آراء عدد الهوية

” كنت مقتنعة تمامًا أنني لست فتاة “

بحث عن الهوية.

بقلم ميساء الجابري

عمل فني للفنانة البحرينية مريم جمال.

هذه القصة برعاية عيادة الدكتور روكو التخصصية للأسنان في أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة.

كنت أساعد عمي الذي يكبرني بأربعة أعوام في صناعة الطائرات الورقية عندما كنت طفلة، أو في حالتنا الطائرات البلاستيكية، لأننا كنا نصنعها من أكياس القمامة البلاستيكية السوداء. نستمر في ذلك طوال وقت الظهيرة، الجميع نائمون في قيلولتهم ونحن نصنع بلا ملل. غير أنه ما أن يدخل وقت العصر حتى يهرع مسرعًا إلى صديقه، حاملًا الطائرة  ليلعب معه وينسى أمري. كنت أمتعض من ذلك، وأغضب لأنني فتاة لا يريد الصبية اللعب معها. أنتظر في كل يوم أن يطلب مني مرافقته فلا يفعل. أجلس بمفردي أراقب طائرتي تطير بتعاسة في السماء، وأنا مثبتة على الأرض.

بدأ شعوري بالتيه منذ ذلك الوقت، منذ أن كنت طفلة. ولكنه اشتد وتشكل أمامي بوضوح في سنوات المراهقة، لأنني في تلك الفترة أضعت نفسي تمامًا. ولم أكن أعي ذلك وقتها، إلى أن بدأ عقلي يعي مصطلحات أكثر اتساعًا من عالمي الصغير، مثل ”أزمة الهوية“. أدركت أنني لا أعي من أنا، ولا أستطيع تحديد هويتي. وأن تلك أزمة في حد ذاتها، لأن شعور الضياع مريعٌ حقًا، وكأنك تبحث عن شيء لا تعرفه، مغمض العينين في وسط ظلام دامس، تترقب أن تستيقظ يومًا وتفهم معنى أن تكون أنت في تلك اللحظة بذلك الحضور.

أعتقد أنني أصبحت تائهة في تلك المرحلة بسبب عدم وضوح دوري في المجتمع الذي عشت فيه. أو لأكون أكثر دقة، بسبب عدم تقبلي للدور الذي فرضه المجتمع عليَّ، ذلك الصندوق الذي يُشكله مجتمعنا لكل فئاته، نحشر أنفسنا بقوة بداخله لنصبح مربعات متشابهة فلا ينزعج أحد من اختلافنا. في حالتي كان ذلك الصندوق زهري اللون، مملوءًا بالكثير من الأشياء التي لا تستهويني. لم يكن يعجبني، لأنني لم أجد نفسي فيه، وأبيْت أن أضعها بداخله رغمًا عنها. ذلك كان صندوق الفتاة في مجتمعنا، وأنا لم أكن بداخله. 

” أدركت أنني لا أعي من أنا، ولا أستطيع تحديد هويتي “.

أصابني ذعر طفيف لم أكن أشعر به كشيء ملموس حينها. كنت مقتنعة تمامًا أنني لست فتاة، على الأقل ليس بذلك المصطلح ولا في ذلك الصندوق، لأنني لم أتصرف كالفتيات، لم أحب ما يحبنه. كنت أحب أن أشاهد مباريات كرة القدم، وكان ذلك وقتها محصورًا على الفتيان. أسمع دائمًا عبارات مثل “أنتِ فتاة، كيف تحبين هذا؟” أو ” تحبين متابعة الرياضة مثل الأولاد”. ترسخ في ذهني من الطفولة أن الأولاد لهم مزايا أفضل، حتى اهتماماتهم المسموح بها كانت ممتعة أكثر، لذلك لم أجد نفسي في محيط يتقبل اختلافي، بل يقارنه دائمًا بالجنس الآخر. قررت حينها بأنني لن أعرَّف نفسي بأني فتاة، وكنت أيضًا لا أعُرِّف نفسي بأني فتى. ضربت بجميع التصنيفات المعترف بها عرض الحائط، وبدأت أعرّف نفسي للجميع بأنني في المنتصف، هوية جديدة ابتدعتها لنفسي عندما لم أجد إطارًا مناسبًا لها في جميع الخيارات المتاحة. لم يأخذني أحد على محمل الجد، جميعهم اعتقدوا بأنني كنت أمزح أو أمر فقط بمرحلة ثورة في مراهقتي.

