ثقافة وفن عدد الهوية

قراءنا يخبروننا كيف تم التنمر عليهم

" معظم الناس لا يتفهمون حقيقة أن التنمّر يُخلّف أثرًا بالغًا في المرء.. أثرًا جسيمًا " .

بقلم فريق سكة

الصورة: Shutterstock

هذه القصة برعاية عيادة الدكتور روكو التخصصية للأسنان في أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة.

الوقوع ضحية للتنمّر قد يكون أمراً مؤلمًا ومُحطمًا نفسيًا، خاصةً إذا كان التنمّرموجهًا نحو الهوية ذاتها، أو نحو مكون آخر أساسي من مكونات الشخصية. فهو قد يضرّ بصورة المرء عن نفسه وعن الآخرين لسنوات طويلة، بل وربما يُصيغ شخصية المرء لبقية حياته. 

تحدثنا هذا الشهر إلى ست نساء وقعن ضحية للتنمّر، وطلبنا منهنّ أن يروين لنا كيف تعرّضن للتنمّر، ولماذا، وكيف أثرّت تجاربهن تلك فيهن. 

تراوحت إجاباتهن بين التعرّض للتنمّر بسبب إعاقة ما وبسبب الهدوء المفرط، وبلا أي سبب واضح على الإطلاق. لكنَّ الخيط المشترك الذي جمع كل تلك القصص ببعضها كان أنَّ تلك التجارب لازمت ضحاياها وأثرّت فيهن، سواء بالإيجاب أو بالسلب، لمدةً طويلةً.

” تعرّضتُ للتنمّر لأنني مصابة بصمم”

” أنا مصابة بصمم منذ ولادتي، ثم أُجريت علي عملية زراعة القوقعة فأصبحت أسمع بمساعدة السماعة. وكانت الطالبات في المدرسة يتنمرّن عليّ لذلك، بل وكنَّ ينبذنني من مجموعاتهن أيضًا، أو يرفضن مصادقتي من الأساس. لم أكن أبالي حقًا، ولكن المشكلة أنَّ الأمر لم يتوقف عند الطالبات. عندما كنت في الصف السادس، جعلتني إحدى المعلمات أجلس على الأرض ونعتتني بـ”الخنزيرة“ و”الصمّاء“ لأنَّني تكلمت مع إحدى زميلاتي في الفصل أثناء الدرس لأنبّهها إلى أنَّها أخطئت في شيء كانت تكتبه. وبالمثل، كانت معلمة السباحة في مدرستي تعزلني عن الفتيات الأخريات دائمًا، وتتنمّر عليّ أثناء حصة السباحة. استمر ذلك حتى الصف الحادي عشر. أنا الآن في سنتي الأخيرة من المدرسة الثانوية، ولم تعد تلك الحوادث تضايقني في المجمل . وحين يحدث ذلك، لدي دفتر اشكو له همومي. ولكنها بوجه عام جعلتني إنسانة أقوى. “

– بثينة الكندي، سلطنة عُمان 

“تعرضتُ للتنمّر من قِبل رئيستي”

” طوال السنوات الثلاث الماضية من عملي، كنت أسمع باستمرار أن المجهود الذي أبذله ليس كافيًا. الوقوع ضحية للتنمّر كشخص بالغ أمر صعب للغاية، لأنَّني أجد نفسي في نهاية المطاف في غرفة الاجتماعات ورئيستي تصرخ في وجهي، لكنَّني لا أجد ردًا مناسبًا. منذ البداية وأنا أشعر أنَّني مُستهدفة لأنَّني هادئة بطبعي. فمثلاً، حين تقف رئيستي لشرح شيء ما، يأتي تعليقها التالي دائمًا موجهًّا إليَّ: “أنا لا أتحدث اللغة العربية بالطلاقة الكافية”، أو “أنا مفرطة الحساسية”، أو “أنا مُدللة”، أو “ما الذي أفعله هنا على أي حال؟”. أعلم أن من يشعرون بانعدام الثقة في أنفسهم يُسقطون عيوبهم على الآخرين، لكن قسمي كله كان يُعاني بصورة أو بأخرى، وحدهم الضعفاء هم المُستهدفون. وفي كل مرة كانت رئيستي ترفع صوتها، أو توجّه لي الشتائم أو التعليقات البذيئة، كنت أشعر أنَّني لست مستعدة لذلك. 

