آراء عدد الهوية

كيف نحفظ الإرث الشفهي الخليجي

مقالة بقلم كاتب رواية "سوشي: أبي سني، أمي شيعية ".

بقلم محمد لوري

الروائي والكاتب البحريني محمد لوري. الصورة: محمد لوري.

هذه القصة برعاية عيادة الدكتور روكو التخصصية للأسنان في أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة.

عندما شرفني فريق عمل سكة بدعوتهم لي لكتابة مقالة في هذا العدد احترت كثيرًا في الفكرة التي سأطرحها وخصوصًا فيما يتعلق بالهوية الوطنية والتراث والتاريخ، فالمجال واسع والكلمات لا توفي ولا تكفي للكتابة عن حضارة مثل حضارة البحرين القديمة الممتدة من دلمون مِمَّا قبل الميلاد وحتى اليوم.

ولكن مع استغراقي في التفكير خطرت في بالي بعض المواقف التي مرت عليَّ خلال كتابتي لروايتي الأخيرة ” سوشي “، وأول ما يتبادر لذهنك عزيزي عندما تقرأ العنوان هي الأكلة اليابانية الشهيرة، ولكن في الواقع كلمة “سوشي” في عنوان الرواية عبارة عن مسمى للمواليد الذين ولدوا نتيجة للزيجات المختلطة ما بين السنة والشيعة، فيقول بطل الرواية أبي سني وأمي شيعية ولذلك أنا ” سوشي “.

تطرقت في الرواية للحديث عن ” جيل الطيبين ” كما نسميهم جيل الأربعينيَّات والخمسينيَّات ويُسْر العيش وحب الأرض والتعامل مع الناس بمذهب الإنسانية فقط ولا غيره، عن بساطة العيش ونقاء القلوب، عن التمسك بالعادات والتقاليد، عن الموروث الشعبي الذي هو جزء لا يتجزأ منا.

” كلمة ” سوشي ” في عنوان الرواية عبارة عن مسمى للمواليد الذين ولدوا نتيجة للزيجات المختلطة ما بين السنة والشيعة “

استغرق مني هذا الكتاب سنتين ما بين البحث في المصادر وما بين المقابلات التي أجريتها للحصول على معلومات أكثر دقة لذلك الزمن الذي لم أعشه، قابلت فيها المسن الذي يعاني من صعوبة في السمع، والآخر الذي لا يكاد يرى، وآخر يمسح دمعته وهو يتحدث عن طفولته ومكان عمله وهو يتذكر الرفاق الذين رحلوا ولم يبقَ إلا هو، كانت كل تلك اللحظات مليئة بالمشاعر التي تختلط وتعصر قلبك لتوصل إحساس هؤلاء الناس في قالبك الروائي وقصتك التي ستبنيها على أساس ذكرياتهم وتشيدها بدموعهم.

فكان العم عليٌّ يحكي لي عن أزقة الفرجان والأبواب المفتوحة، عن رائحة الطبخ التي تنتشر بين أروقة الفريج الواحد وتبادل الصحون بين الأمهات وكل بيت له ” نيشان ” معين على صحنه لكي يعود له الصحن مع طبق آخر من الجيران.

رواية ” سوشي: أبي سنّي و أمي شيعية ” لمحمد لوري. الصورة: محمد لوري.

كما أخبرني العم حسين عن الرابط القوي بين مكونات المجتمع في ذلك الزمان، حيث كان الجار السني والآخر شيعي، والبيت الذي يليه يهودي، وهناك في الزاوية نصراني، مع وجود أعراق وجنسيات مختلفة إلا أن الجميع كانوا متحابين ومترابطين ويشارك بعضهم البعض في جميع مناسباتهم.

مع هذه القصص التي سمعتها من أصحابها ومع كل تلك المصادر الموثوقة التي استندت عليها فإنني تجنبت كتابة التواريخ والأرقام في الرواية وذلك لمنع أي محاولة تصيد أو العبث في التاريخ ويعود السبب في ذلك إلى أنه لن تستطيع تحري الدقة مع وجود تضارب أو اختلاف بين الروايات التي تسمعها وبين ما تقرأ، كما أن للتاريخ والتأريخ أناسًامتخصصين لن نتدخل في مجالهم، فنحن هنا نصنع رواية ولسنا مؤرخين.