” قررت حينها بأنني لن أعرَّف نفسي بأني فتاة، وكنت أيضًا لا أعُرِّف نفسي بأني فتى “.

كانت الفكرة المرسومة لجميع الفتيات في محيطي لا تناسبني، ”الفتاة ضعيفة“، وأنا لم أقبل بذلك. ”الفتاة يجب أن تكون جميلة وتهتم بشكلها طوال الوقت“، ”الفتاة تستخدم عاطفتها في الحكم على الأشياء“، وأنا لم أقبل بهذه الأحكام.”الفتاة دورها الأساسي في المجتمع يكون في داخل البيت“، تربي الأطفال وتعتني بشؤون المنزل“، وأنا لم أرَ نفسي في ذلك الدور. كنت أرغب بشيء مختلف لم أجده حولي فصنعته بنفسي. كانت تلك طريقتي لمحاولة الثبات لأنني تعبت من البحث. أردت أن أصل، فخلقت لنفسي طريقا. لم يكن سهلًا أبدًا أن أكون مختلفة. عانيت كثيرًا واعتقدت أحيانًا بأن بي خلل يجب علي إصلاحه. لذلك كنت سعيدة جدًا عندما شكلت لنفسي هوية خاصة خارج إطار التعريف المعروف للفتاة، حسبت أنني بذلك سأفهم نفسي أكثر وأجد ما كنت أبحث عنه لمدة طويلة.

” ذلك الصندوق الذي يُشكله مجتمعنا لكل فئاته، نحشر أنفسنا بقوة بداخله لنصبح مربعات متشابهة فلا ينزعج أحد من اختلافنا “.

غير أن تلك الهوية لم تستمر طويلًا تمثلني، اختفت بسرعة هائلة عندما اكتشفت أن الإطار المجتمعي للفتاة هش جدًا، لا ينطبق دائمًا على الكثير والكثير من الفتيات، و أنني لست وحدي. وجدت نماذجًا للكثير من الفتيات مثلي. اكتشفت أن الفتاة من الممكن أن تصبح قاسية وفظة و وقحة وصلبة، وذلك على الرغم من سوءه إلا أنه أدخل إلى قلبي الراحة عندما استوعبته أخيرًا، لأنه يعطي للفتاة قالبًا جديدًا يجعل هويتها أكثر اتساعًا لتشمل العديد من الأوجه. لذلك ابتعدت  عن هويتي المختلقة،  وأصبحت أكثر اتزانًا بعدها. تصالحت مع نفسي على الرغم من عدم وضوح حدودها بشكل كامل. أصبحت أؤمن بأن هويتي متجددة دائمًا، غير أن ذلك لم يعد يزعجني، لأنني طائرة ورقية، تطير في كل يوم في سماء مختلفة لكنها ما تزال مرتبطة بالأرض.

إن وجهات نظر المؤلفين و الكتّاب الذين يساهمون في سكة، ووجهات نظر الأشخاص الذين تتم مقابلتهم على هذه المنصة، لا تعكس بالضرورة آراء سكة، والشركة الأم، وأصحابها، وموظفيها، والشركات التابعة لها.


ميساء الجابري كاتبة من سلطنة عُمان مهتمة بحقوق المرأة، والأدب، والتاريخ. تقضي ميساء معظم وقتها في القراءة، والكتابة، وخبز الكعك.