاً؟ يسأم المرء المقاومة في بعض الأحيان. 

” عليَّ ألا أنجذب لرجل أصغر مني، عليَّ أن أقدم الكثير من التنازلات للرجل الذي سأرتبط به، عليَّ أن أكون أقل نجاحًا عمليًّا منه، عليَّ أن أكون مسؤولة عن رعاية وتنمية هذا الحب “

أم أترك اليأس يحولني لامرأة وحيدة؟ وهل هناك خطأ في هذا؟ ماذا لو كنت فعلاً مستقلة عاطفيًّا؟ يصوّر البعض الأمر وكأنه أسوأ ما يمكن أن يحدث للمرأة، أن تكون دون رجل. لا تزال الفتيات العَزْبَاوَات في عائلتي يتلقين نظرات الشفقة والدعوات المخلصة لهن للخلاص من شبح ” العنوسة “. استخدمت مرة هذه المفردة في عرض لبحث باللغة الإنجليزية عن وضع المرأة في المجتمعات الخليجية، ضحك أساتذتي الأجانب لأنها مفردة عفا عليها الزمن في قواميس اللغات الأخرى، ولكنها لا زالت تستخدم في دوائرنا الأكاديمية والعامة. 

إذا كنت شخصًا يرفض الإنجاب عن قناعة -وتلك قضية أخرى شائكة- هل يجب عليَّ أن أرضخ لمعايير الحب المثالية المفروضة عليَّ؟ هل ذلك يجعلني امرأة ناقصة؟ لا زلت لا أعرف الأجوبة لتلك الأسئلة ولكني أستطيع القول بأن الحب كان ولا يزال أحد أصعب الأشياء التي حاول الإنسان فهمها وتنظيرها والتحكم فيها. 

الحب بدأ قبل البشرية لغرض الاستمرار، للنجاة، وهذه الفكرة وحدَها في رأيي تفوق في جمالها كل المجلدات والدواوين التي كتبت عنه كظاهرة إنسانية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

بخيتة عبدالله كاتبة ومترجمة من دولة الإمارات العربية المتحدة. عملت كمترجمة في الأرشيف الوطني قبل أن تتفرغ كلياً للكتابة.