في صغري، حتى وإن تعرضت للتنمّر من إحدى المعلمات، كانت عائلتي التي تُفرِط في حمايتي تحاول حل المشكلة وغرس احترام الكبار فيّ في الوقت نفسه. النتيجة أنَّني صرت لا أمتلك المهارات اللازمة كشخص بالغ، فكيف لي أن أرد على شخص يتغذى على سكوتي، خاصةً وأنَّني تربيت على أنَّه من غير الاحترام أن أجادل شخصًا أعلى مني مقامًا؟ حاولت أن أكون الشخص الأكثر نضجًا، لكنَّ ذلك عنى أنَّني صرت أعمل طوال الوقت لأنَّني كنت تحت ضغط نفسي شديد لم يعد معه أي شيء كافيًا. كنت أرسم في مخيلتي سيناريوهات أتصور فيها نفسي وأنا أتكلم أخيرًا، لكن في كل مرة أريد فعل ذلك، كنت أشعر وكأن أحبالي الصوتية عالقة.  

جاءت المواجهة في مرحلة ما، حين سألتنا رئيستي إذا كنَّا سُعداء في عملنا. كان الأمر أشبه بذلك المشهد من فيلم The Little Mermaid، حين استعادت حورية البحر أريال صوتها فجأة، فعلا صوتها بالغناء. كان ردّها أنَّها فخورة بثقتي بنفسي، فأردت أن أصرخ فيها أنَّه ليس من حقها أن تنسب لنفسها الفضل في مجهودي. ربما كنت أخشى في صميمي أنَّني إن تكلمت سأصبح ظالمة، وعندها لن يكون هناك فرق بيننا. لكنَّني اكتشفت أنَّه لا داعي لأن أدافع عن نفسي بوقاحة أو بصوت عالٍ؛ كل ما عليّ هو أن أستخدم صوتي، بهدوء، وبذكاء عاطفي، لكن بصراحة شديدة. 

انقلبت الموازين بيننا الآن، وصرت أكثر ارتياحًا مؤخرًا، فمنذ أن أصبح صوتي مسموعًا في مكان عملي، لم أعد أسمح لكل شيء بأن يؤثر فيّ”. 

– مجهولة، الإمارات العربية المتحدة

الصورة: Shutterstock

“تعرضتُ للتنمّر لأنني من بلد آخر” 

” حين كنت في المدرسة الابتدائية، كانت صديقتي المقرّبة خليجية، من البلد الذي أقيم فيه. أنا أيضًا خليجية، لكنَّني من بلد مجاور لبلدها. ذات يوم، تشاجرنا وتوقفنا عن الحديث مع بعضنا، فما كان منها إلا أن قلبت الفصل كله ضدي. بدأن جميعًا يرددن كلمات مهينة لي في فترة الاستراحة في المدرسة، ويسخرن من وطني، حتى إنَّهن اتصلن بأمي واتهمنني زورًا أنَّني أغازل الرجال وألتقي بهم، مع أنَّني لم أكن قد بلغت الثانية عشرة من عمري بعد! ليس هذا فحسب، بل اخترقن بريدي الإلكتروني، وحولّن  حياتي في المدرسة جحيمًا. لم يعد أحد يريد الحديث معي أمام الناس، فصرت أذهب للاختباء بين رفوف مكتبة المدرسة وقراءة الكتب بمجرد أن يدق جرس الاستراحة. 