” كان الجار السني والآخر شيعي، والبيت الذي يليه يهودي، وهناك في الزاوية نصراني، مع وجود أعراق وجنسيات مختلفة إلا أن الجميع كانوا متحابين ومترابطين “

ومع كل هذا الحرص والتحري في الكتابة وعدم ذكر أرقام أو حوادث معينة مرتبطة بتواريخ لست متأكدًامنها إلا أنني وقعت بين يد بعض كبار المثقفين الذين أتموا قراءة الرواية وعادوا إليَّ مع ملاحظاتهم التي تعني لي الكثير، وطبعًالأنك لا تجادل من يكبرك سنًّا فأنت مجرد مستمع ومدون لما يقولونه، فيقول أحدهم لقد أخطأت في وصف الداعوس الفلاني والذي لم يكن يحوي على كذا وكذلك لم تُصِب في لون الثياب حيث إننالم نرتدِ هذه الألوان ولم تكن موضتنا آنذاك.

ويأتيك آخر ويقول: أبدعت في وصف الداعوس الفلاني وأرجعتني لزمن الطفولة التي أفتقد ولا نملك منها إلا الذكريات، فتبتسم لأنك استطعت أن تعيد هذا المسن إلى طفولته ولو بكلمات بسيطة تنعش بها ذاكرته، وهنا يقف العقل متحيرًا بين ذاك الذي يظنك أخطأت جدًّافي الوصف والآخر الذي أعدته لماضٍ جميل.

” إن تقييد وتوثيق هذه القصص التي نسمعها من الآباء والأجداد وحفظها في الكتب التاريخية أو سردها بشكل روائي من شأنه إثراء المخزون التاريخي والثقافي للوطن، وستكون من الإسهامات الكبيرة في الحفاظ على الموروث الشعبي الذي ستتناقله الأجيال “

وهنا يتجلى الجمال في المشاركة والاختلاف، فالكتابة هي توثيق لما يدور في رأسك وهي أصل الفكرة ونقطة العودة والذهاب ما بين الماضي والحاضر، فمع كل التحري والتحقق إلا أنك ستواجه ردود فعل مختلفة، فالصغير سيعبر عن حبه كونك أخذته لشخصيات وأماكن كان يسمعها من والديه وأجداده، وآخر في متوسط العمر قد أعدته لطفولته ورفاقه وأيقظت فيه شعور الماضي، وكهل آخر تدمع عيناه وهو يقول قد أعدت الذكريات ولكن من يعيد الرفاق.

ولذلك فإن تقييد وتوثيق هذه القصص التي نسمعها من الآباء والأجداد وحفظها في الكتب التاريخية أو سردها بشكل روائي من شأنه إثراء المخزون التاريخي والثقافي للوطن، وستكون من الإسهامات الكبيرة في الحفاظ على الموروث الشعبي الذي ستتناقله الأجيال، وسيعلم كل جيل كيف كان يعيش ” الطيبون ” لتستمر الحياة ولكن مع التمسك بهويتنا الدينية والتاريخية والفخر والاعتزاز بهوية الآباء والأجداد الذين بنوا هذا الوطن بسواعدهم لنواصل المسير غير متناسين هويتنا العربية وقيمنا الإسلامية.

كما ستجد من يعاني من شهوة الانتقاد وينتقد من أجل الانتقاد فقط لا من أجل أن تتفادى أخطاءك مرة أخرى وهنا ما بين المديح والانتقاد يكمن تقبلك للاختلاف الذي سطرته في كتابتك وما تدعو إليه من تقبل للجميع وزرع ثقافة الاختلاف بين المجتمع.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

محمد لوري كاتب وروائي بحريني صدرت له عدة روايات منها: ” تذكرين الأماني والوعود “، ” تجار الجثث: ملحد في المحراب”، ” تجار الجثث: ارهابي ضل الطريق “.