آراء عدد الزواج

الجزء الخفي من مجتمعنا الذي يجب أن نتحدث عنه

" ما زالت العلاقات العاطفية بين الجنسين واقعًا لا يتجزأ من مجتمعنا "

بقلم ميساء الجابري

عمل فني للفنانة السعودية زينب آل رضي.

كثيرًا ما يموت الحب في مجتمعنا الخليجي بغتة. يقتله الناس باسم الدين، أو تضيق عليه العادات والتقاليد إلى أن يبقى سطحيًّا لدرجة باهتة، بدايةً من وضع صورةٍ نمطيةٍ مغلوطة عن العلاقات العاطفية، متشكلة بسبب عزف الناس عن الحديث عنها بشكل واضح وصريح، خشية أن يتم تهميشهم وعدم تقبلهم اجتماعيًّا، ومرورًا بالتوقعات غير المنطقية التي يضعها الأفراد في بداية علاقاتهم. وبالرغم من ذلك، ما زالت العلاقات العاطفية بين الجنسين واقعًا لا يتجزأ من مجتمعنا، حتى وإن كان جزءًا خفيًّا، ومهما رفض الناس تقبله.

شكّل المجتمع صورة سيئة عن العلاقات العاطفية قبل الزواج، وصمها بالعار والعيب، وأضاف حولها حلقة مريبة تدعو للشك الأخلاقي دائمًا، متجاهلًا قدرة الطرفين على وضع حدود في العلاقة ينظمانها بطريقة تمكنهما من تعرف أحدهما على الآخر بحيث تعود بالنفع عليهما مستقبلًا. ومتجاهلًا أيضًا حاجة الإنسان إلى الاستقرار العاطفي. فترسخت هذه الصورة، وتفرعت أحيانًا عند الكثير من الأفراد لانقسامهم إلى قسمين:

الأول: الذي يرفض فكرة العلاقات العاطفية ويبتعد عنها معتبرًا إياها خطأ يجب تجنبه، ويميل هذا القسم إلى الزواج التقليدي مقتنعًا أن الحب ينشأ بعده.

أما القسم الآخر: فيرى أن العلاقات العاطفية أمر لا بد منه في رحلة ما من حياة الإنسان ويعتبرها الطريقة الأمثل للزواج. غير أن هذا القسم في الوقت ذاته يكون غالبًا قد وضع تصورات غير واقعية وتوقعات عالية للعلاقات، رسمها بناءً على مصادر أدبية كالأشعار أو إعلامية كالمسلسلات الخليجية والأفلام الغربية، والتي يكون فيها تمثيل هذه العلاقات سطحيًّا جدًّا وبعيدًا أيضًا عن الواقع.

” شكّل المجتمع صورة سيئة عن العلاقات العاطفية قبل الزواج، وصمها بالعار والعيب، وأضاف حولها حلقة مريبة تدعو للشك الأخلاقي دائمًا “

الفكرة المتداولة أن العلاقات الناجحة هي التي تتكون من كيانين متشابهين كثيرًا؛ أفكار متشابهة، أذواق متقاربة، وجهات نظر تكاد تكون متطابقة. وهذه توقعات غير واقعية، لأن العلاقات تختلف بطبيعة الحال، وتتفرد كل علاقة عن أخرى لأسباب عدة تعود لرغبة الطرفين في طريقة تشكيل تلك العلاقة ووضع الحدود والإطارات لها. ولهذا السبب فإن الكثير ممن يخوضون في غمار علاقة لأول مرة يجدون صعوبة في التأقلم مع الظروف التي تمر بها العلاقة لوجود حاجز التوقعات الذي بني منذ بدايتها. وغالبًا لا يجد الشخص أحدًا ليستشيره أو يسأل عن تجربته بسبب أن العلاقة أصلًا سرية. وقد يعود الشخص إلى أقرانه من نفس الفئة العمرية الذين يحملون نفس الأفكار والتوجهات وربما التوقعات نفسها من العلاقات العاطفية. ونتيجة لذلك فإن الأشخاص يجدون أنفسهم في صدمة الفجوة بين توقعاتهم وحقيقة ما يعيشونه في العلاقات. فلا يتقبلون أن العلاقة من الممكن أن تمر بفترة سيئة جدًّا تهز كيانها بطريقة مرعبة، فيستسلم من المرة الأولى. ولا يتقبلون أن تمر علاقتهم بفتور ممل، فينسحبون بسرعة من العلاقة. ثم يظل يدخل في كل علاقة بحثًا عن نصفه الثاني الذي سيطابق توجهاته وتطلعاته كلها، ويخرج بنفس السرعة من تلك العلاقة عندما يكتشف اختلافًا لا يريده.

” علينا أن ندرك كمجتمع خليجي أن العلاقات العاطفية موجودة في محيطنا حتى وإن كانت بشكل مخفي وسري جدًّا، وأن هذه العلاقات ليست بالضرورة سيئة أخلاقيًّا “

ربما من أهم الأسباب لوجود هذه الفجوة بين توقعات الشباب لطبيعة العلاقات العاطفية وبين حقيقتها، هي افتقار المجتمع للثقافة النفسية والاجتماعيةالتي تشمل الذكاء العاطفي، ومعرفة الشخص بطرق التعرف على طبيعة الطرف الآخر وخلق البيئة المناسبة لكليهما، غير أنها تكون مهمشة أغلب الوقت في الإعلام بشكل كبير. وباعتبار أن الثقافة النفسية من العوامل التي توجه حاجة الإنسان العاطفية وتصقلها بشكل واقعي، فإن افتقار مجتمعاتنا الخليجية لها يؤدي إلى نشوء هذه الفجوة. وبذلك تولد العلاقات العاطفية الهشة التي تعاني من عدم وضوحها للطرفين بسبب توقعات كل منهما المختلفة عن الآخر، وبسبب عدم تقبل المجتمع لوجود العلاقات فيه وبعده عن الحديث عنها بشفافية والتقليل من أهميتها باعتبارها علاقات خاطئة غير أخلاقية. وبهذا فإن الفكرة الواقعية للعلاقات العاطفية غالبًا ما تتشكل لدى الفرد في وقت متأخر جدًّا من خلال تجاربه التي تكون سيئة ومؤلمة في بعض الأحيان.

علينا أن ندرك كمجتمع خليجي أن العلاقات العاطفية موجودة في محيطنا حتى وإن كانت بشكل مخفي وسري جدًّا، وأن هذه العلاقات ليست بالضرورة سيئة أخلاقيًّا. تمامًا مثلما يجب أن نقبل أن هذه العلاقات قد تستمر وتدخل مرحلة الزواج، وقد تنتهي أيضًا قبل ذلك سواء برغبة أحد الطرفين أو كليهما. وأن انتهاءها قبل مرحلة الزواج لا يعني أن العلاقات العاطفية فاشلة، لأن هذا المعيار الذي وضعه المجتمع للعلاقات غير واقعي ويرغم الأطراف في العلاقة على وضع توقعات طموحة في مرحلة أولية. لذلك يجب ألا نتجاهل هذه العلاقات لمجرد رغبة المجتمع في تلاشيها.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

ميساء الجابري كاتبة من عُمان مهتمة بحقوق المرأة، والأدب، والتاريخ. تقضي ميساء معظم وقتها في القراءة، والكتابة، وخبز الكعك.