لحسن الحظ، كانت الإجازة الصيفية على الأبواب. وفي العام الدراسي التالي، التحقت بمدرسة أخرى. لكنَّني طوال فترة الصيف لم أتواصل مع أيّ من صديقاتي أو أي أحد على الإطلاق، في ما عدا أفراد أسرتي الصغيرة. لقد حطّم تنمرهن جزئًا منَّي، ومازلت حتى الآن أعاني صعوبة في الوثوق بالفتيات من ذلك البلد الخليجي ومصادقتهنّ. لعل العبِرة الإيجابية التي خرجت بها من هذه التجربة هي أنَّه تسنّى لي الانتقال إلى مدرسة أفضل، ثم الالتحاق بجامعة مرموقة، واستغلال ذلك الألم في جعل نفسي شخصًا أقوى وأحسن وأكثر تعاطفًا مع الآخرين. والآن حين أتذكر تلك الفترة من عمري، أشعر بالأسى على تلك الفتيات. فمن المؤسف أن تكون فتيات في مثل هذا السن الصغير قادرات على إيذاء الآخرين إلى هذا الحد “.

– مجهولة 

تعرضت للتنمّر من قِبل أعز صديقاتي”

” حين كنت في الصف الخامس، تعرضّت للتنمّر من أعز صديقاتي. بدأ الأمر بأنَّ سخرّت منّي دون سبب. وكأنَّ ذلك لم يكن كافيًا، قلبت الصف كله ضدي في نهاية المطاف. كنَّ يسخرن منَّي، وكان ينتهي الأمر دائمًا بأن أبكي في الحمَّام. 

بالنسبة لي، كانت هذه هي أسوأ تجربة مررت بها في حياتي. كانت تجربة مؤلمة وصادمة لأنَّها جعلتني أظن أن الجميع مثلها، إلى حد أنَّني مازلت أصاب بالقلق كلما احتدّ النقاش أو الشجار بيني وبين صديقاتي اليوم خشية أن ينتهي بي الحال بأن أتعرضّ للتنمّر على أيديهن هنّ أيضًا. مازلت لا أعرف حتى الآن لماذا اختارت أعز صديقاتي أن تتنمّر عليّ أنا بالذات، كل ما أعرفه هو أنَّني كنت طيبة ومتسامحة معها في ذلك الوقت. 

استمر التنمّر حتى المدرسة الثانوية، وتكرر مرات لا تُعد ولا تُحصى من أكثر من شخص، إلى أن بلغت عامي الأخير في المدرسة الثانوية، وصرت قوية، وبدأت أن أدافع عن نفسي. 

كان الأمر يصيبني بالكوابيس، لكن هذا قد توقف لحسن الحظ. صحيح أنًّني في الجامعة الآن، إلا أنَّني مازلت أظن بأنَّ كل من أعرفهم سوف ينقلبون ضدّي. مع الأسف، معظم الناس لا يتفهمون حقيقة أن التنمّر يُخلّف أثرًا بالغًا في المرء.. أثرًا جسيمًا. مع ذلك، أواصل حياتي، وأحاول أن أظل مؤمنة بأنَّ الناس أخيار بالفطرة “. 

– زينب وليد، الكويت 

تعرضت للتنمّر بسبب مظهري”

” حين كنت في الثانية عشرة من عمري، كنت مصابة بالأنيميا الحادة. نتيجة لذلك، كنت نحيلة بصورة ملحوظة وكان لدي ضعف شديد في البصر، فكنت مضطرة لارتداء نظارات سميكة للغاية تخفي شكل عينيّ عن الناس، مما جعل زميلاتي في الفصل إمّا يسخرن منّي بسبب ذلك أو يُحدّقن بي كأنَّني غير طبيعية. كنّ يسخرن منّي بألقاب مثل “البومة” أو “أصابع الإسباغيتي” أو “ابنة الزرافة”، بل وذهبت بعضهنّ إلى نشر إشاعة عنّي بأنَّني مصابة بداء غريب مُعدي!

لفترة طويلة، كان الذهاب إلى المدرسة يصيبني بالتوتر الشديد، إلى حد أنًّني كنت أتغيب عن المدرسة لعدة أسابيع متتالية. لكنَّني في نهاية المطاف سألت نفسي: ” هل  مظهري هذا برغبتي؟ ” فكانت الإجابة: ” كلا، هذا قدري؛ ولم تكن لي يد فيه “.

بمرور الوقت، توقفت زميلاتي في المدرسة عن التنمّر علّي لأنَّني لم أكن أرد عليهن أو حتى أبالِ بما يقلنه عنَّي. أنَّا الآن في الثامنة عشر من عمري، وفي أفضل حال ممكن: أتبع حمية غذائية صحية، وأمارس الرياضة، وألعب كرة السلة، وأتدرب على الفنون القتالية حتى. كما أنَّني بدأت أرتدي عدسات لاصقة، وأصبحت عني ثقة شديدة بنفسي “.  

– سميرة تسغتي، المغرب 

تعرضت للتنمّر من قِبل قريباتي”

“تعرّضت للتنمّر لأول مرة على يد قريباتي حين كان عمري ١٣ عامًا. كانت إحدى قريباتي، لنقل إن اسمها “هند” (ليس اسمها الحقيقي)، هي العقل المدبر وراء الأمر برمته. كانت هند تكبرني بأربعة أعوام، وكانت على وشك أن تبدأ عامها الأول في الجامعة آنذاك. 

طوال تلك السنوات، حاولت هند بكل جهدها أن تُقصيني وأن تجعلني أشعر بأنَّني لا أستطيع فعل أي شيء. كانت دائمًا تُظهر سلوكًا عدوانيًا سلبيًا تجاهي. على سبيل المثال، كلما جلست مع قريباتي في غرفة المعيشة، كانت تُمعن النظر في تحركاتي طوال الوقت فقط لتجد شيئًا ما أفعله يمكنها السخرية منه كي تُضحك  قريباتي الأخريات. كانت دائمة الانتقاد لي، سواءً بسبب مظهري، أو ما قلته في وقت سابق، أو الأشياء التي أحبها، أو حتى شخصيتي.

سرعان ما تغيّرت شخصيتي أثناء فترة تعرّضي للتنمّر منها، إذ كنت أسمح لها بالنيل منَّي بكلماتها وتصرفاتها. كنت أشعر دائمًا أنَّني أقل قيمةً من الأخريات، إلى حد أنَّني كنت أظن جديًا أنَّ بي عيب ما، وأنَّ هذا هو سبب تنمّرها عليّ. 

وصل الأمر إلى حد أنَّ غيّرت المضايقات النفسية واللفظية من رؤيتي للناس لفترة، فكنت أظن أن أغلب الناس مثل هند على الأرجح. وإذا لم يكونوا مثل هند، فهم مثل قريباتي الأخريات اللاتي كنَّ ينضممن إليها في متعة إحراج الآخرين. كما ظللت لفترة طويلة جدًا لا أشعر بالراحة في التعبير عن نفسي للآخرين. 

كان عمري ١٨ عامًا حين قررت أنَّ معاملتها لي بهذه الفظاعة هو أمر غير مقبول. أدركت ذلك بعد مرور زمن طويل لأنَّني صرت ناضجة بما يكفي لأرى حقيقة كل هذا التنمّر أخيرًا، وفهمت أنَّني لست الضحية الحقيقية هنا. كما أنَّني صرت كبيرة في السن بما يكفي كيلا أخشى تنمّر متنمّرة بعد الآن. لذلك، قررت أن أضع حدودًا بيني وبينها، فلم أعد أتكلم معها سوى في التجمّعات العائلية، ولا أتواصل معها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وبدأت في الرد على تعليقاتها. ولدهشتي، توقفت عن معاملتي معاملة سيئة بسرعة شديدة. 

بعد سنتين، قررت أن تُبعدني عن حياتها كليًا بعد أن احتدم نقاش حدث بيني وبينها. لكنَّها لم تتوقف عند هذا الحد، بل ذهبت إلى قريباتي ونشرت الأكاذيب والإشاعات عنّي بينهن، وما زالت تفعل ذلك حتى يومنا هذا. 

وفي حال كنتم تتسائلون، معظم قريباتي أدركن في النهاية أنَّها كانت تعتدي عليّ بأشكال عديدة، فوقفن  في صفّي، ومازلن كذلك حتى الآن”. 

-مجهولة، الإمارات العربية المتحدة. 

هذه القصة مترجمة من اللغة الإنجليزية.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.

فريق سكة